378

 

بقلم :عدنان عيسى الجنادي

 

قراءة في كتاب التربية والمجتمع

 

تأليف أميل دوركهايم ، ترجمة الدكتور علي وطفة ,

 

يعد المفكر الفرنسي أميل دوركهايم ، بالإضافة إلى شهرته الواسعة في مجال علم الاجتماع، واحدا من كبار مفكري التربية الكلاسيكية في فرنسا، وقد ترك بصماته الواضحة على تاريخ الفكر التربوي العام ويتجلى ذلك بيننا وجليا من خلال آثاره المتعددة. التي نختار منها كتاب التربية والمجتمع الصادر عن  دار الوسيم للطباعة بدمشق والذي ترجمه إلى اللغة العربية  الدكتور علي أسعد وطفة أستاذ علم الاجتماع التربوي في جامعة دمشق.

يشتمل الكتاب على أربع دراسات وردت كالتالي :

- التربية طبيعتها ودورها .

- طبيعة  علم التربية ومنهجه .

- علم التربية وعلم الاجتماع .

- تطور التعليم.

يؤرخ دوركهايم  في كتابه هذا للتربية منذ نهاية القرن الثامن عشر بأسلوب ممتع وسهل وجذاب يأخذ بيد القارئ أخذا لطيفا لمتابعة موضوعاته بدءا من تعريفه لتوظيف كلمة التربية وكيف أريد لها أن تعطي دلالة تتصف بطابع الشمولية، وأن تشير إلى جملة التأثيرات التي يتلقاها النشء من الكبار مكرسا جل وقته وهو أستاذ في السوربون ليحقق فضل السبق بصفة عامة بين علماء الاجتماع بتحليله للعملية التربوية، حيث يعتبر أول من أشار بوضوح تام إلى الحاجة الماسة لمدخل اجتماعي لدراسة التربية في أواخر القرن الثامن عشر ومطلع القرن التاسع عشر، حيث توهجت عبقريته في ذلك الوقت لتجعل منه واحدا من كبار المفكرين التربويين وزعيما للنزعة الاجتماعية في التربية ومؤسسا لعلم الاجتماع التربوي، حيث شكلت أعماله التي كرسها للتربية المخاض الأول لولادة السوسيولوجيا التربوية. وقد تطلب ذلك منه أن يعمد إلى تقديم نظرية متكاملة تقوم على أسس نقدية يتعرض فيها للآراء التربوية عند  كانت وسبنسر وسيتوارت ميل وهيربارت وغيرهم ممن عاصروه أو سبقوه وأن يبدي انتقادات أصيلة وجريئة لمفهوم التربية التقليدي الذي يرتكز على الجانب الفردي في التربية وهو المفهوم الذي تبناه أسلافه، والذي نجده عند كانت ومعاصريه، وهو المفهوم الذي  نال جل اهتمامهم بل وكان محور آرائهم ونظرياتهم، وعلى خلاف الذين سبقوه جميعا كان دوركهايم ينظر إلى التربية بوصفها شيئا اجتماعيا بالدرجة الأولى وانطلاقا من ذلك كان يعرّفها بأنها تنشئة اجتماعية تمارسها الأجيال السابقة على الأجيال اللاحقة.

ولم ينقطع دوركهايم عن تأكيد طروحاته هذه ومناقشتها كلما كانت تسنح له الفرصة، ليعلن الحرب الفكرية على كل ما هو تقليدي متطلعا إلى إيجاد تربية تكون مبادئها مرآة شمولية لعصره وعقيدته معتمدا الرؤية المنهجية لأعمال المربين الذين سبقوه، وعلى الرغم من الانتقادات التي وجهها إليه عدد كبير من معاصريه، فإنه استطاع أن يشق دروبا جديدة وأن يبتكر طرائق حديثة في حقول التفكير التربوي.

وقد أكد النقاد في أكثر من مكان أن من يقارب من أعمال دوركهايم التربوية، يخاطب إحدى أهم العبقريات العملية في مجال السوسيولوجيا التربوية، ويجد نفسه أمام لوحة علمية للفكر التربوي تنوعت فيها الألوان والمشاهد وتجلت من خلفهما شخصية مبدعها العظيم.

