بقلم
:أ.د.علي أسعد وطفة
كلية
التربية - جامعة الكويت
255
قراءة
في أنتروبولوجيا النساء
مقدمة :
تشكل الأدبيات التاريخية
والاجتماعية التي كتبت عن وضعية المرأة تراثا إنسانيا لا تستنفد أهميته، وتفوق
حدود التصور غزارته . وفي خضم هذه الأدبيات يلاحظ المتتبع تجانس الأفكار والتصورات الخاصة بوضعية المرأة ،
ولا سيما ما يتعلق بالوضعية التاريخية منها، حيث تتكرر الأفكار في صلب الأبحاث والدراسات النسوية
الجارية ، ويشعر المتابع لقضية المرأة أنه
لا يحتاج إلى المزيد من الأفكار كلما توغل في قراءة ما كتب وما يكتب عنها ، حيث
تبدو الأفكار والتصورات وكأنها تكرار لما سبق للمرء أن تناوله بالقراءة وتداوله
بالتفكير . وهنا يقفز سؤال ويطرح نفسه بقوة وهو: لماذا تصدر هذه الكتابات المتجانسة
غير المتمايزة عن المرأة ؟ ونقول في صدد الإجابة عن هذا السؤال : إن أغلب ما يكتب اليوم يأخذ طابعا إعلاميا وأيديولوجيا واجتماعيا لقضية
اجتماعية لم تجد مخرجها النهائي أو العادل بعد وهنا تكمن علة التجانس والتكرار.
وضمن آلية هذا التصور ،
لا تأتي جهودنا في هذه المقالة من قبيل الدعاية الإعلامية لقضية المرأة، أو من
قبيل الموقف الأيديولوجي ، وينتفي في سياق ذلك وقوعنا في مصائد التكرار، وإنما
تأتي لتعرّف القارئ العربي بجانب من الفكر التاريخي الذي تناول وضعية المرأة ،
وتعرض لقضاياها في مرحلة تاريخية محددة وفي قطاع معرفي نوعي شمل منظومة من الأفكار التي تتميز بتفردها من منظور
منهجي أنتروبولوجي .
لقد لمسنا ، بالإضافة
إلى أهمية الأفكار التي تطرح في هذه المقالة حول المرأة ، وحول اتجاهات الموقف
الأنتروبولوجي منها ، عنصر الطرافة أحيانا
، وعنصر الجمال أحيانا أخرى. ولا بد لنا من التنويه في البداية أننا نستعرض
في هذه المقالة موقف الأنتروبولوجيا الثقافية الإيطالية دون أن نتدخل لنعلن عن
موقفنا النقدي من هذه الأفكار .
فالمهمة لا تتجاوز حدود تقديم تصور عن
موقف الأنتروبولوجيا الثقافية من المرأة في مرحلة تاريخية ، مع أن هذا الموقف
ينطوي على اتجاهات متعارضة تغني تعطش
العقل إلى معطيات الجدل الفكري وتخرج القارئ من مسار الدائرة الواحدة إلى آفاق أرحب
.
لقد شكلت قضية المرأة
نقطة تقاطع ميادين علمية ومعرفية مختلفة في مجال العلوم الإنسانية ولاسيما في
مجال علم الاجتماع والانتروبولوجيا . وقد أسهمت
الأنتروبولوجية[1] الثقافية في رصد هذه القضية
، وفي تحليل معطياتها ، ودراسة أحوالها ، على هدي مناهج علمية رصينة ومتكاملة. وقد
قدر للأبحاث الأنتروبولوجية أن تسجل حضورها المميز في مباحث المرأة ، وأن يكون لها
قصب السبق أحيانا في التصدي لبعض المسائل الجوهرية التي تلامس حياة المرأة، وترسم
لها مصيرها في غمرات النهوض الاجتماعي الذي شهدته
الإنسانية ، ولا سيما في القرنين التاسع عشر والعشرين. ومما لا شك فيه أن الخلاصات التي توصلت إليها الأعمال الأنتروبولوجية تشكل اليوم
ركنا أساسيا ومركزيا في اجتماعيات المرأة وأدبياتها. ومع ذلك كله يتوجب علينا أن
نأخذ بعين الاعتبار أن معطيات البحث الأنتروبولوجي قد شكلت منطلقا أيديولوجيا
لأنصار تحرر المرأة حينا وأعداء تحررها
حينا آخر. وهذا يعني أن الأنتروبولوجيا لم تستطع في أفضل حالاتها أن تنفصل كليا عن
السياق الأيديولوجي الذي ألهب في كثير من الأحيان الاتجاهات العلمية في مجال
الفلسفة وعلم الاجتماع.
