209

 

أ.د. علي وطفة

 

 

الإرهاب التربوي

منشورة في مجلة العربي الكويتية

مقدمة

تهـدف العمليـة التربويـة إلى إعادة إنتاج المجتمع ثقافيا وروحيـا وإلى تطويـر وتجديد الأطر الثقافية والروحية بما ينسجم مع القيم العلمية الجديدة التي تعبر عن تطلعات المجتمع وعن حركة نموه وتطـوره. ويمكـن القول إن الصراع الحضاري وتأكيد الهوية الثقافية والقومية بين الأمم والشعوب في عصرنا هذا أصبح مرهونا بقدرة الأنظمة التربويـة وفعالياتهـا فـي إنتاج الإنسان المتـوازن القـادر عـلى المبادرة والخلق والإبداع.

 تسـعى السياسـات التربويـة فـي أغلـب بلدان العالم إلى تجسيد المبـدأ الديموقراطي في العمل التربوي، وتتبني النظريات الحديثة فـي مجال التربية والتعليم. ومع ذلك مازالت مظاهر العنف تجد مكانا لها بين جدران المدرسة والمؤسسات التربوية المختلفة، ومازالت وجنات الأطفال تتـوهج تحـت تأثير الصفعات وأيديهم ترتعش تحت وطأة العصي والمسـاطر، نـاهيك عمـا يتعرضـون لـه مـن حـملات التـوبيخ والشتائم وأبجديات القهـر والتهديـد فـي إطار المدرسـة والمنزل وعلى دروب تحـصيلهم العلمـي والمعـرفي، أليس مـن شأن ذلك كله أن ينعكس بأفدح الخسائر على مستوى نموهم العقلي والروحي والاجتماعي ؟

 وممـا لا ريب فيـه أن العنـف الـتربوي يقـود إلى إنتاج الشخصية السـلبية التـي تعتريهـا روح الهزيمة والضعف والقصور، ويشكل الإطار العـام لعمليـة تشـريط تربـوي سـلبية تبدأ في إطار الأسرة وتنتهي في أحضان المؤسسـات التربويـة المختلفـة. ومـن شـأن ذلك إعاقة عملية النمـو والتكـامل والازدهـار فـي الشـخصية الإنسانية وتعـريض الأطفال والناشئة لعملية استلاب شاملة تكرس كافة مظاهر القصور والسلبية في الشخصية الإنسانية.

 سـنعرض فـي الجـانب الأول مـن هذه المقالة أهم المظاهر العامة لظـاهرة العنـف فـي إطار المدرسة والأسرة. وسنقوم في الجانب الثاني بدراسـة الأسباب الاجتماعيـة والتربوية لهذه الظاهرة. وسنستعرض في الجـانب الأخـير النتـائج التـي تـترتب عـلى ممارسة العنف في العمل التربوي.

 وتجدر الإشارة أننا نعتمد في تحليلنا لظاهرة العنف، بالإضافة إلى المعطيـات النظرية، عـلى معطيات وبيانات واقعية ترتكز في معظمها عـلى تجربتنـا التربويـة المعايشة فـي الجامعة لدراسة هذه الظاهرة التربوية، التي تشكل إحدى المسائل الأساسية لاهتماماتنا العلمية.

مظاهر الإرهاب التربوي وتعريفه:

1- تعريف الإرهاب التربوي:

يتميز مفهوم الإرهاب التربوي بالاتساع والشمولية وذلك بالقياس إلى مفهـوم العقوبـة التربوية. تشير العقوبة التربوية إلى الفعل السلبي الـذي يوقعـه المربي على الطفل كالضرب والحرمان والتهديد وذلك بهدف منـع الطفـل من ممارسة فعالية سلوكية أو تربوية محدده ويمكن أن نميز بين الجوانب التالية في العقوبة التربوية:

مصدر العقوبة كالمعلم والمربي

نوع العقوبة كالضرب والحرمان أو التهديد.

سـبب العقوبـة كمخالفــة الأنظمــة والقــوانين أو التقصــير فــي أداء الواجبات المدرسية.

غايـة العقوبـة وقـد يتمثـل ذلـك فـي إيجاد نـوع مـن السـلوك أو نفي لنمط آخر من السلوك.

اثـر العقوبـة وقـد يتمثـل ذلـك فـي الألم الجســدي أو النفســي عنـد الطفـل موضـوع العقوبــة ويمثــل ذلــك فــي العــادة فــرد أو مجموعة أفراد كالأطفال والتلاميذ والطلاب.

 إن مانعنيـه بالإرهاب الـتربوي يخـتلف إلى حد كبير عما نعنيه بالعقوبـة التربويـة وذلـك من حيث الشمولية ودرجة العمق والتأثير. تشـكل العقوبـة أحد العنـاصر الأساسية للتشـريط الإرهاب ي فالإرهاب التربوي يتكون عبر فعاليات تربوية سلبية متعددة تشكل المناخ العام لعمليـة تفريغ واستلاب نفسيين وبهذا المعنى يمكن القول بأن المواقف والخـبرات التربويـة المؤلمة التي تضرب جذورها عبر الزمان والمكان في تاريخ الفرد تمثل الشروط الموضوعية لما يسمى بالإرهاب التربوي. وبعبـارة أخرى يمكـن القول أن الإرهاب التربوي يتحقق عبر سلسلة من الخـبرات المؤلمـة التي يعانيها الطفل عبر سيرته التربوية في إطار الأسرة والمدرسة.

