بقلم :أ.د.علي أسعد وطفة

كلية التربية - جامعة الكويت

 

 

روائز الذكاء : قراءة في عبقرية بينيه آلفرد

 

بينيه الفرد Binet Alfred  (1857- 1911) عالم نفس وفيزيولوجي فرنسي ولد في مدينة نيس Nice عام 1857 وتوفي في باريس Paris عام 1911. حصل على الليسانس في الحقوق ثم تابع دراساته في مجال الطب وحاز على الليسانس في مجال العلوم الطبيعية، كرس  أطروحته في الدكتوراه لدراسة النظام العصبي للأمعاء عند الحشرات  Le système nerveux sous-Intestinal des insectes([1]). وتجدر الإشارة إلى أن عبقرية بينيه لم تبقى أسيرة علم النفس إذ عمل بينيه في مجال الأدب وقدم  أعمالا أدبية وأبدع مسرحيات قدر لبعضها أن يرى النور على خشبة المسرح. ومن ملامح عبقرية بينيه أنه بدأ  مبكرا جدا بالكتابة والتأليف حيث نشر كتابه الأول في علم النفس بعنوان الحياة النفسية La vie psychique  وهو في الحادية والعشرين من عمره.

شغل بينيه  منصب مدير مخبر علم النفس الفيزيولوجي الذي تأسس عام 1889 وهو المخبر الذي كرس له بينيه حياته وعمل على تطويره إلى حدوده القصوى. وإليه يعود الفضل في تأسيس حولية علم النفس L’année psychologique  عام 1895. ويعد بينيه أيضا المؤسس الحقيقي لعلم النفس التجريبي الفرنسي وبالإضافة إلى ذلك كان أول من بادر إلى دراسة النشاطات النفسية العليا عند الكائن الإنساني.

ويعد بينيه بحق مؤسس علم النفس القياسي  Psychométrieفي مجال علم النفس. هذا ويتفق علماء النفس على أن بينيه هو أول من وضع أول رائز عملي للذكاء وهم بالتالي يقدرون له عاليا هذا العمل العظيم .

تاثر بينيه بعدد كبير من المفكرين مثل تاين  Tain  ، وستيورات ميل  Stuart Mill ،  وتأثر كثيرا باتجاهات نظرية التداعي  Associationnisme  في علم النفس ، وكان ريبو  Ribot   وشاركو  Charcot  من أبرز الشخصيات العلمية التي أثرت في مسيرة بينيه العلمية.

كرس بينيه  جلّ جهوده العلمية في مجال علم النفس المرضي  Psychopathologie،  وفي مجال دراسة  الهيستيريا  Hysterie ، والتنويم المغناطيسي Hypnotisme وهي دراسات مستوحاة من شاركو  Charcot ؛ وقد قدمت هذه الدراسات في سلسلة من الكتب المنشورة أبرزها علم النفس الاستدلال   La psychologie de raisonnement   عام 1886؛  ثم كتابه أبحاث في التنويم المغناطيسي  Recherches sur l’hypnotisme  ، وكتب بالمشاركة مع فيري Féré  كتابه مغناطيسية الحيوان  Magnetisme animal   عام 1886 ؛ وفي النهاية يمكن الإشارة إلى كتابه  تشوهات الشخصية Alterations de la personalité   الذي نشر في عام 1892 وهي السنة السابقة لوفاة شاركوCharcot[2]. 

وفي عام 1892 عين بينيه مديرا مساعدا لمخبر علم النفس وعلم النفس الفيزيولوجي في السوربون ، ثم أصبح مديرا للمخبر بعد ثلاث سنوات، واستطاع من خلال العمل داخل هذا المخبر  أن يؤسس عمليا وبمفرده علم النفس التجريبي الفرنسي وكانت حولية علم النفس  L’année psychologique  نافذته  إلى العالم الخارجي حتى وفاته 1911. ولا بد هنا من الإشارة  إلى كتابه الكلاسيكي الصادر بعنوان مقدمة في علم النفس التجرييبي  Introduction à la psychologie expérimenatale الذي نشر عام 1894 ، والذي تضمن محاولة جادة لرسم الصورة الحيّة لعلم النفس الجديد وتحديد مناهجه الأساسية والمجال الذي يدرسه هذا العلم. وفي هذا الصدد يشير بينيه إلى ريبو بوصفه الرجل الذي علمه بأن الوقت قد حان للانتقال بعلم النفس من صورته التأملية  إلى صورته الأمبيريقية العلمية  ، وأنه يجب مواجهة النظريات الكبرى من أجل إعطاء الأولوية والأهمية إلى الظواهر الواقعية. وفي عام 1894 نشر كتابه علم نفس كبار الرياضيين ولاعبي الشطرنج  Psychologie des grandess calculateurs et joueurs d’échecs ، وأعقب ذلك بكتابه النفس والجسد L’âme et le corps  عام 1905.

