أ.د. علي أسعد وطفة
143
الديمقراطية التربوية بين مسؤولية المدرسة ومسؤولية المجتمع:
مقدمة:
تحتل الديمقراطية التربوية، اليوم، مكانا هاما، بين القضايا الاجتماعية والسياسـية
المعـاصرة. وتتجسـد هـذه المسألة في أبعاد سياسية
ونضالية متنوعـة إذ تـبرز جليـة فـي برنـامج الأحزاب السياسية المتعارضة، أو في
الحركـات النضالية للشباب والطلاب التي تسعى إلى تحقيق المبدأ الديمقراطي فـي
مجـال التربية والتعليم. ويكفي أن نشير في هذا السياق إلى ما شهدته
المرحلـة التاريخية المعاصرة من مظاهرات طلابية اندلعت في باريس عام 1986.وتلاحـقت
فـي كـل من روما والصين وذلك من اجل تحقيق ديمقراطية التعليم في مجال الدراسات
العليا والجامعية. وقد ترافق البعد السياسي للحركة
الديمقراطية مع نمو اتجاهات علمية واسعة تمثلت في الأبحاث الاجتماعية التي أخذت
على عاتقها مهمة دراسة وتحليل واقع مسـألة الديمقراطية التربويـة كقضيـة اجتماعيـة
بالغـة الحساسية والدقة. واصبـح النضال
، من اجل تحقيق الديمقراطية التربوية والتعليمية، يمثل اليـوم إحدى الجبهات
المتقدمة لصراع الإنسانية التاريخي من اجل المساواة والعدالة الاجتماعية.وذلك لأن
الديمقراطية التربوية تشكل مضمون ومحتوى الديمقراطية الاجتماعية، وتجسـد إحدى
تجلياتهـا وغنـي عـن البيان أن الديمقراطية الاجتماعية تمثل الإطار العـام لكافة
أشكال الديمقراطية السياسية والاقتصادية والثقافية، وهذا يعني في نهاية الأمر أن
الديمقراطية تشكل كلا متكاملا لا يقبل الفصل أو التجزئة يتمثل في مبدأ العدالة
الاجتماعية.
فـي سـياق هـذا الفصـل سنحاول
الإجابة عن جملة من التساؤلات الهامة الخاصة بقضيـة ديمقراطيـة التربيـة والتعليـم . وهي قضية يمكن تحديدها
بالمسائل التاليـة: مـا العلاقـة التي توجد بين الديمقراطية التربوية والديمقراطية
الاجتماعيـة ؟ هـل تقـوم المدرسـة حقا بتقليص العدالة الاجتماعية أم تكرسـها ؟ هل
تستطيع المدرسة والمؤسسات التربوية أن تلعب دورا جوهريا في اسـتئصال اللامسـاواة التربويـة والاجتماعية ؟ في النهاية على أية جهة
تقع مسؤولية اللامسـاواة التربوية والاجتماعية ؟ هل تقع
على عاتق المدرسة ؟ أم هـي مسـؤولية المجـتمع ؟ هذه التساؤلات ستشكل المحاور
الأساسية لعملنا في هذه المقالة.
مفهوم الديمقراطية التربوية:
إذا كان التحصيل العلمي والمعرفي
يمثل نوعا من الخيرات المادية والروحية، وتلـك هـي حقيقـة لا تقبـل الجـدل، فـان
الديمقراطية التربوية تتجسد في التـوزيع العـادل للخـيرات التربويـة بيـن أفراد
المجـتمع. فديمقراطية التعليـم وفقـا لذلك الاعتبار لا
تتحقق في توفير الفرص التربوية المتكافئة فحسـب، وإنما في توفير الإمكانيات
المتكافئة للتحصيل التربوي بين أفراد المجـتمع. هـذا التعـريف يعطي لديمقراطية
التعليم بعدا جديدا، يتجاوز جـدران المؤسسة المدرسة إلى
عمق الحياة الاجتماعية والتربوية. وهذا يعني، فـي نهايـة
الأمر، أن الديمقراطية التربوية لا يمكن أن توجد إلا في سياق ديمقراطي للحياة
الاجتماعية.
