385

بقلم :أ.د.علي أسعد وطفة

كلية التربية - جامعة الكويت

 

 

الإسقاطات النفسية

لزلات اللسان وهفوات الكلام

 

يعتقد أنصار مدرسة التحليل النفسي أن لا شيء يحدث بالصدفه في مجال السلوك والحياة النفسيه، فكل سلوك يتحدد بأسبابه الموضوعية ، وكل سلوك يجري لتحقيق غاية مرسومه ، وذلك ينسحب حتى على أبسط أنواع السلوك الإنساني وأقلها أهمية . فالسلوك الإنساني أبسط تجلياته سلوك يتسم بالغائية ويجري بصورة سببيه موضوعيه.

ومن هذا المنطلق كان لمدرسة التحليل النفسي شأن كبير في تفسير السلوك الإنساني وفقا لمعايير وإشارات تنطوي على كل معاني البساطة والسذاجة وخاصة هذه التي توجد في هفوات الكلام وزلات اللسان . ولم يكن ذلك حكرا على مدرسة التحليل النفسي ففي التراث العربي ما يشير إلى عبقرية العرب في إدراكهم لهذه الجوانب ويمكن في هذا الصدد الإشارة إلى القول العربي المشهور وقوامه : ما أخفى الإنسان شيئا إلا وظهر في فلتات كلامه وزلات لسانه . ويتميز تراث العرب بالغنى والأصالة في هذا الميدان  حيث يتفوق ربما على نظرية التحليل النفسي في مجال تفسير الإشارات الرمزية للسلوك البسيط والذي يحمل دلالات بعيدة المدى في الكشف عن مجاهل الشخصية الإنسانية وخفاياها . ويكاد فن العرب الذي نطلق عليه الفراسة العربية يشكل قاموسا رائعا لعلم نفس الأعماق الذي تنادي به المدرسة الفرويدية في القرن العشرين .

وقوام علم الفراسة عند العرب الوصول إلى تفسير عميق لماهية الأشياء من خلال بعض الملامح الرمزية التي تتخلل السلوك والمظاهر السلوكية الإنسانية بدءا من القول البسيط إلى الإشارات السلوكية السطحية التي كانت تشكل منطلق العرب في فهم ما خفي من أمر الناس . وللعرب في تفسير الأحلام التي أبدع الفرويديون في تفسيرها شأن عظيم فالرمزية العربية للحلم بقيت تتميز بالأصالة والروعة وهذا ما يمكن لنا أن نراه بوضوح في تفسير الأحلام الذي أبدع في فنونه فيلسوف العرب أبو علي الحسين ابن سينا فخصص له فصولا وأبحر في إدراك جوانبه وفصوله وتجلياته . ومن يقرأ اليوم كتيب تفسير الأحلام لابن سيرين وهو من أكثر الكتب شعبية في البلاد العربية يجد فيه منظومة رمزية تعلو ربما على هذه التي نجدها في كتاب ومقولات فرويد حول الأحلام .

ومع ذلك فإن نظرية التحليل النفسي تنطلق ربما من معطيات المراحل التاريخية وتوظف غنى هذه المراحل من أجل الوصول إلى تفسير الغامض في السلوك الإنساني على أسس أقرب إلى المنهج العلمي . ولا ضير من النظر في معطيات وفنون هذه المدرسة في تفسير هفوات السلوك وهنّاته ومواطن ضعفه وما ينطوي عليه من دلالات ومعاني خفية في صيغها الظاهرة وفي ذلك طرافة وظرف .

ومن هذا المنطلق يعتقد فرويد بأنه يمكن لأفعالنا  اليوميـة البسيطة أن تكون تعبيرا عن نزعة لاشعورية متخفيّة ودفينة ، ومن هـذا المنطلـق  يسعى في كتابه علم النفس المرضي للحيـاة اليوميـة Psychologie de la vie quotidienne  إلى تحليل سلسلة من الظواهر السلوكية  التي يفترض بأنها تصدر من دائرة العمق اللاشعوري .  وتأخذ هذه المظاهر السلوكيm صورة  أحداث يومية بسيطة غالبـا مـا تعـزى إلـى مجـرد المصادفـة مثـل  : زلات اللسان ، وهفوات الكلام ،والنسيان المؤقـت للأسماء ، وضيـاع الأشـياء المزعج والأفعال الناقصة ، والأحداث العرضيـة مـن كـل نـوع . وإزاء هـذه المظاهر يطبق فرويد اكتشافاته السابقة فيجد أن هذه المظـاهر تعكس هجمة من النزعات اللاشعورية المتجهة  إلى ساحة الشعور . فالهفـوات لا تعـبر عـن الطبقات العميقة في المنطقة اللاشعورية فحسب، بل يمكنها أن تعبر عن  الصراعات النفسية الداخلية يوضحها المثال التالي  : كنا على وشك تدخين علبة جـديدة مـن التنباك ولكننـا قلنـا لأنفسنا بأننا نستطيع أن ننتظر وبعد مرور لحظات استغرق كـل منـا فـي عمله ودهشنا عندما وجدنا أنفسنا جميعا نشعل الغليون من العلبـة الجـديدة. هـذه العملية بسيطة لمن اعتاد على مثل هذه العمليات اللاشعورية ، ولمن ألف مـا يسمى بالصراعات النفسية. لقد استبعدت النزعة الأولى، ولكنها كـانت تسـعى إلى تحقيق نفسها، ولا سيّما عندما تتوقف عمليات المراقبة. ونحن هنا نلاحظ ما يمكن أن يحدث على المستوى الواسع ولا سيّما بالنسبة للنزعات التـي توجـد فـي العمق النفسي كما هو الحال في حالتي العصاب والأحـلام ففي المثـال السابق، تحررت  النزعة اللاشعورية وانطلقت  دون أية مصالحة أو اتفاق  منطقـي بين الشعور واللاشعور .

الهفوات اللغوية :

 في حالة الهفوات ولا سيّما زلات اللسان وهفوات الكلام تكون الغاية مرغوبة لاشعوريا ، حيث تترك الكلمة المطلوبة مكانها لكلمة أخرى غير مناسبة. وفي كـل الأحـوال إذا كـانت الهفوات أكثر تكرارا في حالة التعب والإرهاق فإن حدوثها مرهـون إلـى حدّ كبير بمجموعة من الشروط ذات الطـابع الفيزيولوجـي ، وهـي تحـمل فـي أكـثر الحالات دلالة نفسـية. حيث يترافق التعب بحالة ضعف الرقابة النفسية الخاصة بالكلام وبناء على ذلـك فـإن الكلمـة أو الفكـرة المشوشة يمكن أن تمثل دافعية مضادة تناهض وبشكل مباشر المعنى المراد وقد تكون هذه الفكرة أو هذه الكلمة ذات طابع غائي في المستوى اللاشعوري .

يسوق لنا فرويد مثالا عن النوع الأول من هذه الهفوات حيث يروي لنـا الهفوة التي تخللت إحدى الخطب الرسمية التي ألقاها رئيس مجلس الشعب النمساوي في إحدى الجلسات الرسمية حيث افتتح الجلسة قائلا : "سـيداتي سادتي أعلن عـن إغـلاق الجلسـة لحضور أكثرية الأعضاء " ويـوضح هـذا المثـال أن الزعيم لم يكن يرغب في افتتاح هذه الجلسة .

 ويسوق مثالا آخر من النوع الثاني من الهفوات وهو حديث سيدة عرفت بحيويتها تشرح فيه أن زوجها "استشار طبيبه حـول موضـوع حميـة يريـد اتباعها وأن الطبيب قال له لا حاجة لك باتباع أية حمية وأنـه يسـتطيع أن يأكل ويشرب ما أريده أنا " . الضمير هنا يعود للسـيدة، وهنـا كمـا يبـدو تعبر هذه الهفـوة عن تداخـل شـفوي لـرغبتين مخـتلفتين . فهنـاك النزعـة المشوشة، وهذا يعني أن سبب الهفوة بقي سطحيا وخارجي ويمكنه أن يتحول إلى صورة شفوية .