 وبنـاء عـلى ما تقدم يمكـن تعـريف الإرهاب الـتربوي بأنـه نسـق الفعاليات التربوية والخبرات السلبية كالعقوبات الجسدية والاستهزاء والسـخرية والتهكـم وإحكام التبخـيس وغير ذلك من الاحباطات النفسية والمعنويـة التـي تشكل المناخ العام لحالة من الخوف والتوتر والقلق التـي يعانيهـا المـتربون والتـي تستمر عبر الزمن وتؤدي إلى نوع من العطالـة النفسـية والفكريـة وإلى حالة من الاستلاب وعدم القدرة على التكيف والمبادرة.

 

 ومـن اجل المزيد من الدقة والوضوح لابد لنا من سوق بعض الأمثلة الحية للتعرف على الظروف التي تسهم في تكريس الإرهاب التربوي:

إن الطفل الذي لم يتعرض مباشرة للعقوبة المدرسية قد يصاب بحالة من الإرهاب التربوي وذلك حين يشاهد عملية عقاب شديدة يوقعها المعلم على طفـل آخر. وقـد يكـون تـأثير ذلك على الطفل الذي لم يتعرض مباشرة للعقـاب اشـد وقعـا مـن الطفـل الـذي تعـرض مباشـرة لعملية العقاب وبالتـالي فـإن مثل ذلك يكون حالة شديدة من الذعر والخوف لدى كافة الأطفال الذين يشاهدون مظهر العنف الذي يقع على أحد زملائهم في قاعة الصـف. وبالتـالي فـإن تكـرار ذلـك يؤدي إلى الخوف الدائم من شخص المعلـم في كافة مراحل حياتهم الدراسية والاجتماعية حتى في اللحظة التـي يبـدي فيها المعلم الكثير من المودة والاحترام للطلاب لأن عنصر الخـوف من شخص المعلم قد تسجيله وتشريطه في البنية النفسية للتلاميذ. إن حالة الخوف هذه والتي يمكن أن تأخذ أشكالا متنوعة كالاحترام أو الكراهيـة أو الإحساس بـالضعف وعـدم الثقـة بالنفس تجاه المعلم أو المـدرس أو مـن هـم فـي مقامـه تعيـق الطلاب في عملية نموهم العقلي والفكـري وتمنعهـم مـن إجراء المناقشـات العلميـة والموضوعيـة مع القائمين على العملية التربوية.

2- الإرهاب الأسري ::

مـا زالت أساليب التربية التقليدية تهمين بشكل واسع في أوساطنا الاجتماعيـة المختلفـة. وهـي تتبـاين بـالطبع وفقـا لتبـاين الأوساط الاجتماعيـة ولتباين مستوى الوعي التربوي والثقافي للفئات الاجتماعية المختلفـة ويمكـن لنـا بالملاحظـة البسـيطة أن ندرك طابع العنف الذي يهيمـن عـلى العلاقـات القائمـة فـي إطار الأسرة التقليدية وفيما يلي

سـنقوم بتحـديد بعـض الملامـح الأساسية للإرهاب التربوي الذي يسود في أجواء الأسرة والتي تنعكس سلبا على تكوين الأطفال الروحي والعقلي.

ـ المنازعـات الزوجية والخلافات التي تحدث بين الزوجين في إطار الأسرة والتـي تـأخذ مظـاهر متعددة تبدأ بالصراخ وتنتهي بالضرب. وفي هذا الخـصوص تشـير الدراسات النفسية إلى أن مثل ذلك يعتبر أحد الأسباب الرئيسية للأمراض والعقد النفسية التي يعانيها الأطفال.

ـ الشـجار الـذي يحــدث بيــن الاخــوة الــذين يتبــادلون الشــتائم والضرب.

ـ أساليب التهديد والوعيد التي يمارسها الكبار على الصغار

ـ اعتماد الآباء والأمهات على أسلوب الضرب المباشر للأطفال.

ـ التأنيب المستمر الذي يعانيه الطفل من قبل ذويه.

ـ الأحكام السلبية المستمرة التي يصدرها الأبوين على الطفل

ـ غالبـا ما يقوم الأبوين، وذلـك مـن اجل تكوين نمط من السلوك عند الطفـل، بالاعتمـاد عـلى قصـص خياليـة مخيفـة عند الطفل، وفي أغلب الأحيان نجـد بـأن رائحـة الموت والذبح والحرق بالنار وقطع الأعناق تفوح من هذه القصص التي تمثل في نهاية الأمر نسقا من معايير الإرهاب والتخـويف التي تجعل الطفل في حالة من القلق والتوتر الدائمين ومثل ذلـك يـؤدي فـي نهايـة الأمر إلى شـلل كامل في بنية الطفل الذهنية والعقلية.

 تشـكل العمليات السابقة تشكل نموذجا من النماذج المتعددة التي تعتمدهـا الأسر في عملية التنشئة الاجتماعية. هذا ولابد من القول أن تبنـي مثل ذلك النموذج التربوي الإرهاب ي لا يمكن له أن يكون مقصودا من قبـل الآباء والأمهات وإنمـا يجري ذلك بشكل عفوي وبحكم العادة وجهل النتائج المترتبة على ذلك.