التوزيع غير المتكافئ للخيرات
المادية والروحية في المجتمع” (1). ومن الواضح أن هذا التعريف يؤكد على أهمية
الحياة الاجتماعية كمصدر للتوزيع غـير المتكافئ للخـيرات المادية. فالتربية هي نوع
من الخيرات المادية والروحيـة فـي أن واحد وبالتالي فان التوزيع المتكافئ لهذه
الخيرات يشكل البعد التربوي لمسالة اللامساواة الاجتماعية. وهذا يعني أن المساواة،
في ميـدان التربيـة والتعليـم، تتجسـد فـي عمليـة التوزيع المتكافئ للخيرات
التربويـة، وتمكـين أفراد المجـتمع كافة من الحصول على نصيب متكافئ من الخـيرات
التربوية المتاحة، وبالتالي تمكين كل فرد في المجتمع من إشباع كـامل لاحتياجاتـه
العلميـة والتربويـة فـي إطار المؤسسـات التربوية وفقا لمعطيات الثروة التربوية
المتوافرة في المجتمع.
إن التحـديد الـذي سـقناه
لمفهوم اللامساواة التربوية يتباين إلى حد ملحوظ مـع عـدد كبير من التحديدات التي
تعبر عن وجهات نظر مختلفة، وسنكتفي هنا بالإشارة إلى تحديد ميليارية
غاستون ( Miliaret
Gaston ) الذي ينظر إلى
المسـاواة التربوية بوصفها” إمكانية متاحة، أمام الأطفال كافة، من اجل الحـصول
عـلى تعليم متكافئ يتكيف مع استعداداتهم العقلية الخاصة، وذلك بشـكل مسـتقل عـن
تأثير الشـروط الاجتماعيـة الخارجية: كالوضع الاقتصادي والاجتماعية لعائلاتهم”
(2). ومن الملاحظ تحديد ميليارية يركز على أهمية
الاسـتعدادات العقلية والذكاء كمبدأ أساسي لديمقراطية التربية، وهو بذلك يتجـاهل
طبيعـة العلاقـة الجدلية القائمة بين الاستعدادات العقلية وجذورها
الضاربة في ارض الحياة
الاجتماعية .
مسؤولية المدرسة أم مسؤولية
المجتمع:
تشكل المؤسسـة المدرسية جانبا من
جوانب الحياة الاجتماعية وهي وثيقة الصلة بالحيـاة الاجتماعية وتفاعلاتها. فكل مجتمع من المجتمعات يحدد وظيفة نظامه التربويـة ويكرسـه
كوسـيلة لمعـاودة إنتاج العلاقـات والبنـي الثقافيـة والاجتماعية الخاصة به. إن
عملية الفصل السوسيولوجي بين المجتمع والمدرسة يمثـل خـطوة منهجيـة لتحليل ووصف
العمليات التي
تحدث في كل منهما ولدراسة العلاقات القائمة بين المؤسستين.
إن علـم اجتمـاع المؤسسـات
الصغـرى ( الميكروسوسيولوجي ) يتناول المؤسسة المدرسـية
كمجتمع مستقل عن إطاره الاجتماعي العام، ولا يخلو ذلك من الأهمية العلميـة
والمنهجيـة في معرفة وتحليل الظواهر التربوية التي تتم في إطار المؤسسة المدرسـية.
وفي هذا المستوى من الدراسات السوسيولوجية المصغرة يـذهب بعض الباحثين في مجال التربية
وعلم النفس التربوي إلى المبالغة في اتهـام المدرسـة وفـي تحميلهـا مسؤولية
اللامساواة التربوية وفقا لعمليات وفعاليـات تربويـة مـن شـأنها تكريس التفاوت
والتباين بين أطفال المدارس وروادها.
وعلى خلاف ذلك يميل بعض علماء
الاجتماع في دراستهم السوسيولوجية التي تتميز بالشـمولية ( المايكروسوسيولوجي
) إلى تجاهل ما يحدث في إطار المدرسة من عمليـات تربويـة وممارسات من شأنها تكريس
التفاوت التربوي، ويذهبون إلى التـأكيد عـلى الـدور الحاسـم لشـروط الحياة
الاجتماعية غير المدرسية في إنتاج ظاهرة اللامساواة التربوية.