في كثير من الأحيان تبقى النزعة الفوضوية المشوشـة لاشـعورية، وليس غريبا أن ترى الشخص المعني ينفي وبقوة التفسـيرات المطروحـة، وفـي هذا الخصوص يروي لنا فرويد أن أحد الأطبـاء المسـاعدين فـي مشـفى فيننـا Vienne قد رغب في شرب نخب أحد أساتذته فناداه قائلا : إنني أدعـوك إلـى إسقاط نجاح رئيسنا " وذلك بدلا من أن يقول " إنني ادعـوك لشـرب نخـب نجـاح رئيسنا" وهنا يؤكد فرويد على وجود غيرة عدوانية عميقة ضد الأستاذ، وهـو عندما وضع المساعد في هذه الصورة أجابه بطريقة غير ودية. ويبدو أن الأمر يتعلق هنا بنزعة مكبوتة وهي بالتأكيد مجهولـة من قبـل صاحبهـا. وفـي بعـض الحالات وعندما تكون الهفوات عائدة لبعض المرضى فـإن المحـلل يـدرك بعمـق لاشعور هؤلاء من خلال الحلم أو من خلال التداعيات. لقد قال له أحـد مرضاه ويدعى جونس Jones كان والدي مخلصا لزوجتي ! ثم عاد قـائلا " كان يجب أن أقول أمي بدلا من زوجتي ". وفي إطار ذلك يمكن القول إن الأسـباب الأساسـية لعصـاب هـذا المريض تكمن في آلامه الخاصة بتعلقه الشديد بأمه حيث نجد هنا تركيزا عـلى الأم . ويقول فرويد في هذا الخصوص لو لم يكن تفكير هـذا المـريض قـد تعـرض للكَبْت فإنه كان يتوجب عليه أن يقول بالأحرى " موقفي تجاه والدي هو مـوقفي نفسه تجاه والدتي " .

 فالهفوات الكلامية والأخطاء الكتابية تفسر بصورة لاشعورية . ويمكن إضاءة هذه الفكرة بسرد حديث السيدة التي قالت بأنها تلقت رسالة من صديق قديم تنتهي بهذه العبارة : " أتمنى أن تكوني بصحة جيدة ويائسة " ، لقـد كان يرغب يوما في أن يتزوجها وبالتالي فإن هفوته تشير إلـى رغبـة دفينة لديه في أن يراها يائسة .

 الإدراكات الخاطئة :

 يمكن لنا أن نفسر أخطاء الإدراك بطريقة مماثلة فنحن أحيانا لا نـرى أشياء ننفر من رؤيتها وعلى خلاف ذلك فإننا نـرى دائمـا مـا نـرغب فـي رؤيته. ويمكن القول في هذا النطاق أن أخطاء القـراءة هـي عمليـة إزاحة لكلمـات نـرغب فيهـا. والمعرفة الخاطئة لبعض الأشخاص تعبر عن رغبة دفينة في رؤية الأشخاص الذين نحبهم. وعلى خلاف ذلك يمكن لشخص لا يهمنا أمره ونعرفه جيدا أن يمر بقربنا في الشارع من دون أن نتعرف إليه .

النسيان :

 يعارض فرويد في تفسيره للنسـيان الفكـرة التقليديـة التـي تقـول بـأن النسيان ظاهرة سلبية وأنها عملية زوال للمعلومات. وهنا يتحدث فرويـد عـن نسيان نشط ناجم عن كوابح . ونلاحظ في هذا الخصوص أن هذه الفكرة تأخذ أهمية مركزية في التحليل النفسي،  فالأحداث المؤلمة غالبا ما تٌصد وتستبعد من ساحة الذاكرة .

هذا ويعطي فرويد أهمية خاصة لظاهرة نسيان الأسماء : عندما ننسـى اسم شخص ما فذلك قد يعني أنه لا يهمنا كثيرا وقد يعبر عن مـوقف عـدواني تجاهه أو لأن هذا الاسم يذكرنا بخبرات غير سارة .

يروي جونيس أن أحد أصدقائه قد تعرف على فتاة شـابة ثـم أصبحـت صديقته فيما بعد... ولكن حدث له أنه كان يجد صعوبة كبيرة في استذكار اسم عائلتها وذلك في الوقت الذي كان فيه يرغب في أن يوجه إليها رسالة ثم يبقـى هكـذا لمـدة أسابيع دون أن يستطيع أن يوجه لها رسالة. ولم تساعده الرسائل التي كـانت تصله منها لأنها كانت تحمل اسم المعمودية .

 لقد بين التحليل أن اسم المعمودية الخاص بالفتاة كان اسم فتاة ثانيـة كان يدللها ، وهو أيضا اسم فتاة ثالثة كان يحبها عندما كان صغـيرا، لقـد كان ينقل محبته من الواحدة إلـى الأخـرى. لقـد اسـتطاع أن يتمثـل وبشـكل لاشعوري الفتيات الثلاثة داخل نفسه. وبهذه الطريقة يبقى مخلصا لحبه وهـو بالتالي كان يتراجع أمام أية ذكرى تشير إلى عدم إخلاصه الحقيقي .

وفي النهاية يمكن القول إن فرويد كان متوافقا مع الرأي الشائع الذي يعطي خصائص إيجابية للنسيان. وغني عن البيان أن هذا الرأي ينظر إلى الفرد بوصفه مسؤولا عن أخطاء ذاكرتـه. وفـي هـذا الخـصوص نجـد أن النسـاء والسلطات العسكرية ترى أن كل ما يتصل بهما يجـب أن لا يكـون فـي متنـاول النسيان. وإذا كان الأمر يتعلق بمسألة هامة فإن النسيان يدل عـلى أهميـة خاصة تستحقها. ومن هذا المنطلق يبدأ فرويد بتحليل دقيق لسلوكات المجاملة والرياء الاجتماعي.

 فالاعتذار بسبب ضعف الذاكرة قد يسبب آلاما أكثر شدة . لنتصور سيدة مـا تستقبل ضيفها وهي تقول " كيف نسيت أنه اليوم الذي اتفقنا فيه على أن تـأتي لزيارتي أعذرني لقد نسيت ذلك تماما ". إن هذه السيدة تفتقر وفقا لصورة الاستقبال هذه إلى كل الشروط الخاصة باللياقة وبالتالي فإن النسيان في حالتهـا هـذه يعـود إلى رغبة قد تكون لاشعورية ولكنها جارحة في كل الأحول .

إن نسـيان الهدايـا التي حصل عليها الشخص من أحد  أصدقائه أو معارفه لا يعـبر عن موقف جيد تجاه الأشخاص الذين قدموها . وعندما يحدث في شهر العسل أن تضيع فتاة خاتم خطبتها مرات عديدة فإن ذلك يمثل طابع شؤم بالنسبة لمستقبلها الزوجي .

ويذكر فرويد في هذا الخـصوص قصـة طريفة لزوجـين لـم تكـن علاقتهمـا مشـبعة بالعاطفة ومفادها أنه في إحدى الأيام قدمت الزوجة لزوجها هدية وهي عبارة عن كتاب للفيلسوف الشهير كـانت وكانت تعتقد أنه سيثير اهتمامه. شكرها الزوج ثم وضع الكتاب جانبا. وخـلال سـتة أشهر لم يستطع أن يعثر على الكتاب . وعندما كانت أمه تعاني مـن المـرض وكـان يحبها كثيرا كانت زوجته تعتني بها بكل وفاء وتضحية وهو عمل كان يلامس فيه أعماقه وكان من شأن ذلك إيقاظ عاطفته نحو زوجته . وفي إحدى الأمسيات عنـد عودتهمـا من عند الأم المريضة وهو يشعر بالامتنان تجـاه زوجتـه اقـترب مـن إحـدى الخازنات الصغيرة ثم فتحها آليا وسحب جـرارا بداخلهـا ثـم أخـرج الكتـاب المفقود.

وفي النهاية  يمكن القول أن علم نفس الأعماق ينطوي على إشراقات تتميز بالأصالة والجمال وهو مع ذلك لم يتفرد في هذا الموضوع فتراث الإنسانية يشكل كما يذهب فرويد نفسه ينبوعا ثرا لحركة هذه النظرية ومعطياتها . وما أضافته هذه المدرسة في تفسيرها لواهنات السلوك يتألق في استخدام منهجية علمية متكاملة في تحليل الرموز والتوغل في فيافي الأعماق للكشف عن هوية بعض الأنماط السلوكية المتخفية والتي كان لها أثر كبير في علاج بعض الأمراض النفسية العضال . فالعيادات النفسية الخاصة بالأطفال تشتمل اليوم على صالات من ألعاب الأطفال والتي يوجد فيها ربما جميع الألعاب التي يمكنها أن تعبر عن الوسط الذي يعيش فيه الطفل وعندما يخل الطفل إلى هذه الصالات يخضع من حيث لا يدري للملاحظة العلمية وهو عندما يلعب ويختار ألعابه يسقط دفائن آلامه وصعوباته النفسية التي تتيح للمحلل النفسي أن يدرك المعاناة النفسية للطفل فيعمل على حلها : فالطفل الذي يبحث عن لعبة تحمل شاربين ولحيه ويبدأ بضربها بشدة قد يعاني من قسوة الأب وفي كل خيار وحركة تكمن دلالة قد تساعد عالم النفس في الكشف عن هوية المرض النفسي الذي يعاني منه مريضه .