وفيما بعد شكل علم نفس الطفل واحدا من المجالات الحيوية لأعمال بينيه وتجسد هذا الإهتمام بتأسيسه لمخبر التربية التجريبية في مدرسة شارع كرانج أوبيل  Laboratoire de la pédagogie expérimentale à l école de la rue de la Grange aux- belles وذلك بالتعاون مع فاني Vaney  ، كما تجلى اهتمامه هذا بالطفولة أيضا  في كتابه الأخير الموسوم بـ الأفكار المعاصرة حول الطفل Les idées modernes sur Les enfants    والذي كان خاتمة أعماله في عام 1911؛  ويشتمل  هذا الكتاب على تصورات بينيه حول التعلم والتعليم التجريبي في زمنه وينطوي على خلاصة أفكاره في مجال التربية .

 

 

 

مقياس الذكاء عند بينيه :

تتجسد  عبقرية بينيه العلمية في جهوده التي أدت إلى بناء أول رائز عملي للذكاء  في مجال علم النفس. ومن أجل هذه الغاية كان بينيه قد كرس مع زميله سيمون Simon  مدة عشر سنوات لبناء مثل هذا المقياس القادر فعليا على تصنيف الأفراد وفقا لقدراتهم العقليه([3]). ففي عام 1895 ظهرت مقالة بينيه وهنري ينقدان فيها الاختبارات المستعملة لقياس الذكاء حتى هذا الوقت ، وعكف بعدها بينيه وزملاؤه حوالي عشر سنوات لوضع مقياس الذكاء والقدرات العقلية المنشود وتم ذلك في عام 1905[4].  وقد مثل هذا الاكتشاف ميلاد علم نفس الفرق الفردية  Psychologie différentielle  العلم الجديد بأهدافه ومناهجه والذي يدرس الفروق الفردية لمختلف الوظائف العقلية. وقد بلغ هذا الاكتشاف شأوا عظيما في مجال علم نفس القياس وهو يمثل في حركة القياس العقلي على حد تعبير أحمد زكي صالح : أهمية  اكتشاف الصفر في الحساب([5]).

  وقد سبق لبينيه أن نشر كتابه  الموسوم " دراسة تجريبية في الذكاء " عام 1902 وانطلاقا من تحليله لعمليات الذكاء يشير بينيه إلى وجود نوعين هما الذكاء الذاتي والذكاء الموضوعي وهذا ما يستوحيه يونغ  Jung  بعد عدة سنوات وذلك للتميز بين الشخصية الانطوائية Introverti  والشخصية المنبسطة  Extraverti .

واستجابة لدعوة جادة من وزارة المعارف الفرنسية في عام 1904 التي أعلنت عن الحاجة الماسة لإيجاد مقياس عقلي لاصطفاء التلاميذ القاصرين عقليا ومساعدتهم في الارتقاء بقدراتهم التعليمية والعقلية  ترتب على بينيه الذي كان واحدا من أعضاء اللجنة التي شكلت لهذا الغرض أن يرسم أفضل المناهج من أجل اصطفاء الأطفال الذين يعانون من ذكاء منخفض. وخلال أقل من سنة وبمساعدة ت. سيمون  T.Simon  تم إعداد المنهج المطلوب ونشره عام 1905 في حولية علم النفس " تحت عنوان : " مناهج جديدة لتشخيص المستوى العقلي للمتخلفين. ومع أن هذا العمل قد ظهر سريعا إلا أنه يمثل خلاصة جهود بينيه لمدة عشرين عاما. لقد تضمن الكتاب سلسلة من ثلاثين اختبارا وذلك لقياس مستوى ذكاء الأطفال. وقد خضع هذا المقياس لمراجعة بينيه وسيمون عام 1908 وإجراء بعض التعديلات عليه. وظهرت في عام 1911 نسخة محسنة للاختيار وذلك قبل موت بينيه بقليل من الزمن.

كان اختبار الذكاء الذي ابتكره بينيه وسيمون عام 1905 أول اختبار عقلي قابل للتطبيق  وقد عرف بينيه على أثر ذلك بوصفه مؤسس مناهج القياسي العقلي. ويرتكز هذا النجاح الكبير لبينيه إلى ثلاثة عوامل: أولها أن بينيه كان يعترف بوجود وظيفة عامة للذكاء العام  وأن هذا الذكاء قابل للقياس بتوسط اختبارات وهي اختبارات لا تتجه إلى قياس العمليات العقلية الأولية فحسب بل تسعى لقياس الوظيفة العليا للنفس الإنسانية ؛ ويضاف إلى ذلك كله أنه اعتمد وحدة قياس ذهنية تتيح له أن يدرك مستوى الذكاء على نحو كمي متدرج. ومع أن هذا المقياس قد حقق نجاحا كبيرا إلا أن ذلك يجب أن لا ينسينا  أهمية الجوانب الأخرى لعمله في ميدان علم النفس.