ومـا بيـن دور المدرسـة ودور
المجتمع، وما بين مسؤولية المدرسة مسؤولية المجتمع، في تكريس أو تقليص اللامساواة
التربوية، تدور المجادلات الفكرية بيـن فـريقين مـن الباحثين. وبين هذين
الاتجاهين، يبرز اتجاه آخر يتميز بالاعتدال ويأخذ مكانا وسطا بين التيارين
السابقين، إذ يرى أصحاب الاتجاه المعتـدل أن اللامساواة التربوية هي مسؤولية
المدرسة والمجتمع في آن واحد، وأن لكـل دوره، ولكـل منهمـا
أهميته فـي إنتاج اللامساواة التربوية بين الناشئة.
مسؤولية المدرسة:
لقـد ارتبـط اسـم المدرسـة
تاريخيـا بالعدالة الاجتماعية فالمدرسة في تصور النـاس كـانت، بالأمس، ومازالت،
حتى اليوم، مملكة العدالة والمساواة والحريـة، فيهـا ومـن خلالهـا يستطيع الأطفال
خوض معركة الحياة دون إكراه التمييز الاجتماعي والعنصري. فالفشل والنجاح والتفوق في السيرة المدرسية هـي مسائل مرهونة بنشاط
الأفراد ومواهبهم ومستويات ذكائهم. وهكذا تتبدى المدرسـة
كعـالم مستقل ومنفصل عن الحياة الاجتماعية والسياسية وهي إذ ذاك مـوطن العدالـة
والأمان مهمـا بلغت حدة المظالم الاجتماعية في ذلك العالم الذي يحيط بها ويحتضنها.
ففكـرة الديمقراطيـة
التربويـة مـازالت رهينـة التصورات الإغريقية القديمة ومـازلت مقولـة الفيلسوف
اليوناني افلاطون” لا أحد يعرف من أين تتوهج نار
العبقريـة: تهيمـن عـلى أفكارنا وتصوراتنا وها هي المدرسة كفيلة باكتشاف هـذه
العبقريـات والعمـل عـلى تطويرهـا وتفجيرهـا، ويكـفي أن نفتح أبواب المدرسـة أمام
جميع الأطفال لكي يتاح لكل منهم تحصيل المعرفة والعلوم بما ينسـجم مع طاقاته
العقلية والفكرية، وهنا تكمن العدالة التربوية وتتجسد ديمقراطية التعليم ! ولقـد
شكلت المدرسة في النصف الثاني من ذلك القرن العشرين دريئة تتناولها السـهام من كل
حدب وصوب، بوصفها المسؤول الوحيد عن كافة أشكال اللامساواة التربويـة التي تظهر
بين الاطفال والناشئة. ويكاد
يكون حال المدرسة وفقا لهـذه الرؤيـة كحال المتهم الذي يسهل وضعه في قفص الاتهام.
إن شدة وحجم الانتقـادات التـي وجـهت إلى المدرسـة بوصفهـا المتهـم الأول والمسؤول
عن اللامسـاواة التربويـة يمكـن أن تـبرر مبدئيـا
بسهولة الهجوم على المؤسسة المدرسـية، وذلـك بالمقارنـة مـع النتائج المترتبة
للهجوم الذي يمكن إن يوجـه بشـكل مباشـر للأنظمة الاجتماعيـة والسياسـية القائمة. ويمكن لنا الافـتراض أيضا بـان الهجـوم الشديد على المؤسسة
المدرسية يتعلق بالأهمية البالغـة التي يمكن أن تمارسها في تقليص حدة التفاوت
التربوي القائم بين أبناء الفئـات الاجتماعيـة المختلفـة. إن كثـيرا مـن البـاحثين
يرى بان المؤسسـة التربويـة هـي المكـان الأفضل للنضال الاجتماعي
، ليس نحو تحقيق التكـافؤ الـتربوي فحسـب، وإنما من اجل تحقيق العدالة
والديمقراطية على المسـتوى الاجتمـاعي برمته. وهنا تكمن
بعض الأسباب الموضوعية لحدة الهجوم على المؤسسة المدرسية والتي أريد لها أن تتحول
إلى أداة ثورية فعالة بين أيدي الطبقة الاجتماعية المقهورة.