لقد وظفت مقولات التحليل النفسي في تفسير خفايا السلوك توظيفا إنسانيا في معالجة المرضى وذلك إضافة إلى أهميتها في مجال فهم السلوك الإنساني وإدراك ماهيته، ومن هنا كان للتحليل النفسي فضل كبير في إضاءة بعض جوانب الحياة الإنسانية التي غالبا ما كان لها أن تنفلت بعيدا عن دوائر الرصد والتخفي .

 

المراجع :

 

جان كلود فيلو : اللاشعور : بحث في خفايا النفس الإنسانية ، تعريب علي وطفة ، دار معد ، دمشق ، 1996 . 

كريستفرايد توغل : الأحلام : وقائع وتفسير ونظريات ، تعريب سامر جميل رضوان ، أرواد ، طرطوس ، 1994.

إريك فروم : اللغة المنسية : دراسة ممهدة لفهم الأحلام والحكايات العجيبة والأساطير ، تعريب محمود منقذ الهاشمي ، اتحاد الكتاب العرب ، دمشق ، 1991.

إريك فروم : الحكايات والأساطير والأحلام ، تعريب صلاح حاتم ، دار الحوار اللاذقية ، 1990 .

عبد الكريم اليافي ، فصول في المجتمع والنفس ، جامعة دمشق ، دمشق , 1974.


Lange.439

المقالة التاسعة

 

إبيستيمولوجيا* اللغة :

أو نحو منهجية علمية نقدية لعقلنة

المفهوم في الفكر العربي المعاصر .

 

تشكل المفاهيم Concepts  جوهر المعرفة الإنسانية ومنطلقها، ويشكل تطورها حجر الزاوية في عملية بناء العقل  وتطور العلوم الإنسانية . لقد تطورت العلوم بصورة عامة على أساس من تطور مفاهيمها وتنامي مستوى الدقة في تحديد مصطلحاتها العلمية. فالمفاهيم هي أدوات الإنسان في التصور ، وفي إدراك الوجود على نحو تجريدي وهي التي تتيح له  أن يختزل العالم على نحو رمزي ، وأن يوظف هذه الرموز في اكتشاف قانونية الوجود المادي للحياة بمختلف تجلياتها[1] .

وإذا كانت غاية المعرفة الإنسانية هي الارتقاء إلى مرتبة العلم ، فإنها لن تبلغ غايتها هذه في أن تصبح علما إلا إذا استطاعت أن تصل بمفاهيمها إلى درجة عالية من الدقة والوضوح ، وإلى مستوى الاصطلاح العلمي الذي يمنحها هوية معرفية قابلة للتطور في أشكال متنوعة من الصيغ العلمية .

يُعرّف المصطلح بأنه " تمثل رمزي يوظف في عملية الفكر المجرد وله دلالة عامة تصدق على مجموع تمثلاته المحسوسة من حيث ما هو مشترك منها ( مفهوم الشجرة مثلا تشترك فيه جميع الأشجار ) ، ومن أهم المصطلحات التي ترادف مصطلح مفهوم يمكن الإشارة إلى الفكرة المجردة abstraite Idée هذا وغالبا ما يشير المفهوم في البحوث التجريبية إلى صنف أشياء معينة تمتلك خصائص كيفية مشتركة ( شكل ، لون،طول،..الخ) أو خصائص وظيفية محددة "[2]. ويعرف معجم العلوم الاجتماعية كلمة مفهوم بأنه : ماهية مجردة عن مادة مشخصة وعن الأعراض اللازمة لها كالمقدار واللون والصوت والرائحة  والطعم والحرارة والبرودة [3]. وهذا يعني أن المصطلح هو معرفة لا تدرك من خلال الحس وإنما تأتي نتيجة لأعمال الفكر من تجريد وتعميم ، وهذا يتضمن أن المفهوم فكرة عامة أو معنى عام يحملهما لفظ أو رمز أو إشارة . ويأخذ المفهوم بمعناه الفلسفي هيئة تصورات ذهنية عامة ومجردة قوامها الجوانب الأساسية للموضوع الذي يغطيه المفهوم[4]. 

لقد بلغت العلوم الدقيقة ما بلغته  اليوم بفضل التطور الكبير الذي شهدته مفاهيمها في مستوى الدقة والوضوح . وعلى هذا الأساس تقاس درجة تطور العلوم بالمستوى الذي تطورت فيه مفاهيمها ورموزها ومصطلحاتها . وتشهد بعض العلوم ولا سيما الاجتماعية منها خطر الفناء لأنها لم تستطع أن ترتقي بمستوى مفاهيمها ورموزها إلى درجة عالية من الوضوح والتماسك والدقة .

لقد سجلت إشكالية المفهوم حضورها في مختلف مراحل تاريخ المعرفة الإنسانية وما زالت حتى اليوم تطرح نفسها بقوة في أغلب مجالات المعرفة الإنسانية ولا سيما النامية منها . وتتمثل هذه الإشكالية في درجة الغموض والضبابية التي تلف مضامين هذه المفاهيم وفي مدى تجانس هذه الدلالة التي توحي بها لمستهلكيها ومنتجيها . وقد شكلت هذه القضية هاجس العلماء والمفكرين ومنتجي المعرفة في مراحل تطور العلوم الإنسانية المختلفة ،فوظفوا جلّ طاقاتهم لتنقية هذه المفاهيم والخروج بها من متاهات الغموض إلى دوائر الوضوح والتماسك . وقد شكلت الجهود العلمية التي بذلت لصقل   المفاهيم العلمية وتأصيلها عملا معرفيا يقع في صلب العملية المعرفية . وتكفي اليوم نظرة خاطفة في تاريخ تطور المعرفة الإنسانية ليتبين لنا إلى أي حدّ كانت هذه الجهود تشكل منطلقا للمعرفة والمعرفة العلمية على نحو خاص .

فالثورة المعرفية التي خاض غمارها الفيلسوف اليوناني سقراط تتمثل في ثورة المفهوم لقد شكلت عملية بناء المفاهيم عمق الانطلاقة الفلسفية الكبرى التي أشعل فتائلها فلاسفة اليونان القديمة بدءا من سقراط ومرورا بأفلاطون انتهاء بأرسطو. لقد صبت جهود سقراط في مجال بناء المفهوم الفلسفي وتحريره من أثقال التداخل والتشابك والغموض . لقد عمل سقراط على بناء منظومة من المفاهيم الفلسفية الواضحة والمتماسكة التي شكلت أحجار البناء الفلسفي في عهده وفي المراحل اللاحقة تاريخيا . وكان سقراط في ثورته هذه يعلن حربه الشاملة ضد الفلاسفة السفسطائيين الذين رفعوا من مبدأ غموض المفهوم واتساع دلالته ونسبيته شعارا لفلسفتهم. كان السفسطائيون يعتمدون في نشاطهم الفكري ولا سيما السياسي منه على غموض المفهوم واتساع دلالته لإثبات الحقيقة ونفيها في آن واحد . وأدى غموض المفهوم والمراوغة في استخدامه في عهدهم إلى عدمية معرفية شاملة تمثلت في نسبية جوفاء للمعرفة وفي دلالات سيكولوجية عرجاء بالغة التنوع والخصوصية في آن واحد . وتتمثل هذه النسبية السيكولوجية في شعارهم المشهور : الإنسان مقياس الأشياء[5] . ثم جاء سقراط ، ليرسم خطا جديدا للمعرفة ، ولينسف الأسس الباطلة التي اعتمدها السفسطائيون في جدلهم وبنائهم المعرفي . وبعبارة أدق جاء سقراط وتلامذته من بعده ليحطموا أغلال العقل وأصنامه من خلال إيجاد أحجار المعرفة الإنسانية وهي المفاهيم التي صقلت وتماسكت بدقة متناهية. ومن ثم جاء أفلاطون بجدله المعروف ، وأرسطو[6] بمنطقه المشهور ليشيدا صرح المعرفة الإنسانية الأولى وليجعلا من أثينا موطن المعرفة الإنسانية وقبلتها .

وإذا كانت العلوم الدقيقة اليوم قد قطعت أشواطا واسعة في بناء مفاهيمها الواضحة والمتماسكة فإن العلوم الإنسانية ( الاجتماع والتربية وعلم النفس والانتروبولوجيا والتاريخ …الخ ) ما زالت تواجه تحديات خطيرة في مجال بناء مفاهيمها الواضحة والمتماسكة ، حيث تنفلت كثير من مفاهيمها اليوم من عقال الموضوعية وتتجاوز حدود الأسس المنهجية فتأتي مشبعة بالغموض ، ومشحونة بطاقة إيحائية متنوعة تنتفي معها إمكانية البناء المعرفي المتكامل . وما زالت العلوم الاجتماعية حتى اليوم تشهد تراجعا كبيرا في هذا المستوى حيث بدأت مسألة المفهوم الواضح تقض مضاجع المفكرين في هذه الميادين المعرفية .