تتجسد قضية المرأة
المركزية في وضعية الاختلاف والتجانس بين المرأة والرجل وما يترتب على هذا التباين
والتجانس من إشكاليات الموقع الاجتماعي لكل جنس في سياق نظرة كل من الجنسين إلى
الجنس الآخر. ومما لا شك فيه أن المسألة المركزية التي طرحت وما زالت تطرح نفسها بإلحاح
هي: هل تعود وضعية القهر التي تحيق بالمرأة إلى الظروف التاريخية الاجتماعية؟
أم أنها وضعية تعود إلى شروط وجودها
البيولوجية التي رسمتها لها الطبيعة؟
وفي معرض التحدي الذي يفرضه هذا التساؤل يحاول
الأنتروبولوجيون أن يقدموا إجابات متباينة متنافرة وأغلبهم يميل إلى
الاعتقاد بأن دونية المرأة مسألة تفرضها شروط حياتها البيولوجية والوظيفية
، ومن هؤلاء يمكن الإشارة إلى آراء كل من سـيزار لومبروزو Cesar
Lombroso وكيليالمو فيريرو Guglielmo Ferrero اللذين يدينان كل محاولة لتفسير دونية
المرأة كنتاج لشروط وجودها التاريخيـة الثقافية.
هذا ويعد كتاب لامبروزمو
وهو بعنـوان المرأة المنحرفة والمرأة الطبيعية[2] من أشهر الكتب التي تناولت قضية المرأة ذيوعا
وصيتا وشهرة، حيث يناول فيه وضـع المرأة الطبيعية
وسماتها وعيوبها وخصائصها الفيزيائية والنفسـية والأخلاقية وقدراتها
العقليـة ثـم ميولهـا وواجباتهـا.
لقد ظهر كتاب لامبروزو المرأة المنحرفة والمرأة الطبيعية في عام 1893 وذلك بعد ثلاثين عاما من تحقيق
الوحدة الإيطالية . ويمثل هذا الكتاب نقطـة البدايـة لما سيطلق عليه في
النصف الثـاني مـن القـرن التاسع عشر المسألة النسائية. لقد كان الكتاب في واقع الأمر خلاصة اكثر من
عشـرين عامـا من المجـادلات والطروحـات والأبحاث والمساجلات
التي تناولت مصير المرأة ودورها المعاصر في إطار الحياة الاجتماعية.
ولقد صنف هذا الكتاب على انـه الحلقـة النهائيـة التـي أقفلت النقاش حول مسألة
المرأة وذلـك لأنه انطلـق مـن المنـاهج العلمية التي اعتمدها
كتاب محاطون بهالـة مـن النفـوذ والخـطورة والأهمية.
لقد عمل كتاب لامبروزو عـلى إسكات الاحتجاجات النسائية
وأوحى للمشـرعين إلى إحكام حصار المرأة. ومع أن هذا الكتاب
كان يدفع الجدل ويفتح سجلا جديدا لمناقشـات حاميـة امتدت حـتى القرن اللاحق إلا أنه
قد شكل منطلقا فكريا للأيديولوجيات المعادية للمرأة وهي
الأيديولوجيات التي تجسدت فـي المرحلة اللاحقة من بداية القرن العشرين وذلك
في صـورة النازيـة والفاشية.