3- الإرهاب في إطار المؤسسات التربوية

هـل يسـتطيع أبناء الجيل الذي ننتمي إليه أن يصوروا معلما دون أدوات التعـذيب مـن عصـي وقضبان ومساطر؟ كم أرجو أن أكون متواضعا حـين أقـول بأننـا خرجنـا مـن المدرسـة أشلاء نفسية محطمة فتاريخنا المدرسـي ما هو إلا سيل عارم من السياط والصفعات التي ألهبت جلودنا وإنسانيتنا ذلك هو تاريخنا المدرسي تاريخ إرهاب وقهر وتعذيب.

 أما اليوم فهل نستطيع أن نقول بأن عهد السياط قد ولى إلى الأبد فـي إطار مؤسسـاتنا التربوية ؟ ألا توجد مظاهر العنف التقليدية في بعـض مؤسسـاتنا التربويـة ؟ ألا توجد مخالفات للأنظمة التربوية التي تمنـع كافـة مظـاهر العنـف فـي إطار المؤسسة التربوية ؟ ومع الأسف الشديد يمكن لنا أن نؤكد ذلك وفقا لتجربتنا وملاحظاتنا لهذه الظاهرة وذلـك ليس سـرا وهـاهو أحد المعلمين يقول على صفحات إحدى جرائدنا اليوميـة يؤسفني أنني لا أذكر اسم الجريدة لماذا لا يسمح لنا باستخدام الضـرب فـي المدرسة مع أن ذلك سائد في إطار الأسرة لماذا يحظر علينا ما هو مبـاح فـي الأسرة ويستطرد ذلك المعلم قائلا: إن طلابنا مشاغبون ولايمكـن لنـا أن نتخـلى عـن أسلوب العنف في التربية المدرسية وكم يؤسـفني أن يـترك لمثـل هـذه الفكرة أن تمر دون تعليق من قبل محرر الصفحة.

 وإذا كـانت ممارسـة العنـف بالطرق التقليدية قد تقلصت حقا إلى حدودهـا الدنيـا فإن التجربة والملاحظة تشير إلى ممارسة أنماط جديدة مـن العنف تتمثل في جملة من المواقف التربوية السلبية التي يبديها بعـض القـائمين عـلى العمليـة التربوية في إطار المؤسسات التربوية المختلفة وتتجلى هذه المواقف التربوية في أساليب الشتائم والكلمات الفظة التي يطلق عنانها في قاعات التدريس والمحاضرات العلمية وعلى مسـتوى الملاحظـات الواقعية لم يتورع بعض المدرسين في ثانويات دمشق ومدارسها عن استخدام كلمات تحقير وتبخيس متناهية الفظاظة ضد طلابهم بحـضور بعـض المـربين وطـلاب دبلـوم التأهيل التربوي الذين يتابعون تحـصيلهم في كلية التربية. هذا غيض من فيض ويعرف العاملون في هذا الميـدان إلى أي حـد يمـارس بعـض المعلمين والمدرسين هذه الأساليب الإرهابية أثناء قيامهم بواجبهم التربوي.

الإرهاب التربوي بين الأسرة والمدرسة.

البواعث والأسباب:

يطبع المجتمع نظامه التربوي بطابعه الخاص. فسمات وملامح نظام تربـوي مـا تعكـس إلى حد كبيد سمات وملامح المجتمع الذي يحتويه. إن العلاقـة بيـن النظـامين علاقـة تتصـف بدرجة عليا من التعقيد فالنظام الـتربوي السـائد هـو الأداة التـي يكـرس فيهـا المجتمع وجوده ويعيد إنتاج تواصلـه الثقـافي والحضـاري. وعـلى خـلاف ذلـك يـؤدي النظام الـتربوي فـي مراحل تاريخية معينة وظائف التجديد والإبداع كما يقوم بتمثـل التغـيرات الحضاريـة والقيـم الثقافيـة الجـديدة بما ينسجم والتطلعات الاجتماعية نحو النهوض الحضاري.

 لقد لعب نظامنا التربوي أدوار حضارية متكاملة في ضوء الإنجازات العلميـة المتلاحقـة والثـورات التكنولوجية المتعاقبة. ولكن نظاما تربويـا مـا مهما بلغت درجة تطوره وفعالياته لا يستطيع أن يزيل دفعة واحـدة كافـة القيـم التقليديـة المعيقـة لحركـة النمـو والحضـارة العلميـة. إن الغاية من هذه المقدمة تهدف إلى القول أن الكثير من المظاهر التربوية المرضية التي نعانيها في المدرسة هي نتاج لموروث ثقـافي وتركـة ثقافيـة متخلفـة أملتهـا ظـروف اجتماعيـة عبر أحقاب تاريخيـة متعاقبـة. ولابـد لنـا في هذا السياق أن نذكر بعض المحاور الأساسية لتأثير التركة الثقافية المتخلفة في نظامنا التربوي:

مـازالت قيـم التربية الأبوية الباتريركية تهيمن على كثير من جوانب حياتنا التربوية في إطار الأسرة والمجتمع.

تتسـم بعـض العلاقات الاجتماعية القائمة بكونها أيضا علاقات ترتكز على نسق من المعايير الكلاسيكية التقليدية.

لا يوجد المعلم في فراغ وهو في نهاية الأمر يتحدر من وسط اجتماعي أو بيئـة اجتماعيـة تسـودها القيـم التربويـة المغرقـة فـي تخلفهــا وتقليديتهـا إذ تتغلـب القيم التقليدية على هذه التي درسها وتعلمها في إطار المؤسسات التربوية العليا التي أعد فيها.