تمثل معاناة المفهوم في صيغ عديدة وفي أشكال متنوعة يمكن أن نبرز في مسارها اتجاهين :  تعدد الدلالة في المفهوم الواحد (تعدد الموضوعات التي يشير إليها المفهوم الواحد ) من جهة، أو تعدد المفهومات التي تشير إلى قضية واحدة ( مفاهيم عديدة تشير إلى موضوع واحد) من جهة ثانية . ويترتب على هذين البعدين تنامي الغموض والضبابية في بنية المفهوم ويؤدي هذا بدوره إلى خلل في البناء المعرفي ولا سيما في مستوياته السيكولوجية وفي دلالاته المعرفية ، ويدفع المعرفة إلى حالة من الفوضى واللاأدرية وهي أخطر ما يواجه تطور المعرفة ونموها .

وفي مواجهة هذه التحديات التي تواجه المفهوم ظهرت اليوم محاولات إبيستيمولوجية تسعى إلى تحديد منظومة من القواعد والأسس العلمية التي تتيح الوصول إلى مفاهيم موضوعية تتجاوز أوجه ضعفها وقصورها . وتمثل هذه التصورات الإبيستيمولوجية في نظام معرفي يتكون من منظومة من القواعد والإجراءات  التي تتيح للمفاهيم تجاوز الخلل والقصور الذي يرتهن بوضعية الغموض وتعدد الدلالات . ويمكن لهذا النظام المعرفي الجديد أن يمنع من وقوع التداخل بين المفاهيم ويستطيع أن يبلور وجودها في دلالات علمية واضحة خالية من أثقال الغموض الذي ينخر وجودها .

لقد استطاعت مفاهيم اللغة الدارجة اليومية ، التي تعاني من أمراض المفاهيم ولا سيما التداخل والغموض ، أن تتوغل وتأخذ مكانها في نسيج مفاهيم  العلوم الاجتماعية. وهذا بدوره أضعف ويضعف البنية العلمية لهذه الحقول المعرفية . وبالتالي فإن الانتقال بهذه المفاهيم التي توغلت من حالتها الهلامية إلى وضعية التماسك والوضوح وإلى مقام المفاهيم العلمية المتكاملة يشكل  اليوم المجال الحيوي لفعالية الإبيستيمولوجية اللغوية المعاصرة . وبعبارة أخرى يمكن القول أن مهمة الأبيستيمولوجيا العلمية اللغوية تكون في تحرير مفاهيم المعرفة والمعرفة العلمية من أثقال الغموض والفوضى والانتقال بها إلى حالة من القدرة على دفع المعرفة العلمية نحو مراميها البعيدة .

إن العمل العلمي الذي تؤديه الإبيستيمولوجيا اللغوية ، أشبه ما يكون بعمل البناء الذي يأخذ الأحجار غير المتعينة في هيئة أو في صورة ، فيصقلها ويهذبها ويعطيها صورة واضحة وهوية مميزة،  تناسب المكان الذي يخصص لها في المنظومة البنائية المرغوبة. ويمكن لها في هذا النسق أن تأخذ الأحجار التي وضعت في غير مكانها لتعيدها أو لتجد لها المكان الذي يناسبها في المنظومات البنائية الفكرية القائمة . إنها في نهاية الأمر رؤية نقدية نشطة للنظام المعرفي القائم ومحاولة جادة لإعطاء هذا النظام صورته الحقيقية أو هذه التي يجب أن يكون عليها.

تقوم إبيستيمولوجيا على منظومة من الأسس المنهجية البنائية المتكاملة التي تشكلت في مسار التطور التاريخي والمنهجي لأصول بناء المفهوم العلمي وتشكله . ومن أهم الأسس التي تقوم عليها إبيستيمولوجيا المفهوم يمكن الإشارة إلى أهمها  :

              ¨تحرير المفهوم من مخاطر الترادف ويقتضي هذا العمل في الفصل بين الكلمات المتقاربة في المعنى والشكل وإعطاء الكلمة الواحدة معنى واحد لا تشترك فيع مع الحدود الأخرى . ومن أشكال هذا الترادف يمكن الإشارة إلى مفهوم المعلم -  الشخص الذي يقوم بنقل المعلومات إلى الأطفال في المدرسة - الذي تصاحبه مجموعة من المفاهيم المرادفة له مثل : معلم ، أستاذ، مربي ،مدرس ،موجه . وهنا يترتب على سبيل على المعنيين بأمر المفهوم إيجاد كلمة واحدة للدلالة على مهنة الشخص الذي  ينقل المعرفة إلى الآخرين  في كل مستوى من المستويات . لقد جرت عادة بعض المختصين أن يطلقوا لفظة معلم على الشخص الذي يعلم في المرحلة الابتدائية ، ومدرس على الشخص الذي يعلم في المرحلة الثانوية ، وأستاذ على هذا الذي يمارس دورا علميا في الجامعة . ولكن هذه التحديدات بقيت خارج دائرة التحديد العلمي الدقيق الذي تتبناه المؤسسات العلمية.

ومن الأمثلة الممكنة يمكن الإشارة إلى مفهوم الهدف [7] Objectif الذي يتداخل مع مرادفات كثيرة مثل الغاية والقصد والمبدأ وغيرها من المفاهيم التي تضعف فعالية توظيف هذا المفهوم في مجال العلوم الإنسانية بصورة عامة . والقضية هنا هو كيف نميز أو نكتشف الحدود الفاصلة بين الهدف والمفاهيم المقاربة له ؟

              ¨تحقيق التطابق بين المفهوم والمجال الذي يغطيه : وهذا يعني بصورة ما عقلنة  والموضوعات التي يعالجها العلم فلكل مادة أو موضوع كلمة واحدة أو مفهوم واحد يشير إليها  تغطي كلمة مربي على سبيل المثال حقلا واسعا فهي تشمل المعلم والمدرس والأب والأم والمربية في المنزل وكل من يمارس دورا تربويا مهما كانت درجته وأهميته . وهنا يترتب على المعنيين معالجة هذه الكلمة وتحديد المجال الذي تغطيه بصورة دقيقة وواضحة .

              ¨استبعاد مخاطر تعدد المعاني في الكلمة الواحدة ، إذ يمكن للمفهوم الواحد ( كما هو الحال في اللغة الدارجة ) أن ينطوي على عدد كبير من المعاني . فكلمة تعليم على سبيل المثال قد تنطوي على معاني متعددة ومختلفة في آن واحد ، فهي تشير إلى عملية نقل المعرفة كما تشير إلى النظام التعليمي كأن نقول التعليم في فرنسا والتعليم في سوريا أو في الخليج ، فنحن هنا نشير إلى النظام المدرسي والتعليمي في هذه البلدان ولا نشير  بالطبع إلى العملية التعليمية أي عملية نقل المعرفة من المعلم إلى التلميذ أو من شخص إلى آخر . ولكي نخرج هنا من هذه الإشكالية  يترتب علينا أن نجد كلمة أخرى تشير إلى النظام التعليم كأن يشار إلى النظام التعليمي بالنظام المدرسي على سبيل المثال وليس الحصر . وليس المهم في هذا السياق أن نختار هذه الكلمة أو تلك بل المهم هو أن نجد كلمة تنطوي على دلالة محددة هي في هذه الحالة النظام المدرسي.

              ¨ ومن أبرز التحديات التي تنهض أمام النشاط الإبيستيمولوجي في هذا المجال هو تنوع استخدام المفهوم الواحد بتنوع المجالات العلمية والمعرفية المختلفة . فكلمة ثقافة في الأنتروبولوجيا الثقافية توظف بطريقة مختلفة عنها في علم الاجتماع أو في مجال العلوم السياسية والأمثلة أكثر من أن تحصى في هذا المجال . وهنا يترتب على إبيستيمولوجيا اللغة أن تجد الطريق إلى بناء نوع من التنظيم بين الفروع العلمية في مجال استخدام المفاهيم . ومع أن هذه المهمة تفوق حدود الإمكانيات فإن يمكن لإبيستيمولوجيا اللغة أن ترسم جغرافيا واضحة تتضح فيها حدود التباين في استخدام المفهوم الواحد بين مختلف المجالات العلمية والمعرفية القائمة .