يقرر لامـبروزو في كتابه هذا شرعية اضطهـاد المرأة ويصدر حكمه العلمي عليها، وحكمه هذا، كما يعتقد، يقوم على أسس علمية تجريبية لا تدحض، وهو أن المرأة إنسان لم يكتمل نموه بعد. ولم تكن رؤية لامبروزو هذه جديدة في الساحة الأنتروبولوجية فنظريته هذه، على الرغم من الصدى الذي تركته، كـانت صـدى لنظرية الأنتروبولوجـي والفيلسوف المعروف جـيوسيب سـيرجي.
لقد واجهت هذه الأنتروبولوجية المعادية للنساء تحديات نقدية على أيدي مفكرين من مشارب متنوعة، ومن هؤلاء يمكن الإشارة إلى الانتقادات التي نهض بها الوضعييون الاشـتراكيون. ومع ذلك يمكن القول بأن غالبية الأنتروبولوجـيين الإيطاليين يتفقون جـميعهم تقريبـا مع لامبروزو وسيرجي في موقفهم المتشدد من المرأة، فالمرأة كما يؤكد هؤلاء المفكرون أقرب إلى الطبيعة من الرجل، وأن دونية المرأة تعود لأسباب طبيعية بالدرجة الأولى وهي قلما تعود إلى شروط اجتماعية ثقافية.
يصعب على الباحث أن يسـتعرض مخـتلف الطروحـات العلمية حول المرأة والتي بدأت تنطلق بغزارة
منـذ عـام 1870 حـتى العقـد الأول من القرن العشرين. وسجلت هذه الطروحات المختلفة حضورها في صفحـات
الدوريـات والمجلات العلمية الصادرة في تلك المرحلة.
ومن فيض النظريات التي نهضت في هذه المرحلة يمكن الإشارة إلى الجهود الفكرية لكل من جيوسيب سيرجي Guissepp Sergie وباولو مانتكازا Peolo Mantegazza وهمـا مـن كبـار الاختصاصين في مجال الأنتروبولوجيا الثقافية في القرن العشرين.
يجتهد سيرجي في نفي الخاصة
العبقرية عند المرأة فالمرأة لا يمكنها أن
تصل إلى مستوى العبقرية فالعبقرية خاصة ذكورية، وينطلق لتأكيد رأيه
هذا من المنظور التطوري أو من نظرية الاصطفاء الطبيعي الـتي غالبا ما يركن إليها في محاولة تأكيد دونيـة
المرأة.
لقد وجدت المرأة نفسها في سياق تطورها التاريخي، وتحت إكراهات تكيفها مع
وظائفها الطبيعية المعروفة، محرومة من تطور الإمكانيات النفسية والعقلية الأخرى
غير الضرورية لأداء وظائفها الطبيعية، ومثل هذه الإمكانيات
كانت ضرورية جدا من اجل الوصول بالمرأة إلى منتهى النضـج النفسي
والعقلي وذلك في صيرورات النضال من اجل الوجود. ومع ذلك فالمرأة، كما يعتقد سيرجي، تشكل ينبـوع العبقريـة وحاملا لها، أي بوصفها أداة لتحويلها وراثيا، أي أنها حامل
لسمة العبقرية ومورثة لها، لكن لا يمكن
لهذه العبقرية أن تنهض وتتفجر إلا فـي الرجـل (1893 Sergie). وبعبارة أخرى المرأة كما تبدو له
ناقلة للعبقرية لكن هذه العبقرية لا تعطي ثمارها في المرأة ولا تزدهر فيها،
فالعبقرية جوهر للرجل وبعد من أبعاده الإنسانية.
ومن هذا المبدأ ينطلق سيرجي
للاعتقاد بأن المرأة العبقريـة ليسـت امرأة طبيعية، فالعبقرية ليست من خصائص النساء وليست وظيفة من وظائف
المرأة. والخلاصة التي يريد أن يصـل إليها سـيرجي هـي
أن الظـروف الاجتماعيـة لـم تقلل
أبدا من أهمية الخصــائص العقلية للمرأة،
فدونية المرأة ذات طابع بيولوجـي أو طبيعي تفرضها طبيعة المرأة وخصائصها
البيولوجية.