نجد ذلك واضحا في كل أعماله التربوية التي تركها إن يكن ذلك في كتابه التربية الأخلاقية وكتابه التطور التربوي في فرنسا وفي جميعها كان يحاول جاهدا إثبات أن  التربية تسعى إلى تفجير الطاقات الكامنة في الإنسان مما أتاح أمامه الفرص وهيأ له السبل للوصول إلى ما كان يطمح إليه من تغير في وجهات النظر السائدة وتعديل في النظم وتبديل لبعض المفاهيم، التي كانت تنظر إلى التربية بوصفها عملية تسعى إلى تحقيق كمال الإنسان عبر تنمية ملكاته الداخلية الشخصية، مرددا بأعلى صوته في كل المحافل التي كان يتاح له الحديث فيها من أجل أن نعرف التربية، يجب علينا أن نأخذ بعين الاعتبار الأنظمة التربوية القائمة والتي كانت قائمة من قبل، وأن نقارب بينها وأن نميز خصائصها المشتركة.

أعلن  دوركهايم للجميع أن علم التربية علم اجتماعي، وذلك على مستوى المنهج والنظرية والتطبيق. من هنا جاءت أهمية كتابه التربية والمجتمع الذي نجد دوركهايم يعلن فيه ضمن عدة محاور أن التربية قبل كل شيء أأأأثهتبلطحقشفتهي الوسيلة التي يجدد المجتمع عن طريقها وباستمرار شروط حياته الخاصة. ومن خلال متابعة فصوله نجده يؤكد على دور التربية في هذا المجال ووظيفتها وضرورة التمييز بين التربية وبين تاريخ التربية، وهو في هذا الصدد يطالب المربين بضرورة الإدراك الجيد لمبادئ التربية والفهم المطلق لنظرياتها وعدم الوقوع قي مصائد التدخل أو الخلط، ونجده يلح  بجرأة كبيرة على وجوب محاولة استقصاء الحقيقة عبر حوار نقدي يقود إلى نتائج إيجابية، آخذا بعين الاعتبار أن لكل مجتمع في أي فترة من فترات تطوره نظاما تربويا.

يفرض وجوده على الأفراد عبر قوة لا تقاوم. ولعله من الخطأ أن نعتقد بأننا نستطيع تربية أطفالنا بالطريقة التي نريدها، فهناك عادات وأعراف، يجب علينا أن نخضع لحكمها ، ويعتبر الخروج عنها مخالفة لما ألفه الآخرون . فهذه الأفكار وتلك العادات والأعراف تعتبر نتاجا للحياة المشتركة بين بني البشر جميعا ، وهي تأتي  بمثابة تعبير صادق ومقبول لدى الجميع عن ضرورات أساسية للحياة الاجتماعية وأنها في المحصلة نتاج لنشاط الأجيال السابقة.

ونحن رغم الهوة الزمنية السحيقة بيننا وبين دوركهايم  نشاطره رأيه، بل ونبيح لأنفسنا القول إن تاريخ البشرية برمته قد أسهم في إيجاد هذا التراكم الحضاري الذي يكاد أن يوجه التربية أويسهم في ترسيخ بعض مبادئها وآرائها، ومن منا لا يعرف أن التاريخ بكل ما فيه من جوانب إنسانية هو مجموعة المراحل الهامة من سير تطور المجتمعات البشرية عبر الزمن حيث انتقلت من خلاله الأفكار والممارسات، تحت إطار التربية من الأجيال السابقة إلى الأجيال اللاحقة وذلك دون تميز بين الفئات أو الطبقات الاجتماعية. أما المجتمعات فقد منحت هذه الأمور عبر كافة قنوات حياتها القوة والنفاذ، وأكسبتها حق الاحترام والقبول، بقي أن نقول: إن آثار دوركهايم كلها تعتبر كنزا ثمينا في مجال علم الاجتماع التربوي، ويعتبر كتاب التربية والمجتمع إضافة رائعة وثمينة للمكتبة العربية.

عدنان عيسى الجنادي