              ¨وتعترض إبيستيمولوجيا اللغة أيضا مسألة التباين في استخدام المفهوم بين الثقافات والبلدان المختلفة إذ يجري في عدد كبير من الحالات أن يتنوع مدلول استخدام  الكلمة الواحدة بتنوع  الثقافات ويمكن الإشارة في هذا الصدد إلى التباين في استخدام مفهوم الثقافة بين الإنكليز والألمان والفرنسيين على سبيل المثال . وتبدو هذا التباين في مستوى الترجمات المختلفة للكلمة الواحدة ، ومثال ذلك ترجمة كتاب الثقافة البدائية Primitive Culture  من الإنكليزية إلى الفرنسية بعنوان الحضاره البدائية Cilivisation  Primitive. وإذا كان الفرنسيون والإنكليز على سبيل المثال يميزون بين مفهومي الثقافة والحضارة فإن الألمان غالبا ما يطلقون لفظة حضارة على مدلول كلمة الثقافة دون التمييز بين عقدة المفهومين : الثقافة والحضارة [8].  فالفرنسيون يميزون بين المفهومين في مستوى الدرجة فالحضارة بالنسبة لهم ا تشير إلى درجة تطور ثقافي متقدم، فالحضارة هي الثقافة حينما تصل هذه إلى درجة عليا من التطور. وبعبارة أخرى  الثقافة هي الجانب الروحي في حياة الإنسان كالأفكار والدين والفن والآداب ، بينما تعني الحضارة الجانب المادي والتي يشار إليها من خل المنجزات المادية للإنسان ،كالتكنولوجيا والعلم والمنشآت المادية [9] . وإزاء هذه الإشكالية يترتب أيضا على ابيستيمولوجيا اللغة العلمية أن تأخذ الاحتياطات اللازمة لتغطية هذا التحدي ولا سيما وأن العلوم تشهد تلاحما بعيد المدى .

المنهجية الإبيستيمولجية لاختبار المفهوم العلمي وبنائه :

تشكل المفاهيم المعرفية والعلمية المجال العلمي الذي يباشره المنهج الإبيستيمولوجي بالفحص النقدي الشامل يتميز بالدقة والمرونة والذكاء . ويسعى هذا المنهج إلى تحليل المنطق الداخلي للمفاهيم ، وإلى تحليل شبكة العلاقات الخارجية ، والدلالات التي ينطوي عليها . وهناك مجموعة من الأبعاد التي ينطلق منها هذا المنهج وأهمها :

البعد التاريخي والجغرافي للمفهوم : يشكل إعادة بناء الصورة التاريخية للمفهوم المنطلق الأول في التحليل الإبيستيمولوجي . وهنا يترتب على الباحث أن يحدد المصادر الأولى التاريخية للمفهوم وأن يحدد اللحظة التاريخية الأولى التي ظهر فيه المفهوم  والدلالة التي كان ينطوي عليها . ومن ثم يتوجب على الباحث أن يحد في مجال التقصي تجليات المفهوم وتوظيفاته في مناطق جغرافية مختلفة من العالم . وفيما بعد يترتب تحديد أهم المنعطفات الأساسية لتطور دلالة هذا المفهوم تاريخيا والتحولات التي عرضت له في مجرى تطوره التاريخي . عندما يحاول الباحثون على سبيل المثال تحديد مفهوم الثقافة وهو المفهوم الذي غالبا ما يثير الجدل يترتب عليهم أن يعودوا إلى تاريخ ظهور المفهوم وتحديد دلالته الأولى. لقد ظهرت لفظه ثقافة  Culture على سبيل المثال  في اللغة الفرنسية في القرن الثاني عشر ، للدلالة على فعل العبادة ، وبدأت تشير إلى فعل حراثة الأرض وزراعتها في القرن السادس عشر[10]. ولكن هذه الكلمة بدأت تأخذ أبعادا اجتماعية ، وتكتسب مضامين ثقافية ، منذ بداية القرن الثامن عشر[11].

ويمكن استحضار مثال آخر يتعلق بالحضارة Civlisation لقد ظهرت كلمة حضارة Cilivisation  في القرن الثامن عشر كمفهوم للمقابلة بين الرجل المتحضر والرجل البربري ، وكان هذا المفهوم يغطي دلالة التقدم المادي الواسع الذي حققته بلدان أوروبة الغربية[12]. وفي هذا الخصوص يقول جان كازنوف Jean Cazaneuve "إن مفهوم الحضارة قد استخدم في البداية من اجل التمييز بين الشعوب المتحضرة والشعوب المتخلفة، وكانت هذه الكلمة تعبر عن انتماء هؤلاء الذين يستخدمونها في العهد الكولونيالي تأكيدا لسيادة الثقافة الأوروبية المطلقة [13].

الفصل بين المفاهيم المتقاربة : كما سبق لنا أن نوهنا سابقا ، غالبا ما يوجد المفهوم في نسق مجموعة من المفاهيم المتقاربة التي تنتمي ربما إلى عائلة واحدة والتي تحمل على الأغلب دلالة واحدة . ويبدو ذلك التداخل بين مفهومي الثقافة والحضارة جليا عند تايلور ، الذي يعد مرجعا أساسيا في انتربولوجيا الثقافة ، حيث يستخدم تايلور المفهومين بمعنى واحد ويبدو ذلك في تعريفه الذي يقول فيه " إن كلمة ثقافة أو حضارة ، بمعناها الأنتربولوجي ، تشير إلى كل معقد يشتمل على العلوم والفنون والعقائد والأخلاق والقوانين والعادات وكل ما يكتسبه الإنسان بوصفه عضوا في الجماعة [14].

الخروج من دائرة التنوع : يتنوع استخدام المفهوم الواحد بتنوع الباحثين والفروع العلمية ، وعلى البحث الإبيستيمولوجي النقدي أن يسجل هذه المفارقات ليوحد بين معطياتها في نهاية الأمر . ومن أجل توضيح هذه القضية يمكن العودة إلى مفهوم الثقافة من جديد . لقد وقع كلكهون Kluckhon  على مائة وستين تعريفا للثقافة وذلك منذ خمس وعشرون عاما.ولقد شكلت نماذج التعريفات الشمولية الواسعة لمفهوم الثقافة ينبوعا للتعاريف التي تميل إلى الدقة والتخصص وتنزع إلى التركيز على جوانب بنائية أو وظيفية أو نفسية في مفهوم الثقافة الواسع . ويدعو هذا التعدد الكبير في تعاريف الثقافة لإلى بناء موقف إبيستيمولوجي يوضح كيفية التعامل مع هذا المفهوم أو كيفية الوصول إلى اصطلاح يتجاوز من خلاله التناقضات التي تحيق به من كل حدب وصوب . 

تحليل نسق العلاقات الداخلية للمفهوم : يسعى البحث الإبيستيمولوجي إلى تحليل المفهوم إلى عناصره الأساسية التي تشكل منطقه الداخلي ومن ثم تحديد العلاقات القائمة بين جوانب هذه العناصر والمكونات الأساسية التي تشكل منطلق هويته . فالمفهوم يتكون من وحدات لغوية متمايزة تتوافق مع الجوانب التي يغطيها المفهوم في الوقع . فالوحدات اللغوية التي تتحدد في هذا السياق تتحدد على أساس الوحدات أو الجوانب التي يشير إليها المفهوم في نسق الواقع . فعندما نقول كتاب فإن الكتاب يشتمل على عناصر متعددة وأساسية فالكتاب يتكون من فصول وعنوان وخاتمة ومقدمة وفهرست ومؤلف وهذه العناصر تشكل عناصر أساسية في المفهوم فعندما نقول كتاب فإن مفهوم الكتاب يتكون أيضا من العناصر التي سبقت الإشارة إليها فالمدلول هنا ينعكس في الدال بمعنى أن عناصر الموضوع الذي يتكون منها تشكل جزءا لا يتجزأ من بنية المفهوم عينه . فمفردات اللغة الطبيعية ( التي لم توظف بصيغة علمية محددة ) إشارات اعتباطية وهذا يعني غياب الرابطة الواضحة التي تربط بين الكلمة والواقع بين الكلمة والموضوع الذي ترمز إليه ، وبالتالي فإن تحديد هذه الروابط بصيغة اصطلاحية علمية يجعل من الكلمات والمفاهيم منضوية على أسس علمية .

ينطوي مفهوم العائلة كما تنطوي العائلة عينها على عناصر تتوافق في صيغة الدال (المفهوم ) كما في صيغة المدلول ( العائلة المجسدة ) أو بين الرمز اللغوي والمرموز إليه . فالعائلة تشكيل من عناصر أساسية هي : الأب والأم والأطفال والمنزل . فالعائلة كمفهوم أو رمز يجب أن تشير إلى هذه العناصر أو أن ترمز إليها . وهذا التحليل ينسحب على مفاهيم : الذاكرة واللغة والنشاطات العقلية وغيرها من المفاهيم الموظفة في الحقل الرمزي للإنسان .