لقد خـصص، بـاولو مانتوكـازا Paolo Mantegazza، وهـو طبيـب ورحاله وأنتروبولوجي معروف، عددا من مقالاته وكتاباته لدراسة مسألة المرأة. ويعد كتابـه علـم نفس المرأة Psychologie de la femme من اكثر أعماله أهمية وهـو الكتـاب الـذي ظهر في العام نفسه الذي ظهر فيه كتاب المرأة المنحرفة . وفي هذا الكتاب يتناول باولو الجوانب السـيكولوجية للمرأة وفقا للمنطق الوضعي ويشمل ذلك جوانبهـا الفيزيائيـة والعقلية.
ويتميز باولو بأنه اقل ميلا إلى التشدد في موقفه من المرأة وذلك
بالقياس إلى مفكري عصره. وما يتميز به عن غيره انه كان يستبعد الحتمية البيولوجية
التي يؤكد عليها كل مـن سـيرجي ولامـبروزو فـي إدانتهم للمرأة.
فدونيـة المرأة كمـا يعتقــد مانتوكازا نتاج لحركة التاريخ والمعايير الاجتماعية
ومرهونة بشروط وجودها الاجتماعي والثقافي والإنساني على حدّ سواء ولا سيما طابع ومضمون السلطة الذكورية الأبوية السائدة.
وعلى الرغم من ذلك كله فانه باولو يعود ليقع
في مطب الرؤيـة الضيقـة التي تقـوده إلى دائـرة التطوريـة وإلى أحكامها حـول السـمات الأنثوية السلبية، وذلك
حين يذهب إلى التأكيد على أهمية الأسباب الطبيعية في تعزيز مبدأ دونية المرأة.
ويتجسد موقف باولو حين يتناول مكان المرأة في
عالم المعرفة العلمية، حيث يبرز المكان الثانوي الذي حققته المرأة في هذا الميدان،
وهو بالتالي يبرر هذا القصور على نحو طبيعي حيث يقول: إن ما تهدره الطبيعة في
جانب تقتصده في جانب آخر، فإنجاب المرأة للرجال عمل كبير وشاق وخلاق، وهذا ما
يضعف من إمكانية المرأة في مجال النبوغ والعبقرية والإبداع.
ومن هذا المنطلق يُعتقد بأنه يجب على المرأة أن تكـتفي بـدور هامشـي وثانوي فـي مجـال الحياة الثقافية، ولها بالمقابل أن تزدهـي بوظائفهـا البيولوجيـة وان تنادي بإعادة الاعتبار الاجتماعي لهذه الوظائف الإنسانية الخطرة. ومن هذا المنطلق يعلن باولو: أنـه يجـب عـلى المرأة أن تبقـى فـي المنزل، ويجب إقناعها بالتنازل عن أي طموح عقلي وان تتخـلى عـن الرغبة في استطلاع آفاق بعيدة.
وعلى خلاف ذلك يتمايز مانتوكازو عن كل من لامبروزو وسيرجي رافضا الفكرة التي تقول بأن تطور المرأة توقف في مرحلة دنيا من مراحل التطور وذلك بالنسبة للرجل، وإن هذه المرحلـة هـي اقـرب إلى الأسلاف البدائيين. وعـلى خـلاف ذلـك فهو يدرك جانبا آخر لا يقل أهمية وهو: إسراف الرجال في اسـتخدام السلطة. " فالرجل لا يكتفي أن يأخذ المكان الأول تحت الشمس بل يريـد أن يبرهن أن المرأة تأخذ مكانا وسطا بينه وبين القرود. وهذا ما يعطيه الحق في استبعادها.
ويعمل مانتوكازا فـي مرحلـة لاحقـة على تطـوير أفكـاره حـول المرأة ويتجلى هذا فـي كتابـه الأخير حـول مسألة المرأة وذلك عام 1906.
يبدأ مانتوكازا
بالاعتراف أن هناك مشاعر قومية تعين إعطاء رؤية موضوعية حول
المرأة. فالمسألة ذات طابع اجتماعي ويضاف إلى
ذلك أنها ليست مسألة علمية بل مسألة ترتبط
بالعواطف والانفعالات والحياة الثقافية في المجتمع، ومن هنا تتصلب قضية المرأة
وتبدو عصية على الحل.