مكونات مقياس بينيه للذكاء :

يفصح الذكاء عن نفسه كما يعتقد بينيه في أربع من القدرات العقلية الأساسية هي: الفهم ، والابتكار، والنقد ، والقدرة على الحكم. ومن هذا المنطلق بدأ بينيه يصوغ أنواعا من الاختبارات تجس العقل في هذه النواحي المختلفة حيث ينطوي المقياس على اختبارات للفهم  والتذكر والموازنة ، ومقاومة الإيحاء والاستخدام الصحيح للغة [6]؛ ويتألف من 30 سؤالا مرتبة حسب درجة صعوبتها. وقد راعى بينيه في وضع بنود المقياس أن تكون هذه البنود قادرة على قياس الذكاء الذي يعتمد على الخبرات المشتركة للأطفال دون أن تتأثر بالمعلومات المكتسبة ويصلح هذا المقياس لقياس ذكاء الأطفال من الذين تقع أعمارهم بين الثالثة والحادية عشره.

عدّل بينيه مقياسه مرات عديدة وكان آخر تعديل له سنة وفاته عام 1911. وقد حدد لكل عمر من الأعمار مجموعة من الأسئلة التي تناسبه وتتألف كل مجموعة من ست أسئلة وبذلك يكون أول من وضع أول وحدة في القياس  العقلي وهو العمر العقلي. وقد قدر لمقياس بينيه أن ينتشر في أنحاء العالم وترجم إلى عدة لغات وزاد عليه المشتغلون في هذا الميدان حيث عدله تيرمان في جامعة ستانفورد في أمريكا ونشره عام 1916 تحت اسم مقياس ستانفورد بينيه للذكاء ([7]).

يكفي الباحث أن يعود إلى مجلة حولية علم النفس L’année psychologique  وأن يبحث في أعداد هذه المجلة منذ العدد الأول ليجد عظمة الأعمال التي قدمها بينيه لعلم النفس حيث تتضمن المجلة المشار إليها نتائج أبحاث بينيه وهنري حول الذاكرة حتى عام 1911 وهنا تتبدى بكل وضوح هذه الغزارة وهذا التنوع الكبير في أعمال ونشاطات بينيه في مجالات سيكولوجية مختلفة:  في مجال العدالة ،وعلم قراءة الخطوط والمورفولوجيا ، وعلم النفس الفيزيولوجي والحياة العقلية ، وفي نظريات فرويد ويونغ، والتحليل النقدي لأفكار بانبسكي حول الهيستيريا ، وعلم نفس كبار الرياضيين وكبار لاعبي الشطرنج ، وفي سنواته الأخيرة كان يسعى لوضع  كتاب بعنوان " الجامع لعلم النفس الطبيعي والمرضي "  Traité de psychologie normal et pathologique   الذي كان يرغب من خلاله أن يجمع بين تجربته العلمية الكلية ولكن يد الموت كانت له بالمرصاد فباغتته في  في الرابعة والخمسين من عمره فقطعت عليه طريق إنجاز هذا العمل. ولقد كتب زميله وصديقه عالم النفس السويسري كلاباريد  Claparede  قائلا : إن اسم بينيه سيبقى بين أسماء كبار العلماء في مجال علم النفس وأن دورة الزمن ستعطي اسمه مزيدا من الشهرة والتألق "([8]).



[1] Encyclopédie de larousse ,paris. P.1252.

[2] Ecyclopédie de l’universall.Paris. (p.616).

[3] عاقل ،فاخر : علم النفس ، دار العلم للملايين ، بيروت ، 1977.(ص454).

[4] صالح -أحمد زكي : علم النفس التربوي ، مكتبة النهضة المصرية ، اط10، القاهره ، 1972. (ص:550) 

[5] المرجع السابق ص :551 .

[6]  درقاوي ؛ أسعد عربي : فصول في علم النفس العام ، مؤسسة الأمالي الجامعيه ، جامعة دمشق ، 1975-1976. (ص202) 

[7] داؤود ، ليلي : علم النفس الاجتماعي ، مؤسسة الأمالي الجامعية ، جامعة دمشق ، 1977-1978.(ص:260)

 

[8] [8] Ecyclopédie de l’universall.Paris. (p.617).