إن عملية الخروج من حالة الاعتباط اللغوي إلى حالة التنظيم الرمزي مرهونة بعملية تحديد مكونات المفهوم الاجتماعية وليس اللفظية ، وبالتالي فإن تحديد الوحدات الأساسية للمفهوم عملية تتم وفقا لمعطيات المجال العياني الذي يغطيه المفهوم . ويتأرجح فعالية التحدي في مدى عمقها وفقا للتخصصات العلمية السائدة أو التي تتناول المفهوم. فعلى سبيل المثال تنطوي مفاهيم علم النفس على تحليل أكثر عمقا لمفاهيم اختصاصيه مثل مفاهيم : العمليات العقلية ، والذكاء ، والإدراك ، والذات ، والهوية ، والأمراض النفسية ، وغيرها من المفاهيم ذات الطابع السيكولوجي . وعلى خلاف ذلك يركز علم الاجتماع على مضامين بعض المفاهيم الخاصة مثل : العائلة ، والدولة ، والأسرة ، والتفاعل الاجتماعي ، والعلاقات الاجتماعية .

هذا وعندما يتم تحليل المفهوم إلى وحداته الأساسية فإن ذلك يتم من خلال العودة إلى أدبيات المفهوم خلال المراحل التاريخية المنصرمة وذلك من أجل تحليل مستوى العمومية والدقة التي يتسم بها . لنأخذ على سبيل المثال ينطوي مفهوم المركز المهني الاجتماعي Statut socio-professionnel  على عناصر تكوينية أساسية أهمها : المهنة التي يمارسها الشخص ، والموقع الذي تحتله هذه المهنة بالقياس إلى المهن الأخرى ، والدخل المادي للشخص الذي يمارس المهنة ، ومن ثم المستوى الثقافي أو مستوى التحصيل العلمي وهذه هي أهم العناصر التي ينطوي عليها هذا المفهوم . والمدرسة على سبيل المثال أيضا تتكون من عناصر محددة مثل : المعلمون ، والمناهج ، والإدارة ، والتلاميذ، والبناء المدرسي ، والعلاقات السائدة في المدرسة ، ومجلس المعلمين والأولياء والطلاب ، وتلك هي أهم العناصر التي ينطوي عليها مفهوم المدرسة . وكما هو مبين فإن تحديد المفاهيم يتم انطلاقا من الوظيفة الأساسية للعناصر التكوينية المشكلة لها ويمكن أن نسوق عددا أكبر من النماذج التي توضح المسألة بصور أفضل.

فالأصل الاجتماعي L’origine sociale  مصطلح شائع الاستخدام في مجال السياسة والاقتصاد والعلوم الاجتماعية ، ويثير هذا المفهوم جدلا كبيرا يتعلق بشمول دلالته وغموض معانيه . فبعض المفكرين  يستخدمون هذا المفهوم بمعناه المحدود الذي لا يتجاوز حدود الانتماء إلى فئة اجتماعية مهنية محددة مثل فئة الأطر العليا أو فئة العمال الزراعيين أو فئة عما المناجم أو فئة المديرين …الخ ، ولكن بعض المفكرين يوظفون هذا المفهوم في معناه الشامل الذي يرتبط بمنظومة من المعايير الاجتماعية الشاملة التي تتحدد بموقع الفرد من عملية الإنتاج ومستوى وعي الفرد لهذا الموقع داخل منظومة العملية الإنتاجية الشاملة في المجتمع ، وبعبارة أخرى ينطوي هذا المفهوم الشامل على بعد المفهوم الماركسي للانتماء الطبقي . ولذلك يترتب على مستخدمي هذا المفهوم أن يحددوا المقومات والعناصر الداخلية للمفهوم ومنظومة العلاقات التي تربط بين هذه المقومات وذلك من أجل تحرير هذا المفهوم من ثقل التعدد والضبابية التي تتخلل بنيته الداخلية .

لنأخذ الآن مفهوم الثقافة وهو من المفاهيم المركزية في مختلف المجالات العلمية والمعرفية ولنحاول أن ندخل في مضامين هذا المفهوم وفي أنساق مكوناته الداخلية وفقا للصورة العلمية الإبيستيمولوجية . 

بنية الثقافة :يمكن النظر إلى الثقافة بوصفها نظاما من العناصر الثقافية المتكاملة . وفي هذا الصدد يميز سوروكين [15] Sorokin بين ثلاثة مستويات تركيبية في بناء الثقافة وهي:

1-  القيم والمعايير والتصورات الاجتماعية .

2-  الوسائل الفيزيائية التي تجسدها .

              3- الناس الذين ينتجون الثقافة . 

              4- فالسوط هو أداة فيزيائية ووسيلة للاستغلال الطبقي في العصر العبودي وهو يرمز اليوم إلى معنى الذل والعبودية ويشير إلى السلطة.

ويرى جونسون Johnson أن الثقافة تشتمل على جوانب متعددة أهمها :الجوانب المعرفية والعقائد والقيم والرموز وأنماط السلوك [16].

               n الجوانب المعرفية : ويشتمل هذا الجانب على المعارف الموضوعية التي تتعلق بالطبيعة والحياة والمجتمع.

               n  العقائد : وهي أنماط إيمان تتصل بالحياة والكون ويمكن تحديد درجة وموضوعية هذه العقائد أو زيفها لأنها تشكل في اغلب الحالات فرضيات لم تختبر على المستوى العلمي أو فرضيات غير قابلة للاختبار ولكنها تؤثر في الفعل الإنساني وتوجهه.

               n أما القيم والمعايير فهي العناصر الثقافية التي تحدد اتجاهات الجماعة. والقيم هي أحكام رفض أو قبول أو أحكام تتعلق بالخير والشر والجيد والحسن وهي في كل الأحوال تحدد موقف الإنسان من الوسط الذي يعيش فيه ومن الأشياء لتي يشتمل عليها. فالهنود تقدون أن لحم الأبقار محرم أي أنه ذو قيمة سلبية مرفوضة ، بينما تنظر مجتمعات أخرى إلى لحم البقر بوصفه قيمة غذائية واقتصادية . وبالتالي فإن هذه القيم تتجسد في معايير سلوكية تحظى بقبول أفراد الجماعة بعضهم أو جميعهم .

               n   الرموز الثقافية : وتتمثل العلاقات الرمزية القائمة بين أفراد المجتمع وهي علاقات رمزية ذات دلالة اجتماعية . ويرى بعض المفكرين أن الثقافة الإنسانية نظام من الرموز ، حيث تحتل اللغة المكان المحوري في العلاقات الرمزية . واللغة كما يذهب المفكرون هي عنصر الثقافة ومنطلقها، والإنسان هو الذي يستطيع وحده أن يستوعب العالم في إطار رموز ومفاهيم . وإلى جانب اللغة توجد الرمزية الاجتماعية ،التي تتمثل ،على سبيل المثال ، في إشارات المرور. ويبدو أن الحياة الاجتماعية غير ممكنة ، من غير الإطار الرمزي ، حيث تلعب الرموز دور الميزان في تحديد مستوى تطور ثقافة المجتمع ودرجة تقدمها.

               n العادات والتقاليد: وتشتمل على نظام من الأفاعيل الاجتماعية المعتادة والتي يجري أفراد المجتمع على احترامها ،وتشكل نمط السلوك الاجتماعي السائد ، ويتجسد ذلك في عادات الزواج وعادات الطعام والطقوس الاجتماعية المختلفة.

فالثقافة على حد تعبير مالينوفسكي " كل غير قابل للتجزئة يتكامل في عناصره وأنساقه[17] " . وإذا كانت الثقافة تشكل نظاما متكاملا من العناصر الثقافية فان ذلك لا ينفي وجود بعض التناقضات  الداخلية التي توجد بين عناصرها وسماتها المختلفة. وهي ككل نظام تشتمل على مبدأ الوحدة والتناقض . فالتكامل ضروري من اجل استمرار الثقافة ولكن التناقض ضروري من اجل تطورها وتكاملها أيضا .

فالمنهج الإبيستيمولوجي اللغوي كما يتبين هو محاولة نقدية لصقل المفاهيم وإعادة بنائها وفقا لمعطيات الواقع الذي تغطيه ووفقا للمكونات الأساسية للقضايا التي ترمز إليها . فالمفهوم يرتبط بشروط وجوده الموضوعية وبالتالي فإن عقلنة المفهوم تحتاج إلى إعادة بنائه وفقا لمنطق الواقع لخارجي الذي يعبر عنه ووفقا لمنطق العلاقات الداخلية التي تنهض داخل المفهوم ذاته إن النقطة المحورية في منهجية النشاط الإبيستيمولوجي في مجال اللغة هو بناء المفاهيم الجديدة ومن ثم إعادة بناء المفاهيم الدارجة وفق أسس علمية واضحة ويضاف إلى ذلك أن هذا النشاط يعبر عن إمكانية واضحة في تحرير المفهوم من غموضه وعيوبه التي تتمثل في تعدد المعني والدلالات وفي الترادف والتجانس والتداخل وبعبارة أخرى أن المهمة الأساسية لأبيستيمولوجيا اللغة تكون في الانتقال بالمفهوم من اللغة الدارجة أو الخام إلى مستوى اللغة العلمية المتماسكة .  