ويتعرض مانتوكازا ، في مسار آخر من نظريته، لمسألة الاختلاف بين الجنسين وهو في سياق يعتقد بأنه يمكن لكل جنس أن يطور طاقاته وإمكانياته بعيدا عن تصورات تقسيم هذه الطاقـات طبقيا إلى طاقات عليا ودنيـا. فالمسألة لا تعني ولا يمكن أن تعني اعترافا بالمرأة كآخر، ومـع ذلـك فإنهـا الفرصة للخروج وبطريقة متوازنة وراشدة من المعضلة التـي يعـاني منها الأنتروبولوجيون كلما قاربوا السمات الخاصة بالمرأة.
والمسألة التي تطرح نفسها هنا وبإلحاح هي: ما
المكـان الذي تحتله مسألة اختلاف المرأة عن الرجل في إطار الاستراتيجية المعرفيـة والعقائدية الخاصـة
بـالعلوم الإنسانية فـي النصـف الثـاني مـن القرن التاسع عشر؟ وهنا
لابد لنا ومن جديد من العودة إلى الأنتروبولوجيـا اللامبروزية التي
انطلقنا منها.
يمثل عصر الوضعية Positivismeمرحلة من مراحل الدرب الطويل الذي طرقتـه العلوم الإنسانية في البحث عن وعي نقدي يتصف بالشمولية ويستحوذ على خاصيته العلمية والموضوعية. لقد عـرفت الفـروع الأنتروبولوجيـة فـي القـرن التاسـع عشـر تناقضات صارخة وترتب عليها أن تعالج حشدا من الموضوعات والقضايا أبرزها موضوعات: المجتمعات البدائية، و الجريمة والجنون والمرأة والأطفال، وهي موضوعات بالغة التنـافر، إذ لا يوجد مـا يربط بين هذه الموضوعات على نحو منطقي والرابط الوحيد بيـن هـذه الموضوعات هـو أنها موضوعـات مباينـة للمعـايير الطبيعيـة للوجود.
لقد شكلت مسألة تفسير الاختلاف بين المرأة والرجـل النقطـة العقدية للأنتروبولوجيا التطورية. ومـن الصعـب جـدا إيجاد التفسير المناسب لهذه المسألة. لقد ترتب على الأنتروبولوجية التطورية أن تواجه هذا التحدي المعرفي وأت تعمل على تطريق منهج جديد يمكن من تفسير هذا الاختلاف وتصنيـفه في الوقت نفسه.وقد أملت هذه الإشكالية وقوع الأنتروبولوجية التطورية في فخ التصنيف وذلك لعدم القدرة على التفسير. ويتمثل هذا المنهج في إجراء سلسلة من المقارنات بين الثنائيات المعروفة مثل التقابل ن بيـن ثنائيـات: المجهول والمعلوم، الطبيعي واللاطبيعي، الاستثنائي والعادي.
فالمتوحش، كما يرى لامبروزو، كائن توقف تطوره في درجة دنيا مـن سلم التطور، ولا يمكن لنا أن ننكر وجـود طاقـات عقلية كافية تمكنه من الوصول إلى الحضارة نظريا، فهو من وجهة نظر واقعية يسير على درب الحضارة ببطء شديد إلى درجة يبدو فيها وكأنه لا يتحرك أبدا. ويسـتطيع المتوحـش أن يتسـلق سـلم الحضـارة عندما يحظى بعناية قوة تدفعه تدريجيا وبصعوبة إلى هـذا المستوى الحضاري.