 وغنـي عـن البيان أن التربية الكلاسيكية تنطلق من مبادئ تربوية تتناقض بدرجة كبرى مع القيم والمبادئ التربوية الحديثة التي تستند إلى معطيـات علـم النفس وعلـم التربية. ويمكن لنا أن نذكر في هذا السـياق بعضـا مـن تعاليم التربية التقليدية: إذ تنظر هذه التربية إلى الطفل على أنه راشد صغير يدرك ما يدركه الراشدون ويجب عليه تمثل واجبـاتهم عـلى المستوى العقلي والأخلاقي. وبالتالي حين نتناول ذلك المبـدأ بـالتحليل نجـد بـأن العقوبـة واجبة على الصغير لكونه يدرك ويتوجب عليه ما يتوجب على الراشدين فعلا.

 ومـن المبادئ التربويـة التقليديـة العمل على استئصال النزعة الشـريرة فـي الأطفال أي التـأثير على غرائزهم وميولهم الطبيعية من أجـل تكـريس وتعزيـز الجـانب الأخلاقي في تربيتهم وهذا بدوره يستوجب القيام بسلسلة من عمليات الإكراه والضرب حين يخالف الطفل التعليمات الأخلاقية التي تتصـل بإشباع بعض حاجاته الطبيعية. إن المجال لا يتسع لنـا في سياق هذه المقالة لاستعراض كافة جوانب هذه المسألة وسنكتفي بذكر بعض الملامح الأساسية للأسباب التي تؤدي إلى ممارسة العنف. يمكـن لنـا أن نذكـر بعض أهم الأسباب التي مازالت تشكل المصدر الفعلي لممارسة العنف في إطار المؤسسة التربوية:

ـ الخـبرات التربويـة السـابقة لبعض القائمين على العملية التربوية أكـان ذلـك فـي إطار الأسرة التـي ينتمـي إليها المعلم أو في إطار المؤسسة التربوية التي تلقى فيها تعليمه بدءا من المرحلة الابتدائية حـتى المرحلـة الجامعيـة: إن اسـتخدام العنف في المدرسة يبرر لاحقا للطالب نفسه الذي يصبح معلما فيما بعد شرعية العنف كقيمة تربوية.

ـ النقـص فـي مسـتوى الإعداد الـتربوي للمعلميـن وعـلى الخـصوص عند المدرسين الذين لم تتح لهم فرصة الدراسة والتحصيل التربوية في إطار مؤسسـات تربويـة متخصصـة فـي إعداد وتأهيل المعلمين والمدرسين: ما أكـثر المدرسين الذين لا توجد لديهم أية أفكار عن النظريات التربوية الحديثة وأساليب التربية.

ـ اختزال العملية التربوية في جانبها المعرفي وإهمال الجانب النفسي والـتربوي الـذي يسـعى إلى تحـقيق التكامل والنمو والازدهار في شخص الطـالب أو التلميذ: ذوي الطلاب كمعلميهم يركزون بالدرجة الأولى على مسـتوى تحـصيل الطـلاب ولا يوجد هنـاك اهتمـام كبير بالجوانب النفسية والروحيـة عنـد الأطفال والناشئة ونحن ندرك ذلك جيدا. والكثير من الآباء لا يتورع في استخدام أشد أساليب العنف ضد أبنائهم إذا تبين لهم أن ذلك نافعا ضمن زيادة مستوى تحصيلهم المدرسي. إن السؤال المحوري المعروف الذي يطرحه الآباء على أبنائهم هل نجحت وكم من الدرجات قد نلت”...

ـ هنـاك إشكالية ذات طابع اجتماعي معروف تتعلق بطبيعة ما هو قائم في الـواقع الاجتمـاعي عـلى مسـتوى العمليـة التربوية: هناك الكثير من المعلميـن الذين حاولوا تطبيق المنهج الديموقراطي في العمل التربوي ولكـن محـاولاتهم هذه قد باءت بالفشل وذلك يعود إلى طبيعة ما هو سائد مـن اعتيـاد الطـلاب على نمط معروف من العلاقة التربوية ووجود نوع من الإكراه المؤسساتي الذي يجعل المعلم نفسه عرضة للسخرية والتهكم حين يحـاول تطبيق النظريات الحديثة في أدائه التربوي. لقد دلت الملاحظة وذلـك في أعلى المستويات العلمية أن المدرسين الشباب يتميزون بدرجة عليـا مـن الحمـاس لممارسـة وتطبيـق أحدث النظريات التربوية ولكنهم سـرعان ما يتخلون عـن أفكـارهم. والمـدهش في الأمر أن الطلاب أنفسهم كـانوا يبـدون اسـتجابات سـلبية جدا إزاء أكثر الممارسات التربوية ديموقراطية وانفتاحا وبالطبع فإن رفضهم هذا يعود إلى ما كرسته فيهم التربيـة المدرسـية عـلى مـدى سـنوات طويلة من جوانب سلبية تجعلهم يرفضون أفكار هؤلاء الذي يكرسون أنفسهم لخدمتهم وحمايتهم.

أثار ونتائج العنف التربوي:

إنـه لمـن الممكن أن نعلٍم ونتعلم في أي مرحلة من مراحل حياتنا ولكن ما هو متعذر أن نعيد تربية أنفسنا أو الآخرين بعد فوات الأوان.إن التربيـة هـي عمليـة تفـاعل دائمـة بين الفرد والبيئة التي يعيش فيها.