فالنظـام المدرسي لم يوجد، على حد تعبير جاك هالاك Jacques allak
"مـن اجـل تلبيـة احتياجـات المجـتمع إلى اليد العاملة فحسب وإنما من اجل
تطبيـع أطفال المـدارس وإعدادهم لقبول النظام السياسي والاقتصادي القائم عـلى أسس اللامسـاواة الاجتماعيـة (4). فالنظام المدرسي القائم قد اصبح بـديلا للكنيسـة فـي تعزيزه لأنظمة الاجتماعية القائمة.
إن المدرسة، وفقا لمنظـور هـالاك، تقـوم بـدور مـزدوج فهـي تقـوم بتلبية احتياجات
النظام الرأسـمالي لليد العاملة من جهة، وإضفاء الشرعية على البنية الطبقية من
جهـة أخرى : إن الرأسـماليين يـرون في اتساع النظام
التعليمي امتدادا لسلطتهم ونفوذهم (5). وفـي عملـه الشـهير : معـاودة الإنتاج La reproduction يرى بورديو Bourdieu أن بنية النظام المدرسي ووظيفته يعملان على ترجمة اللامساواة من
مسـتواها الاجتمـاعي، بشـكل مستمر ووفقا لرموز متعددة، إلى اللامساواة في المسـتوى
المدرسـي” ( 6). وليس للمدرسة من مهمة " سوى
تعزيز وتأكيد قيم الطبقـة الاجتماعيـة السـائدة والعمـل عـلى إعادة إنتاج العلاقات
الطبقية القائمة ثم إعطائها طابع الشرعية في آن واحد (7) .
وكـان لهـذه الانتقـادات
الموجهة ضد المدرسة أن تشكل مخاض ولادة اتجاه فكرى جـديد ينـادي بإلغاء المؤسسة
المدرسية والمؤسسات التربوية الأخرى. ويعتبر المفكـر الـتربوي ايفان
ايليتش Ivan Illich من أبرز دعاة وممثلي ذلك الاتجاه. ينطلق ايليتش، وغيره من
الداعين إلى إلغاء المؤسسات المدرسية في هجومهم على المدرسة، من الأطروحة التي
تقول أن الثقافة التي تبثها المدرسة ثقافة شـكلية لا صــلة لها بالحياة الاجتماعية
والواقع الاجتماعي الذي يعيشه أطفال المـدارس. ويـذهب ايليتش بعيـدا فـي تصوراته
ليعلن من جديد إن " المجتمع الـذي يخـلو مـن المدرسـة سيخلو من العقبات التي
تقف في وجه أبناء الفئات الاجتماعية المهيضة [....] أن الدعوة إلى مشروع تربوي
متكافئ عادل ما هي إلا
حماقة وهراء برجوازيين (8) .
ويعـد كـل مـن بودلو واستابليه من كتابهما المشهور المدرسة الرأسمالية في فرنسـا L'ecole capitaliste en france مـن ابرز المتطرفين المعاصرين فـي التأكيد على
الدور الطبقي للمدرسة. إذ يعتقدان أن المدرسة في فرنسا ليسـت سـوى آلـة برجوازية
في خدمة الطبقة البرجوازية الفرنسية، وذلك لان ظيفتـه
تكـمن فـي دفـع أطفال العمال إلى الإخفاق المدرسي، وإلى مواقعهم الاجتماعيـة
المحـددة لضمـان عمليـة اسـتغلالهم وتكريسـها. وأن المدرســة الرأسـمالية تعمـل
عـلى ترجمـة التبـاين الاجتمـاعي القائم بين الافراد في
المجـتمع إلى تبـاين المدرسـي يتجـلى فـي المسـتويات المختلفـة للنتائج المدرسـية.