ولكن المرأة ليس لها هـذه الإمكانية، طبعا إمكانية التطور بدفع خارجي، فعمليـات التطـور لـم تعدها إلا لأداء هدف واحد هو: الحفاظ على النوع. وهذا يعني أن دونية المرأة قائمة في بنيتها البيولوجية، فهي كائن وظيفي وخاصة فيما يتعلق بواجباتها البيولوجية والإنجابية. ومن هنا يأتي الحـكم عليهـا بـدون رجعة: إن اختلاف المرأة الطبيعي عن الرجل يقودها إلى مواقع دونيتها. وذلك لا يعني، كما رأينا سابقا، أن الفكر الأنتروبولوجـي لا يعتقد بإمكانية تحسين شروط المرأة. فحالهـا كحـال المجـرم أو المتوحـش كلاهمـا يحتاج إلى القيادة والتوجيه وان تكون في إطار الحماية والرعايـة الإنسانية الدافئة التي تبدو ضرورية لتخفيف عناء عبوديتهـا وشدته.
إن حماس العلماء للحكم على المرأة بالخضوع لهيمنة الرجل لم يؤد إلى بناء وعي نظري كامل خاص. بالاختلاف بين المرأة والرجـل، إذ ليس من الفطنة أن يضع المرء نفسه في دائرة علمية وضعية.
توجد النسـاء
فـي
داخل المجتمع وهن يعشن إلى جوار الرجال. وهنا لا يمكن الفصل بين وجود المرأة والرجل أو
بين قدريهمـا أو سـيرة حياتهمـا وذلـك منـذ الولادة حتى الموت. وبالتالي فان أي تحسين في شروط حياة المرأة لا
يخل بالتوازن الراسخ بل يؤدي إلى فتح ثغره في علاقـات السـلطة القائمـة تقد تهدد موقع الرجل. وذلك عندما
تسيطر على شـروط وجودهـا. ومن هنا نجد بأن
الرجال يستخدمون كل الوسائل من اجل المحافظة على امتيازاتهم.
ومن أجل المحافظة يستخدم الرجال الحجـج العلميـة الأكـثر صلابـة ومقاومة للدحض وأبرزها هذه التي تقول: بأن دونية المرأة لا تعود إلى شـروط تاريخيـة ولكنهـا مسجلة في بنيتها البيولوجية وهي دونية لم تفرض من قبل الرجل بـل أملتها الطبيعة. فالطبيعة محكومة بقانونياتها وهـي القانونيـات التي تكتشف عن طريق العلوم الحديثة. فالطبيعـة التـي وهبـت المرأة دورها في أن تكون أنثى الرجل وأم الرجل، وهي فـي الـوقت نفسه تشير إلى خـطورة أن تكون مكافئة للرجـل فـي إدارة الاقتصاد والسياسة والتشريع .
لقد شهدت أوروبا فيما بعد مرحلة تحقيق الوحدة القومية موجـة إعادة النظر في البينية التشريعية، وبالتالي فان حركة التصنيع التي شملت البلاد والسيطرة على المدارس التي تحررت من رقبة الكنيسة كانت في اصل عمليـات تمـدين المجتمع وكـانت النسـاء عنصرا فاعلا في إطار هذه الحركة.
وظهرت حركة واسعة لإعادة النظر تشريعيا فـي مشـكلة الحـقوق المدنية والسياسية للمرأة. وخلال هـذه المرحلـة ظهـرت تشـريعات حكومية إصلاحية عملت على تحسين شروط حيـاة المرأة فـي الطبقـات الوسطى. وظهرت أيضا مجـادلات برلمانيـة واسـعة حـول مسألة دور المرأة وواجباتهـا فـي العائلـة والمجـتمع وحـول مسألة الطـلاق والاقـتراع العـام. ومـن خـلال النضال المحــامين والقــانونين والسياسيين وبالطبع رجال العلم استطاعت المرأة أن تحقق إنجازات إنسانية كبرى ومع ذلك فإن طموح المرأة ما زال يشهد اندفاعاته وانطلاقاته نحو آفاق بعيدة المدى.
لقد بدأت الصناعة بامتصـاص أعداد كبـيرة مـن العـاملات المحكوم عليهن كأطفالهن بأجور ر وضيعة وشروط عمل لاإنسـانية. واستطاعت المرأة في الوقت نفسه أن تصل إلى التعليم العالي وإلى ممارسة مهن اجتماعية راقية كشكل جديد لعمل المرأة التي تنتمي إلى البرجوازيـة الصغـيرة والوسـطى. وكـان للمرأة ذات الانتمــاء البرجوازي المتوسط أن تمتلك قدرها وان تتحرك لبناء حركات نسائية منظمة وفعالة.