وتتـم صياغـة الإنسان وفقا لجملة المؤثرات والخبرات التي يعيشها في إطار بيئته الاجتماعية.وبالتالي فإن نموه وازدهاره مرهون في نهاية الأمر بمدى ما تتيحه له هذه البيئة من حرية النمو والازدهار.

 وإذا كانت البيئة في نهاية الأمر تشكل التربة التي ينمو ويترعرع فيهـا الإنسـان فـإن الحريـة والحنان بمثابة الشمس والدفء الذي يحيط بالشـجر. إن الإكراه والتسـلط فـي العمـل التربوي ما هو إلا كالصقيع بالنسبة لأزهار الشجر. إن التربية الديموقراطية تتيح للطفل المناخ الأفضل للنمو والازدهار. وعلى خلاف ذلك فإن العنف من شأنه أن يحقق عملية استلاب شاملة للإنسان.

 ويمكـن لنـا أن نحـدد باختصار أهم النتائج والآثار التي تتركها التربية العنيفة على شخصية الناشئة والجيل بما يلي:

ـ إن الإرهاب يـؤدي فـي نهاية الأمر إلى إنتاج شخصيات إرهابية خائفة تتميز بالعجز والقصور.

ـ يـؤدي العنـف الـتربوي إلى تكـوين الشـخصية السلبية وإلى الإحساس بالضعف وعدم المقدرة على تحمل المسؤولية.

ـ تكوين عقدة الذنب الدائمة.

ـ تعطيل طاقات الفعل والإبداع والابتكار في شخص الإنسان.

ـ إنتاج الشخصية العصابية الانفعالية.

ـ الشخصية الانطوائية.

ـ الشخصية المتسلطة.

 لقـد أثبتت الدراسات الاجتماعية والتربوية أن النجاح والتفوق الدراسـي كـان عـلى الدوام من نصيب الأطفال الذين ينتمون إلى أوساط اجتماعيـة تتميز بهيمنة العلاقات الديموقراطية. وبينت هذه الدراسات أيضـا أن الإبداع والابتكار مرهون بدرجة الحرية التي تمنح للأطفال في حركتهم وفي تلبية احتياجاتهم.

 يكمن جوهر الإنسان في حريته وقدرته على التفكير النقدي الفاعل وبالتالي فإن التربية المتسلطة من شأنها تفريغ الإنسان من محتواه واستلاب جوهره الإنساني وقتل طاقة التفكير المبدع لديه وحرمانه من هامش الحرية الضروري لتفتح شخصيته الإنسانية.

 

332

خالد عبد الرحيم

 

 

 الإرهاب التربوي   محاولة في تأصيل مصطلحة وإبراز جذوره  تعريف وتمهيد:

للتربيـة تعريفـات كثـيرة، تخـتلف بـاختلاف التيارات الفكرية، التي يصدر التعريف عنها، وباختلاف الأطر المرجعية والثقافية للمعرف. ولكنهـا عـلى اختلافهـا تقـر بوجـود عنصـرين هما: المربي، ومتلقي التربيـة، أو الراشـد والناشئ، أو المعلـم والتلميـذ، أو الأهل والأطفال، وغير ذلك من التسميات الدالة على هذه المسألة. كما تقر هـذه التعريفـات أيضا بوجـود علاقـة بين الطرفين. ومهما أدخل على طبيعـة هذه العلاقة من تعديلات ومهما شذبت فإنها تقوم في جوهرها على الإكراه. ويتجـلى هذا الإكراه في أن المربي يحتكر تقنين الأهداف أو تحـديد الصورة النهائية التي من المفترض أن يظهر عليها سلوك الطفل عندما يصبح راشدا..

 وقـد اخـتلفت المرجعيـات الثقافية عبر العصور في توصيف الطبيعة الأمثل للإنسان. ففـي حـين كان التوازن بين الجسد والعقل أو الجسد والـروح في ربيع الفكر اليوناني بين الجسد والعقل هي الصورة الأفضل للإنسان. انحطت هذه الصورة في خريف هدا الفكر ومع انتشار الفلسفات الابيقوريـة والرواقطيـة لتصبـح تقليصـا مؤلما للحاجات يدمر الشخصية ويدفعها للانسحاب من الحياة بغية تحقيق سلام ذاتي وهمي وزائف. إننا نضرب هذه الأمثلة من أجل إيضاح أن الصورة التي يتشكل فيها الصبي هي صـورة تتحـكم فيهـا الثقافة على الغالب وتتغير بتغيرها ولادخل لمن توجه التربية إليه بتحديدها.

 ولكننـا يجـب أن نـوضح فـي الوقت ذاته أن الدعوات الإصلاحية في المجـالات السياسية والعلمية والتربوية واستدخال المفاهيم والأفكار النفسـية، وعـلى الخـصوص الأفكار التـي كشـف عنها عالم نفس الطفل والمـراهق وأبحاث علـم النفس الـتربوي، ونخـص بالذكر منها أبحاث الذكـاء والتعلم وأبحاث علم النفس التربوي ونخص بالذكر منها أبحاث الذكاء والتعلم والاعتراف بالفروق الفردية والتطورات التي طرأت على طـرائق التعليـم وشيوع الأفكار الديموقراطية، والتغيرات السريعة في المجالات كافة والتي تجتاح حياتنا المعاصرة، كل ذلك جعل الصورة أو ما يشار إليه عادة بالأهداف تصبح أكثر مرونة، إلى حد أن ادكاردفور يعترف أن أهم تحد يواجه التربية هو أن عليها أن تعد الأطفال لمجتمع لانعرف ماهي ملامحه بعد.