إن المنطق الأساسي لعلمنة المفاهيم يقوم على منهجية قوامها عدد متكامل من المعايير والمبادئ العلمية التي تتيح لنا الخروج من إشكاليات الغموض التي تلف المفاهيم المعنية .

ويتمثل هذا في تجنب إكراهات الترادف ، والابتعاد تعدد الدلالة للمفهوم الواحد ومن ثم تحديد العناصر الأساسية المكونة للمفهوم ونسق العلاقات الذي يربط بين هذه المكونات وأخيرا تحديد الأبعاد التاريخية والجغرافية والثقافية للمفهوم ونسق الترابط بينه وبين المفاهيم التي تجاوره في الشكل والمعنى .


 

ملامح من إشكالية المفهوم في الخطاب العربي المعاصر:

 

يتمثل الخطاب العربي المعاصر في منظومة المقولات التي أنتجها وينتجها العقل العربي في مجال : الثقافة ، والتربية، والسياسة ، والاجتماع،  والعلوم والفروع العلمية الأخرى. ونحن هنا ، في سياق بحثنا الإبيستيمولوجي النقدي حول المفهوم العربي ، لا ندعي أننا نتناول عمق هذا الفكر ، بل نناقش ظلال قضية المفهوم في هذا الخطاب دون التركيز على جانب من جوانبه المختلفة . ولا ندعي في هذا الخصوص أننا  ندرس هذه المسألة في عمقها  العلمي أو أننا نعمم رأينا وملاحظاتنا على مختلف جوانب الفكر العربي المعاصر . فدراسة هذه القضية ، في جانب واحد من جوانب هذا الخطاب ، تحتاج إلى جهود كبيرة تتعالى فوق إمكانيات الباحث الواحد ، وحسبنا أن نلامس هذه القضية في بعض ظلالها أو أن نطرحها للبحث والمناقشة ، وأن نلفت الانتباه إلى منعطفات ما يجري في الجانب ربما الهامشي في هذا المجال.

ويجب أن ننوه بأن إشكالية المفهوم ليست خصوصية يتفرد بها الفكر العربي بل هي إشكالية تاريخية تنال من الفكر الإنساني في مختلف مواطنه واتجاهاته وتجلياته . ولكن وفي هذا السياق يمكن القول ، على سبيل الافتراض ، أن  هذه الإشكالية قلما طرحت بصورة علمية جادة في مجال الثقافة العربية أو الفكر العربي المعاصر . ومن هذا المنطلق يترتب على الباحثين أن يعالجوا هذه القضية اليوم بدرجة عالية من المسؤولية التاريخية ، وأن يحددوا مواطن القصور في بنية المفهوم العربي واتجاهات نموه وتطوره .

لقد بينا أن المفاهيم هي أحجار المعرفة الإنسانية وأن تماسك البناء المعرفي مرهون إلى حد كبير بمدى تماسك أحجاره ، ومدى ما صقلت عليه هذه الأحجار من دقة وهندسة وصلابة ، ومدى الدقة في وضع المفاهيم المناسبة في الأماكن المناسبة من في جدران البناء المعرفي.

ومن ينظر في الأدبيات العربية في بعض  الميادين يلاحظ غياب الحد الأدنى المنهجي في توظيف المفاهيم والمفردات . ويضاف إلى ذلك أن بعض الكتاب العرب يتفننون في إبداع المفاهيم الجديدة ويبالغون في إيجاد الكلمات الرنانة لقناعة منهم بأن الكتابة الجيدة والمتفردة هي هذه التي تنفرد بقدرتها على تقديم الجديد من الألفاظ ، والمفاهيم الغريبة التي تتحدى إمكانيات القارئ في الفهم . وشاع أيضا عند بعض الكتاب أيضا استخدام المفاهيم الأجنبية بألفاظها وذلك اعتقادا منهم بأن ذلك يجلب لهم الحظوة ويعطي لأعمالهم أهمية خاصة وقيمة متفردة . وليس غريبا اليوم أن تقرأ بعض المقالات وأن تخرج خالي الوفاض من أية فكرة أو معلومة حقيقية .

وقبل أن نبدأ بتحديد معالم هذه الإشكالية كما تتعين في في هذا الخطاب،  لنبدأ ونستعرض مثالا معبرا عن حدود إشكالية المفهوم في الأدب العربي . أحد الكتاب  عنون قصيدة له  نشرت في مجلة العربي حديثا بعنوان نوستالجيا[18]، وقد شرح هذه الكلمة في هامش الصفحة قائلا بأن : كلمة نوستالجيا تعني الحنين إلى الوطن ، ولم يذكر الشاعر بأن هذه الكلمة كلمة أجنبية لا علاقة لها باللغة العربية . وبالنتيجة فإن من لا يجيد اللغة الإنكليزية أو الفرنسية سيعتقد بأن كلمة نوستالجيا هي كلمة عربية تعني الحنين إلى الوطن وأن الشاعر ما كان ليستخدمها لو لم تكن كذلك ! إذا كانت كلمة نوستالجيا تعني الحنين إلى الوطن ألا توجد كلمة في العربية للتعبير عن الحنين إلى الوطن سوى كلمة نوستالجيا  Nostalgie الفرنسية أو الإنكليزية ؟ لماذا لا يعنون  الشاعر قصيدته بعنوان : الحنين إلى الوطن مباشرة أليس هذا العنوان جميلا ؟ ولماذا لا يقول لنا الشاعر على الأقل بأن الكلمة أجنبية لكي لا يقع القارئ العربي في مطب خداع  الكلمات والمفاهيم ؟ وإذا كانت اللغة العربية مكرهة في بعض المواقف على تعريب بعض الكلمات الأجنبية التي لا يوجد لها مقابل باللغة العربية فهل أصبحت اللغة العربية قاصرة شعرا أو أدبا في إيجاد مفرداتها وألفاظها ؟ ما سقناه هو تعبير شامل عن الإشكالية الإبيستيمولوجية للمفهوم العربي ليس في مفهوم العلم فحسب بل في مفهوم الأدب أيضا. وهذا المثال فيض من غيض ولا نريد أن نثقل على القارئ الذي يدرك أبعاد هذه القضية إلى حد بعيد .

ويمكن أيضا أن نسرد عددا كبيرا من المغالطات اللغوية التي تنعكس بصورة سلبية ربما على الباحث وتضعه في دائرة المعاناة وذلك لمجرد أن الكاتب يريد أن يلهو أو أن يستثير القارئ بألفاظ قد نالت إعجابه ولأنها قد تنال رضا القارئ . فالفرق بين مفهوم الأهداف التربوية والأهداف التعليمية على سبيل المثال قد لا يبدو كبيرا من الناحية اللغوية الصرفة ولكن شتان بين المفهومين في لغة التخصص التربوي .

إن استخدام المفاهيم بصورة تتنافى مع الدقة العلمية يؤدي إلى إشكاليات منهجية ، وأحيانا يولد نوعا من المعاناة التي تثقل على المفكرين والباحثين ، والأمثلة  في هذا الصدد أكثر من أن تحصى وتعد ، فكم من مرة يشتري الباحث كتابا تألق عنوانه في موضوع معين ويفاجأ بأن العنوان لا صلة له بالموضوع المعني . ولن أترك هنا المجال للتخمين بل سأسوق حادثة معاناة من هذا النوع بتفاصيل محددة ومسندة .

لقد شكل موضوع الأهداف التربوية واحدا من الموضوعات المركزية لاهمام أحد الباحثين ، وفي إحدى الأيام  ، وعندما كان يبحث  في أدراج مكتبة الجامعة حول مراجع  تتناول الموضوع المعني ، سرّ جدا لأنه وجد كتابا يحمل عنوان الأهداف التربوية ، وعندما طلب الباحث من موظفي المكتبة البحث عن الكتاب وإحضاره طلب منه شخصيا أن يقوم بذلك . وبدأت رحلة البحث في أكداس مكدسة من الأدراج والرفوف ، وفي أطنان من الكتب في داخل المكتبة ، وبعد لأي وعناء ،وساعات من البحث بين الرفوف،  استطاع الباحث أن يجد الكتاب المطلوب بصعوبة كبيرة. كان الكتاب صغيرا جدا ، وهو لصغر حجمه لا يحمل تعريفا له أو عنوانا في قاعدته الخلفية ، وهذا هو الأمر الذي جعل عملية البحث شاقة . ولكم كانت خيبة الأمل كبيرة عندما تبين الباحث بعد النظر في  محتويات الكتاب ومضامينه ، أن الكتاب لا يبحث في الأهداف التربوية بل في الأهداف التعليمية . كان الكتاب مترجما عن الإنكليزية وهو لمؤلفه روبرت .ف ميكر Robert  F.Mager  وعنوانه في اللغة الأصلية هو Preparing Instructional Objective  والعنوان يشير هنا إلى معنى إعداد الأهداف التعليمية وليس الأهداف التربوية ، وشتان بين العنوانين[19] .