وبدأت الحركات النسائية هذه تظهر في نهاية عام 1870 وتـأتي هذه الحركات استجابة لعدم الرضا ولعدم كفاءة المعايير الحكوميـة المتخذة لصالح المرأة. وتجسـيدا لـذلك ظهـرت المهـن المكتبيـة والجامعية الخاصة بالمرأة بين عامي 1873و 1874. ولقد اسـتطاعت النقابية الأولى الإيطالية آنا ماريا موزوني Anna Maria Mozzoni أن تنظم مجموعة كبيرة من التواقيع التي تنادي بحق المرأة في التصويت. وتلاحقت المحاولات التي نـاضلت من أجل المرأة.
ومنذ عام 1883 حتى نهاية القرن كانت المناقشات تدور حـول حـق المرأة في الطلاق والتصويت. وكان يرافق ذلك مناقشات حامية حـول القوانين الخاصة بعمل المرأة والأطفال. وخاصة هذه التـي تتعلـق بعمل المرأة البروليتـاري والتـي شـكلت إحدى النقـاط الحاميـة للسياسة الاشتراكية كما تعلن آنا كوليسيوف (Anna Kulisiaff ). وبدأت فيما بعد ذلك تنمو الاتجاهات النسائية المتطرفة. وفي هذا السياق يلاحظ أن نضال المرأة كانت يشـتد كلمـا اتجـهت السياسـات القائمة نحو المحافظة وهي ظاهرة عملـت جـوانب الحيـاة السياسـية الإيطالية حتى نهاية القرن.
لقد استطاعت المقـولات الأنتروبولوجيـة أو تتصـدر عـددا مـن الدوريات العلمية. وتمكن الأنتروبولوجيون من إعطاء مؤلفاتهم مدا جماهيريا واسعا وخاصة هؤلاء الذين لهم مكانة السيادة والسـلطة. وبالإضافة إلى ذلك استطاعوا أن يطرحوا ويرسـموا، تحـت غطاء الإضاءة العلمية، صورة للمرأة لم تكن إلا انعكاسا لصـورة نسـائية كانت سائدة سابقا وخاصة في ذهنية الرجل. لقد كرست سـمات الضعـف، والهشاشـة، والسـلبية والعاطفيـة الانفعالية، في صورة المرأة التي رسمها العلم مـن خـلال الآداب الراقية والآداب الشعبية كسمات أنثوية. وذلك ليس كـل شـيء ففـي القوة التي تمتد في مساحة الخمسة عشـرة سـنة الأولى مـن القـرن العشرين، استطاعت هذه الخصائص الأنتروبولوجية المزعومة أن تضـع المرأة فـي سـجن قدرهـا الأكثر مأساوية ودرامية وان تحكم عليها بوصفهن ملائكة المنـازل، أو القاصرات إلى الأبد اللواتي يترتب عليهن أن ينجبن من اجل الوطن.
لقد لعبت الأنتروبولوجيا الثقافية التطورية
ولا سيما الإيطالية دورا معاديا للمرأة واستطاعت أن تجسد مقولات الهيمنة الأبوية
الذكورية التي عرفتها المجتمعات الإنسانية عبر تاريخها الطويل، وكان قدر هذه
الأنتروبولوجية أن تسقط في وحول العراك الأيديولوجي الدائر حول مسألة المرأة
ودورها الإنساني في الحياة الاجتماعية، وهي في تورطها هذا غلب عليها الميل إلى
تفسير دونية المرأة بسورة تطورية وأن تبرر هذه الدونية التي تأخذ دوائر مغلقة. ومن
هنا لعبت هذه الأنتروبولوجيا دورا كابحا لانطلاقة المرأة اجتماعيا وسياسيا. ومع
ذلك فإنها لعبت بالمقابل دورا إيجابيا تمثل في طرح مسألة المرأة وإيقاظ الوعي النسوي ومن ثم إنهاض المواقف المناصرة لوضعية التكافؤ
الإنساني بين المرأة والرجل.