 وبالرغم من هذه التغيرات فإن المدرسة والمؤسسات التربوية عموما تتمحـور عـلى الغـالب حـول نـواة محافظـة وصلبـة ممـا يجعلها تقاوم التغيـير. إذ أننـا نجـد عـلى سبيل المثال أن مفكرا مثل فيخته يصرح: بأننا نريد لهم:" الأطفال" أن يريدوا ما نريد لهم أن يريدوا. وهي نزعـة ألمانيـة لا ينفرد بهـا فيختـه بل نجدها أيضا عند كانت وهيجل وإضرابهما.

 إن ملخـص القـول أن عـلى التربية أن توفق بين قرني الإحراج أما انعـدام التوجيـه وفقدان الأهداف والذي شئنا أم أبينا نترك المؤسسة الاجتماعيـة مرتسـماتها عليـه أو تقنين الأهداف على الصورة المتزمتة والمغاليـة التـي طرحها فيخته، أين من هذه الصورة المشبعة بالديموقراطيـة والتاريخية كما يريدها القول العربي: خلقوا أولادكم غير ما تخلقتم فإنهم مخلوقون لزمان غير زمانكم. وتزداد المغالاة في إجبار الطفولة على النطق بلغة غير لغتها والتضحية بها لصالح مستقبل وهمي تظهر أكثر ما تظهر حينما يتدامج المشروعان التربوي والسياسي من اجـل تحـقيق طمـوح مغـرق فـي مثاليته وهو تشكيل سلوك البشر بما يحقق أهداف صريحـة حينـا ومضمرة حينا آخر. وذلك من أجل تأسيس جمهوريات فاضلـة تسـودها العدالة والمساواة وهو حلم قديم متجدد لم يزل يراود الكتـاب والفلاسـفة من كل اتجاه جمهورية أفلاطون المدينة الفاضلة للفـارابي سـينكر في كتابه والدن تو ومنظرو الاشتراكية الخيالية وغيرهم...

 إن تشـكيل سـلوك الأفراد وفـق أهداف محـددة وصورة مثلى والتحكم بالشـخصية يقتضـي فيمـا يقتضـي بالإضافة للأهداف، اسـتخدام تقنيات ووسـائل لتشـكيل السـلوك كمـا يقول المثل العربي: بين سيف المعز وذهبه، أي بين العقوبة وبين أشكال التعزيز المختلفة. وعندما تأخذ تقنيـات ووسائل التشكيل صورة جدية قهرية شديدة الوطأة ينشأ الإرهاب ....

 ثانيا: الإرهاب التربوي: تأصيل المصطلح:

من أين يتولد الإرهاب :

 لقـد أسـلفنا فيمـا سـبق أن ثمـة تباينـا بيـن ما تريده المؤسسة التربوية المدرسة، الأسرة المؤسسة الدينية، المؤسسات الاجتماعية، الأنظمـة السياسـية وغـير ذلك مما يحفل به هذا العصر المؤسساتي الذي أدخل الإنسان في شراك شبكة واسعة من العلاقات المؤسساتية.

 ويظهـر التبـاين بين أهداف هذه المؤسسات الهداف العضوية الحية التـي هـي الإنسان بعامة والطفل بخاصة. إن هذا التباين عندما يشتد يجـعل الإكراه ضروريـا بحـيث يؤدي إلى حشر الإنسان في عالم بلا معنى وإلى اسـتلاب إنسانيته. ومـن المؤسـف أن هذه المؤسسات على الغالب لا توضع مـوضع تسـاؤل بل تكال التهم للفرد عندما يخرج منها أو يخرج عليها.

 أن التربيـة تقوم على نوع من التوازن الدقيق حيث لا يمكن لنا أن نلغي الأهداف الاجتماعية للمؤسسة التربوية لصالح دوافع فردية منفلتة مـن عقالهـا. إذ أن كـتم هذه الدوافع حينا وكبتها حينا آخر ضروري لاستمرار المؤسسة التربوية الاجتماعية كما أنه ضروري للفرد في الوقت ذاتـه. إذ لآيكن لنا أن ننشئ تربية دون هدف فالقول بتربية دون هـدف يحـتوي مفارقـة منطقيـة. إن ما هو مطلوب في سياق تربية سليمة المـرور بـالممر الحـرج بيـن شـاريد وسـيلا، بحـيث يراعي كما تقول كلاسـيكيات الأدبيات التربويـة والتـوفيق بيـن أهداف الفـرد الهداف المجـتمع والتـي يجـب أن تؤول كمـا يـرى ديـوي إلى صيغة وسط تأخذ بالحسبان الأمرين معا....