وفـي المحصلـة يـرى الكاتبان أن هذه المدرسة تعمل على
إعادة إنتاج علاقة الإنتاج الرأسمالية وتعزيزها(9). فالمدرسـة،
كمـا تبيـن الدراسـات الجارية لا تمثل، في أي حال من الأحوال ذلـك المكـان الـذي
تتحـقق فيه الديمقراطية التربوية، وذلك بحكم بنيتها الطبقيـة ووظائفهـا
الإيديولوجية. وإذا كـانت المدرسـة تخـضع الأطفال حقا
لمعـايير واحـدة وقـوانين واحـدة فان الأطفال يتباينون في قدراتهم الأولية
واللاحقة على خوض التجربة المدرسية و النجاح فيها.
وإذا كـانت المدرسـة تسـعى
إلى تحـقيق التجـانس الثقافي في إطار المجتمع فأنهـا، كمـا يبين دوركهايم، تسعى
إلى تحقيق التباين، في مرحلة لاحقة، وخاصة في مراحل التعليم العليا.وتتجسـد اللامسـاواة التربوية في أبعاد مختلفة أبرزها: تسرب عدد كبير
من التلاميـذ خـارج النظام المدرسي، وإخفاق عدد آخر، وتوجه التلاميذ والطلاب نحو
فروع علمية ودراسية متباينة الأهمية على المستوى الاجتماعي.لقـد
بـدأت سـهام النقـد توجـه إلى المدرسة من كل حدب وصوب بوصفها جهازا إيديولوجيا
يسـعى إلى تكـريس التفـاوت بين التلاميذ وفقا لمعايير الانتماء الاجتمـاعي
والطبقـي السـائد فـي المجتمع. فالمدرسة على حد تعبير بورديو Bourdieu " تترجم اللامساواة الاجتماعية
إلى صيغتها المدرسية عبر صيرورة من العمليات والأوليات المختلفة” (22،112). وهـي
فـي عـرف بودلـو Boudelot “
أداة فـي خدمـة
البرجوازية تعمل على دفع أطفـال العمـال إلى الإخفاق واتخاذ مواقعهم في مراكز
الاستغلال الاجتماعي، وهـي بالإضافة إلى ذلـك كلـه تسهم في معاودة إنتاج العلاقات
البرجوازية القائمة(23).
ولا يقـف المفكـر الأمريكي اليتش
عنـد حـدود اتهـام المدرسـة بـل يدعو إلى إلغائها لأنها أداة تسـعى إلى تكريس
التباين بين الناس واللامساواة بين الأطفال. وفي هذا السياق يقول اليتش” إن المدرسة الواحدة من أجل الجميع مجرد وهم
خالص”(26،24) .
و تشـير الدارسات الجارية في ميدان اللامساواة
المدرسية إلى تدخل منظومة من العـوامل الاقتصاديـة والثقافيـة والاجتماعيـة فـي
موازنـة تحـقق العدالــة التربويـة، ومـن أهـم النتـائج التـي تطرحهـا هـذه
الدارسات يمكن أن نسجل المحـاور التالية:
1- غالبـا مـا يكـون النجـاح والتفوق المدرسيان من نصيب أبناء الفئات
الاجتماعية الميسورة. وعلى خلاف ذلك ، غالبا، ما يكون
التسرب والإخفاق في المدرسـة من نصيب أبناء الفئات الاجتماعية الفقيرة.
2- يلعب مستوى دخل الأب وثقافته دورا
كبيرا في تحديد مستوى نجاح التلاميذ في المدرسة.
3- يلعـب الأصل الاجتمـاعي للأب دورا
مـتزايدا فـي كافـة عمليات ومراحل التحصيل المدرسي.
4-
تمـارس مجموعـة مـن المتغيرات الاجتماعية دورا كبيرا على مستوى تحصيل الأطفال
مثـل: حجـم الأسرة، ودرجة تماسكها، ومستوى لغة الأسرة وطابعها،ومكان
السكن الخ..
والسـؤال المركـزي الذي يطرح
نفسه باستمرار هو: هــل تستطيع المدرسة أن تحقق
الديمقراطية التربوية ؟ وإلى أي حد يمكن لها أن تنجز ذلك
؟
والإشكالية التـي تطـرح نفسها
دائما هي أن مصدر اللامساواة التربوية يعود إلى اللامسـاواة
الاجتماعيـة التي توجد داخل المجتمع والتي تجد تعزيزا لها بين جدران المدرسة.