ويبقى مع ذلك كله القول
بأن استعراض أدبيات هذه الأنتروبولوجية
التطورية يمثل وقفة حيوية مع حالة من العطاءات الفكرية والتراثية التي تأخذ
طابع الأهمية والخصوصية في مستوياتها العلمية والفكرية. فالوقفة مع هذا التراث
الأنتروبولوجي يضعنا في صورة تطور جانب من جوانب المعرفة الإنسانية وحقل من حقولها
ولا سيما فيما يخص المرأة هذا من جهة وهي من جهة ثانية تتيح لأنصار الحرية النسوية والمساواة أن يكونوا في صورة هذه الطروحات التي تدفع
إلى حالة من التأمل الفكري واستنهاض الطاقة في مسألة بالغة الأهمية والخطورة. ولا
بد لنا من الإشارة في هذا السياق أن المقالة الحالية تركز على الوضعية الأوروبية
ممثلة بالفكر الأنتروبولوجي الإيطالي بالدرجة الأولى وقد لا ينسحب ذلك بصورة كلية
على مجمل العطاءات الأنتروبولوجية التي تجلت في مناطق عديدة من العالم وفي مراحل
تاريخية مختلفة .
مراجع :
1.
Sandra Puccini : La femme et l’humanité inavhevée , dans des sciences contre l’homme , N؛8 , Mars 1993.
2.
Mddeline crawitz
: Lexique des sciences sociales , Dalloz, Paris, 1883.
3.
Roger Bastide : Anthropologie appliquée , Payot , Paris , 1971.
4.
Sartin Pierrette : La femme
liberée, stock, Paris ,1968.
5.
Sartin Pierrette : La promation des femmes, Hachette, Paris, 1964.
6.
Edward Westermarck : The historie of human
mariage,
7.
Henri Medndras :
Elements de sociologie, Armand Collin,Paris,1975
8.
دافيد لوبرتون : انتروبولوجيا الجسد والحداثة ، ترجمة محمد عرب صاصيلا ، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع ، بيروت
1993.
9.
بيتر فارب : بنو الإنسان ، ترجمة زهير
الكرمي ، عالم المعرفة ، العدد 67، تموز ، 1983.
[1] اتتناول لأنتروبولوجيا (علم الإنسان) الظواهر الاجتماعية الإنسانية
وفق مناهج محددة قوامها البحث الشمولي المتكامل في طبيعة الظاهرة وتناول الظاهرة
المدروسة على نحو كلي عياني . وتتمثل أبرز خصائص البحث الأنتروبولوجي في تفاعل
الباحث مع المجتمع الذي يدرسه بصورة كلية حيث يتوجب على الباحث أن يعيش في أحضان
المجتمع الذي يريد دراسته وأن يتقن عادات وتقاليد هذا المجتمع ومن صثم يبدأ بدراسة خصائصة الاجتماعية
والدينية والسياسية وغير ذلك ليقدم صورة شمولية متكاملة للمجتمع الذي يدرسه .
[2] آثرنا أن
نترجم عنوان الكتاب على مبدأ التورية لما فيه من تحامل على المرأة وللأمانة
العلمية نورد عنوان الكتاب كما ترجم إلى الفرنسية
وفقا لامبروزمو
هو بعنـوانLa femme criminelle la prostitée la
naturelle . لقي هذا الكتاب نجاحـاُ
كبـيرا فـي إيطاليا والبلـدان الأخرى ، حيث أعيدت
طباعته عندما كان لومبروزو على قيـد في عام 1903 ، وطبع
بعد وفاته أربع مـرات (1911 ،1915، ،1923 ،1927، وقد اكمل الكتاب
ونقح من قبل ابنته غينا Gina ، وأعيدت طباعة الكتاب عند دار النشر التي طبعته عام
1893 . وقد ترجم ذلك الكتاب إلى الالمانية عام 1894 وإلى الإنكليزية عام 1895 وترجـم في الولايات المتحدة الأمريكية في نفس العام ،
وإلى الفرنسية عـام 1896
.