إشكاليات يثيرها المصطلح:

إن تسـارع نطاق الإرهاب التربوي وتعدد أشكال السلوك التي يتجلى بهـا ومدى تأثيره في شخصية الضحية التي يقع عليها يؤدي إلى الغموض فـي المصطلح وتداخله مع مفاهيم أخرى. وهذا بالتالي يثير إشكاليات معرفية ومنهجية منها على سبيل المثال:

هل يعد كل تحكم للمربي في سلوك الطفل إرهابا ؟

أم إن تشـكيل سـلوك الطفـل عـلى الصـورة التـي يريدهــا المــربي والتـي تتناقض مع المطالب النمائية للطفل إرهابا ؟ وبعبارة أخرى هل يقع الإرهاب التربوي في دائرة التناقض القائم بين المطالب النمائية للطفل واستراتيجية التربية وفقا لتصورات المربي الاجتماعية ؟

هـل يعتـبر كـل تـأثير سـلبي فـي سـلوك الطفــل إرهابا، أم أن هذا التأثير يجب أن يصل إلى شدة معينة كي يصبح إرهابا.؟

 

3 تأصيل المصطلح:

إن العـرض السـابق للإشكاليات المطروحة وتعرضنا بالشرح للأرضية التـي يتولـد منهـا الإرهاب تعطينا مؤشرات يمكن أن تساعد على تأصيل المصطلح:

أولها: إن الإرهاب عملية تستهدف غاية. وبقدر ما تكون الغاية التي يريدهـا المـربي بعيدة عن مطالب نمو الطفل أو غامضة بالنسبة للمربي أو عندمـا تقـود إلى وعـي زائف فإننا نضع أيدينا على واحد من حدود المصطلح.

ثانيهـا: وتتعلـق بنوع التقنيات المستخدمة في ضبط سلوك الضحية فقد يسـتخدم المشـكل نـوعين من أساليب ضبط السلوك. ويعتمد الأسلوب الأول على العنف كالعقوبة الجسدية أو التعزيز أو التشهير كما قد يلجأ إلى الحرمـان البيولوجـي والنفسـي. بينمـا يعتمـد الأسلوب الثـاني على اسـتخدام مثيرات محببة كالتعزيز بأشكاله المختلفة. دعونا نصطلح على أن الإرهاب يعتمد على استخدام أساليب منفرة ومكروهة في تشكيل السلوك والذي يدخل ضمن حيز الأسلوب الأول.

ثالثـا: النتـاج أي نوع السلوك المشكل والذي يتأرجح بين كف السلوك الـذي أوقع الإرهاب بسببه وبين امتثالية سلوكية ميتة تشمل حقلا واسعا مـن التصرفـات تستلب الإرادة وتعيد تشكيل الشخصية تشكيلا غير سوي وقد تـدفع الإنسان إلى إرهاب نفسـه بنفسـه وربما تخلق شخصية انسحابية متقوقعة عدوانية أحيانا توجه عدوانها إلى مصدر الإرهاب ذاته أو تبحث عن كبش فداء أو غير ذلك من الاحتمالات.

إن عـرض هـذه المؤشـرات سوف يقودنا على التو لتعريف الإرهاب التربوي فالإرهاب الـتربوي: تقنية من تقنيات تشكيل السلوك تتوجه إلى تحقيق أهداف متناقضـة مـع مقتضيات نمو الطفل أو لاشعورية أو غامضة بالنسبة لطـرفي العلاقـة وتسـتخدم هـذه التقنيـة أساليب مؤلمة في ضبط السلوك وتؤدي إلى تكوين شخصية غير فاعلة على المستوى الإجرائي وغير متوازنة على المستوى النفسي.

 ثالثا: الجذور الاجتماعية للإرهاب التربوي:

ينشـأ الإرهاب الـتربوي في سياق جملة من الظروف والعوامل المتفاعلة وسوف نركز هنا على الجوانب الاجتماعية منها ومن أبرزها.

الثقافـة المرجعيـة: تتبلـور الثقافة الاجتماعية في تصور نموذجي للسـلوك يشـكل الحيدان عنه تهديدا للمثل الاجتماعية والدينية وتستند هذه الثقافة الاجتماعية في فعلها التربوي إلى مسلمة مخطئة من مسلمات علـم النفس هـي نفـي الـذات الطفلية والنظر إلى الطفل على أنه صفحة بيضـاء نسـجل عليهـا ما نريد. عـلى الـرغم من تجاوز علم النفس لهذه الفكـرة حـيث أثبتت الدراسات في هذا المجال أن الطفل كائن ينمو وأن لـه خصائصـه الخاصة وانه صغير الرجل كما يرى جان جاك روسو وليس رجلا صغـيرا أقول ما تزال هذه الفكرة تسيطر على الجزء غير الواعي للمربين والآبـاء وحـتى أنها تشكل الوعي الذي وجه المؤسسة التربوية في حالات كثـيرة وما تزال تعابير مثل العصا من الجنة ولك اللحم ولنا العظم توجه الكثير من أفعالنا”..

 ويبـدو أن اللغـة الوحشية التي يتكلمها الإرهاب ليست هذا الشكل الوحيد من الإرهاب كالعدوان بالعصا بل الأنكى من ذلك هو إخضاع الطفل لعمليـة مزدوجة ومتناقضة. فمن المبرر للراشد أن يكذب عليه في حين لا يحق للطفـل الكذب. وفضلا عن أن هناك حقلا من السلوك مباحا للراشد كـالتدخين والإيماءات الجنسية وغير ذلك وغير مباح للطفل. إن الطفل فـي ثقافتنـا الأبوية هذه ليس أكثر من امتداد للراشد ومتنفس لعقده وشيء مما تقع عليه سلطاته ( على الطفل أن يرضي غرور الراشد ورغبته في أن يطاع وأن يتكيف مع طباعه ) انظر اريك فروم - أزمة التحليل النفسي ترجمة محمود منقذ وزارة الثقافة 6891 صفحة 6”.

 وعندمـا يحـيد الطفـل عن هذا النمط المرسوم، من السلوك يستخدم الراشـدون أنواعا مختلفـة مـن الردع الحديدي والحريري. عندما تأخذ تقنيات ووسائل تشكيل السلوك صورة قهرية ينشأ الإرهاب....