اتهام المجتمع:
هـذه الإشكالية ليست بالأمر
الجديد إذ سبق لدوركهايمDurkheim
E.مؤسس
علـم الاجتمـاع الـتربوي أن تناول هذه المسالة بالدراسية والتحليل. ويؤكد دوركهـايم فـي كتابـه التربيـة والمجـتمع Socioogie et Education
على الهويـة
الاجتماعيـة للمؤسسـات التربويـة. ويقول في معرض ذلك إن "الأنظمة التربوية
ترتبط ارتباطا عميقا بالأنظمة الاجتماعية" (10). وهو بذلك ينطلق مـن مقولتـه
الشـهيرة التـي ينظـر مـن خلالهـا إلى التربية بوصفها " ظاهرة اجتماعيـة فـي بنيتهـا وفـي
وظيفتها" (11).وفي موضع آخر يقول دوركهايم أن التربيـة" هـي قبـل كـل شـيء الوسـيلة التـي
يعتمدها المجتمع في تجديده المستمر لشروط وجوده الخاصة " (12) .
لقـد
كـان لآراء دوركهـايم، فـي تحـديد طبيعة الصلة بين
الظاهرة التربوية والظـاهرة الاجتماعية، اثر كبير في ولادة اتجاه فكري آخر يرى أن”
المدرسة ليست مسؤولة عن اللامساواة الاجتماعية والتربوية وهي غير قادرة على
التأثير فـي هـذه المسـألة أو تغييرهـا” (13). وفـي سـياق ذلك الاتجاه الفكري يرى كريستوفي جينكي Christopher Jenkis أن قدرة المدرسة على المساهمة في تحـقيق المسـاواة مرهـون إلى
حـد كبـير بتغـير عميق في البنى الاقتصادية والسياسـية القائمـة. وتجـد آراء كريسـتوفي تعزيـزا لها في فلسفة المفكر الفرنسـي جـورج سـنيدر
Snyders George الــذي يــرى أن”
اللامســاواة الاجتماعيـة مصـدر لكافـة أشكال اللامساواة التربوية والمدرسية”
(14). وهو ينطلـق فـي مقولتـه هـذه مـن الأطروحة
الماركسـية المعروفة التي ترى " أن المدرسـة فـي مجتمع طبقي لن تكون ولا يمكن
أن تكون إلا مدرسة طبقية” (15).
ويميـل سـنيدر إلى الاعتقاد
باستحالة وجود المدرسة اللاسياسية التي لا ترتبط بمصـالح طبقـة اجتماعيـة والتـي
تكـرس لخدمـة جـميع الفئات الاجتماعية دون اسـتثناء والتي تسعى إلى تحقيق مبدأ
الازدهار والتكامل في شخص الأطفال دون تمـيز” هـذه المدرسة ليست في نهاية الأمر
سوى أكذوبة برجوازية هدفها خداع الجمـاهير” (16). ونجـد صـدى مثل هذه المقولة عند هيتان رايمون ( (Raymon
Huitin) فـي كتابـه” فـرص للجميع” (
Des chances pour tous ) حيث يميل إلى الدقـة الامبيريقيـة
فـي تحـليل العلاقـة بين وظيفة المدرسة الاصطفائية والبنية الطبقية للمجتمع. وفي معرض
ذلك يشير هيتان إلى أن وظيفة المدرسة الاصطفائيـة تفـرض
عـلى المؤسسـة المدرسـي وفقا لمعايير الطبقة السائدة في المجـتمع” وهـي بـذلك
تسـتبعد الأطفال الـذين يخفقون في سيرتهم المدرسية وتعزيـز مسـيرة هـؤلاء الـذين
يسـجلون سـيرة مدرسية ناجحة، وذلك كله وفقا لمعايير اجتماعية محددة بشكل مسبق” (17).
لقـد كـان لذلك التباين، في وجهات النظر حول دور
كل من المدرسة والمجتمع في تكريس اللامساواة الاجتماعية والتربوية، أن يغني
المضمون العلمي لجدل العلاقـة بيـن التربيـة والحيـاة الاجتماعيـة عـلى مستوى
البنية والوظيفة. وبعبـارة أخرى تكمن القيمة العلمية
لتباين هذه الاتجاهات الفكرية في إعطاء صـورة كليـة متكاملـة لطبيعـة العلاقة بين
النسق التربوي في مختلف مؤسساته التربويـة وإطار الحيـاة الاجتماعيـة فـي جوانبهـا
السياسـية والاقتصاديـة المتعددة. ويعود هذه التعارض بين
الاتجاهات الفكرية إلى نوع من الغنى من مناهج البحث المستخدمة وإلى نوع من تباين
الحالات المدروسة، أو إلى نوع من التناقض في الخلفيـات الثقافية الإيديولوجية
للباحثين والمفكرين. ورغم ذلك كله نستطيع أن نلاحـظ سـمات مـن التجانس والوحدة في
إطار ذلك التنوع الفكري الكبير، وهنا تكمن الأهمية العلمية للجدل الدائر حول مسألة
اللامساواة الاجتماعية. وحـين يتسنى لنا أن ننطلق من
إطار الوحدة والتجانس بين هذه الاتجاهات يمكن لنـا أن نحـدد بعض المحاور المشتركة
لذلك التنوع الفكري. وفي هذا السياق يبـدو لنـا ضروريـا
أن نبرز بعض النقاط المشتركة التي تمثل حصادنا الفكري لطبيعة العلاقة بين المدرسة
والمجتمع:
- المدرسـة لا تمثـل عالما منفصلا عن الحياة الاجتماعية وهي في
كافة أحوالها مؤسسـة اجتماعيـة مـن مؤسسـاته تخـضع لجـدل العلاقات القائمة بين
المؤسسات الاجتماعية.
- وإذا كـانت وظيفـة وبنيـة المؤسسـة المدرسـية مرهونـة بالشروط
الاجتماعية
القائمـة فـان ذلك لا يتعارض
مع هامش من الاستقلال النسبي الذي تتمتع به هذه المؤسسـة التربويـة، ويبقى مثل ذلك
مرهونا بمستوى وعي العاملين في الحقل التربوي وطبيعة انتماءاتهم الاجتماعية
وخلفياتهم الثقافية.
- هـذا ويمكـن للمدرسـة أن تلعـب أدوارا متعددة ومتباينة، فهي
قادرة على تكـريس اللامسـاواة الاجتماعيـة التربويـة
كمـا يمكـن لها أن تسهم في تقليص اللامسـاواة
الاجتماعيـة والحـد منها وذلك مرهون بجملة من الظروف الاجتماعية والسياسية
القائمة.
هوامش ومراجع:
1- Girod Roger: Les inegalités sociales, P.U.F.,
2- Miliaret
Gaston,
Vocabulaire
de l'education: Education et sciences de l'education, Paris, P.U.F., 1979, (P199).
3- Snyders (G.),
Ecole classe et lutte des classes, P.U.F,
Paris (1982).
.4- Hallak
(J.), A qui
profite
l'ecole ?, Paris, P.U.F,(p88)
5-Meme source,(p120)
6- Bourdieu et Passeron (J. C.), La
reproduction, Paris.Minuit, (1970), (P.192)
. 7-
Meme source, (P.246).
8- Illiche Ivan, Une societe sans ecole, Paris,
Seuil, (P.26)
9- Baudelot (C.) et Establet (R.), L'ecole
capitaliste en France, Paris, Maspero,(1971).
10-. Durkhein (E.), Education et
sociologie, Paris, P.U.F.(1966),(P.86).
11- Meme source, (P.87).
12 - Meme source, (P.82).
13- Christophy
(J.) et Mary J.B., School and inquility saturday Review et Washington post,17 avril
(1972),In Gras (A.),"Sociologie de l'éducation: Textes
fondamentaux,Paris,
Larousse,(1974),(p.311).
14-. Voir Snyders (G.), Ibid.
15- Meme source, (P.29).
16- Meme source, (P.30 et 31).
17 -. Huitin (R.), Des chances
pour tous, Geneve, 1979, (P.30).
18- Bourdieu (p.) ouv.cité
(p.112).
19- Boudelot (E.) ouv.cite.
20- Illiche (I.) ouv.cite
(p.26).