 الأسرة:

الأسرة وحـدة اجتماعيـة تنتمي إلى طبقة اجتماعية ليست ذات طبيعة واحـدة وتتوجـه بنسـق ثقـافي يتقارب مع الثقافة العامة ولكن لا يفقد خاصيته. مما يغلب على الثقافة الأسرية أن الطفل يلعب به ولا يلاعب فهو أداة تسـلية وكثـيرا مـن الأمهات اللاتـي ينجبن في سن متأخرة ينجبن بدعوى أن الطفل يسليهن في كبرهن.

 إن هـذا الكـائن الطفل لا يستمد قيمته من ذاته بل من مقدار النفع المـادي أو المعنـوي الـذي يحمله ومنذ البداية تحت التصرف والتدجين وكثـيرا ما ينتظر الآباء من أبنائهم تحقيق آمال الآباء المحيطة والتي لـم يسـتطيعوا هـم تحقيقها، ويحاولون تنشئة أطفالهم على صورتهم من حيث السلوك والمهنة وغير ذلك وقد لا تتطابق الصورة التي ينتظرونها من أبنائهم مـع الصورة الفعلية للأبناء وفي هذه الحالة قد يكون الإرهاب التربوي هو السبيل لإجبار هذه الكينونة البشرية على أن تتقلب بصورة مصطنعة غير سوية.

 ولـو أن النسـق الشـعوري هـو الـذي يتحـكم بالعلاقـة بين الآباء والأبناء لهـان الأمر ولكن فـي حـالات كثيرة يكون ما يتوقعه الأب من الطفـل غامضـا حيث تمتد جذوره في الجزء غير الواعي من الشخصية. إذ ذاك يسود العلاقة منطق ما قبل المنطق ويكون الطفل في هذه الحالة أمام حالـة اسـتلاب مزدوج فهو مستلب لأن عليه أن يكيف نفسه مع السلوك الذي يريـده الأب ومستلب مرة أخرى لأن هذا السلوك غير منطقي وغير عقلاني إن كثـيرا مـن الدراسـات تناولت الإطار الأسري وتأثيره على الشخصية ونوع العلاقـة التـي يتلقاهـا الأبناء وتأثيرهـا في سلوكهم منها على سبيل المثـال لا الحـصر دراسـة بولـدين عـن اثـر كل من الأسرة الاوتوقراطية والأسرة الديمقراطيـة. ففي حين يكون أبناء الثانية مواجهين هجومين مبـدعين يتصـف أبنـاء الأولى بعكـس ذلـك. والحقيقة أن الإرهاب يدفع الممـارس عليـه إلى كـف سلوكه إلى الحد الأقصى ليتجنب العقوبة وعلى الخصوص حين لا يكون هناك تعارض ضمني بين طرفي العلاقة على السلوك الذي يسبب القمع التربوي.

 السياسة التربوية:

إحدى وظـائف السياسـة التربويـة المشـتقة مـن فلسـفة التربية السائدة في مجتمع ما هو تنظيم العلاقة بين أطراف العملية وتقنين ذلك فـي أنظمـة داخلية وتشريعات تربوية والمهم إلى جانب هذه التشريعات هي الروح التي تنفذ بها فالمدرسة ليست وضعا قانونيا بل هي قبل ذلك وضع سيكولوجي.

 فـي بعـض الحـالات لا تقوم السلطة بالتناهي مع النص المنظم للعلاقة وتمثلـه أو تجاهلـه وتتشـخص السلطة المدرسية كالسلطة الأبوية تماما وتنتهـك المرجعية القانونية والتربوية المنظمة للعلاقة وتصبح إرادة السلطة التربوية والتي ليست دائما إرادة سوية وعادلة وعقلانية بديلا عن النص. إذ ذلك يتبلور العنصر الإكراهي في العلاقة التربوية بأكثر صـورة بشـاعة حيث لا حدود بين الممكن والمباح والممنوع. إن مثل هذا المنـاخ يفرض أنواعا من الإرهاب لا حصر لها وفقدان العدالة والمساواة بين التلاميذ والعدوان على إنسانيتهم.

 فـي واحـدة مـن الإجابات التـي قرأتهـا عن العلاقة بين المعلمين والتلاميـذ والتـي يجريهـا بـاحثون فـي كلية التربية والخاصة بتعليل الطفـل لعـدم حبـه للمعلمـة كونهـا تفضـل أبنـاء الأغنياء على أبناء الفقراء وكأنما لا يكفي الطفل ما يعانيه من فقر حتى يتعرض إلى اضطهاد آخـر بسـبب هـذا الفقر. ومنها استخدام الأطفال في أعمال العلاقة بها بـالعمل التربوي ومنها علاقة العقوبات المختلفة كالتشهير والشتائم التـي تكـال من كل نوع وصنف والتي منها ما ينصب على الصفات الجسدية ومنها ما ينصب على الصفات العقلية للطفل.

 خاتمــــــــــــة:

 الحقيقـة أن البحـث فـي هذا الموضوع أوسع من تتضمنه هذه المقالة وهـو إذ أثـير فـذلك مـن أجـل أن ينصـب الجهد على تدعيمه بالدارسات الميدانيـة واسـتخدام أساليب وتقنيـات البحـث العلمي في دراسته. ويكفينا في هدا السياق أن نشدد على أهميته وأن نثير حوافز التفكير والاهتمام به.