لقد أدى تحوير العنوان في سياق الترجمة إلى معاناة حقيقية للباحث وإلى إفقاد الكتاب معناه ودلالته . فمن يبحث في الأهداف التعليمية لن يبحث في هذا الكتاب ، ومن يبحث في الأهداف التربوية يسعى إليه ويصل إلى خيبة الأمل الكبيرة . وهذا يعني أنه لمن الأهمية بمكان على الباحث والمؤلف أن يستخدم المفهوم بصورة علمية وموضوعية لكي لا يمارس العمل دور التضليل بدلا من دور المرشد والمعين.

ولا بد من الإشارة في هذا السياق إلى غياب القواميس العربية الحديثة ، وهي إن وجدت فهي لا تقوم على أسس منهجية . فمن المعروف في هذا المجال أن بناء القواميس هذه حتى المحدودة منها ما زالت في البلدان العربية تمثل جهودا فردية يقوم منهجها على أساس الجمع واستخلاص ما هو موجود في المعاجم والقواميس الأجنبية على نحو خاص . علما بأن بناء القاموس يحتاج عادة إلى جهود مؤسسات علمية كبيرة وإلى منهجية في البناء العلمي للمفهوم شبيهة إلى حد كبير بالموقف الإبيستيمولوجي الذي يشكل موضوع مقالتنا هذه .

إن إحدى المفارقات الكبيرة التي يجدها المرء من الناحية العلمية بين  بلداننا وبلدان العالم المتقدم علميا غزارة القواميس التي يجدها المرء هناك وندرتها في بلداننا . ففي البلدان الغربية نجد عددا كبيرا من القواميس والمعاجم المتخصصة في كل ميدان وفي كل حقل من الحقول . وعلى خلاف ذلك توجد قواميسنا في حالة ندرة . ويترتب على هذا الموقف ما يلاحظه المراقب الجيد أن الناس والمثقفين في البلدان الغربية يعودون في كل شارة وواردة إلى القواميس التي توجد دائما في متناول اليد ولكن ما يؤسف له أن بنيتنا الثقافية تجعلنا نعف عن الإمساك بالقاموس والنظر فيه حتى وإن وجد قاب قوسين أو أدنى منا. فغالبا ما يعتقد الواحد منا أن ما تلقنه المرء في قاعات المدارس كافيا لبناء منطق لغوي يكفي لفعالية علمية جيدة ,نحن نعتقد بأن هذا الوقف من القاموس موقف يعزز إشكالية المفهوم في الثقافة العربية المعاصرة .

ويفيض الخطاب التربوي بالمفارقات التي تتعلق بأزمة المفهوم التربوي ويكفي المرء أن ينظر إلى صياغة السياسات التربوية لنرى إلى أي حد يعاني هذا الخطاب من ضعف وقصور في بنية مصطلحاته ومفاهيمه . إذ غالبا ما تعرض هذه السياسات بأسلوب خطابي تسيطر عليه التداعيات اللفظية من سجع ومطابقة وتلاعب في الألفاظ . جاء في إحدى نصوص وثيقة الأهداف التربوية [20]لإحدى البلدان العربية ما يلي :

" العرب حملة لواء الإسلام الأول، والذائدون عن حياضه ،الذين بلغوا رسالته ونشروا دعوته، فتاريخ الإسلام عربي وتاريخ العرب إسلامي[21]". يتضح إلى أي حد يتدخل الطابع اللفظي في إعداد الهدف ، ويضاف إلى ذلك أنه عندما نخضع هذه المقولة الخطابية للتحليل النقدي يمكن أن نخرج بالتساؤلات التالية :

              · العرب حملة لواء الإسلام الأول فهل هناك إسلامان إسلام أول وإسلام ثاني ؟

              · وإذا كان هناك من إسلامين أو أكثر فمن هم حملة لواء الإسلام الثاني والثالث؟

              · ألا يدافع المسلمون من غير العرب عن الإسلام ويذودون عن حياضه؟

ويمكن القول باختصار أن  الخطاب السياسي التربوي يعاني من القصور والضبابية  والتعقيد وأحيانا ينطوي على مفارقات وتناقضات عديدة تؤثر جميعها في مستوى الموضوعية التي تنشد عادة في صياغة الأهداف وتحديد مصادرها .

عندما يلامس الباحث الخطاب العربي التراثي المعاصر يشعر بأنه يدور في متاهات من المفاهيم العائمة والضبابية ، ويشعر بوجود قطيعة إبيستيمولوجية حقيقية مع المفاهيم المركزية للمعرفة العلمية المتماسكة . ومن يبحر في هذا الخطاب الثقافي العربي حول قضايا  التراث والمعاصرة والتجديد والهوية والتنوير والحداثة والأصالة والتأصيل والاستشراق  يجد نفسه يخوض في بحر متلاطم الأمواج من المفاهيم المتضاربة والمتداخلة في الوقت نفسه ، ويتيه في بحر من المفاهيم  الغامضة التي لا تنتظم في نسق معين ولا تتعين في دائرة محددة. فالمفاهيم الموظفة في هذا الخطاب تفيض بطاقة سحرية غريبة بعيدة عن معطيات التحديد العلمي الصريح. حتى الكاتب التراثي نفسه يجد صعوبة في متابعة شلال المعاني المتلاحق الذي التي يفيض به المفهوم  الواحد كمفهوم التراث أو المعاصرة هذا إذا لم يجد صعوبة في متابعة ما يبدعه من معاني جديدة حول مصطلحاته التي يستخدمها في معالجة قضايا الثقافة العربية والتراث .

فالمعاصرة  مفهوم في منتهى الغموض والضبابية ومن يتابع الأدبيات التاريخية والتراثية العربية حول هذا المفهوم يدرك إلى أي حد يختلف المفكرون العرب في تحديد أبعاد هذا المفهوم ومضامينه. وغالبا ما يختلف الباحثون بعامة في تحديد هوية هذا المفهوم وطبيعة استخدامه . هذا ولا يقل مفهوم العروبة غموضا عن مفهوم المعاصرة . ويمكن القول باختصار أن اللغة التراثية  تعاني من القصور والضبابية  والتعقيد وأحيانا تنطوي على مفارقات وتناقضات عديدة تؤثر جميعها في مستوى الموضوعية التي تنشدها اللغة العلمية المتماسكة .

وتؤدي هذه الفوضى الفكرية إلى حالة من العدمية الفكرية فلكل مؤلف مفاهيمه المتغايرة ( التي قلما يوضّحها ) ولكل باحث ومفكر موقف من المفاهيم التي يستخدمها الباحثين الذين يعملون في المجال عينه . والقارئ عندما يتابع الكتابات التراثية يشعر وكأنه ينطلق في رحلة فكرية مسحورة تعود فيه الأسباب إلى النتائج ويأخذ منطق الأشياء في هذه الكتابات طابعا أسطوريا وتتحول فيه قانونية الفكر في هذا الفكر إلى استثناءات وطفرات غريبة .

هذه هي انطباعات من يلاحق دورة هذه الكتابات التراثية وبالطبع فأنا واحد منهم حيث أعيتني الحيل في إيجاد الخط الفاصل بين هذه المفاهيم ، ولا سيما في استخداماتها المتغايرة مع حركة الزمان والمكان .فالمفاهيم المستخدمة تنقطع عن الواقع وتعاند إمكانيات التحديد المعرفي ، ولا يوجد اتفاق أولي بين مستخدمي المفاهيم حول ماهية المفاهيم التي تستخدم وهويتها . ولا أريد هنا أن اضرب أمثلة بل أترك للقارئ أن يعود ليقرأ في عطاءات ما كتب في التراث العربي ليجد عين ما وجدناه .

وبالطبع نحن لا نقلل من شأن هذه الكتابة التراثية  ، أو من أهميتها ، ولكن يمكن  أن نقول إن أغلب الكتابات في هذا المجال تفتقد إلى البعد الإبيستيمولوجي للمفهوم. فلكل كاتب مفاهيمه وتصوراته ومواقفه التي يختلف فيها مع الآخرين من كتاب التراث ومنظريه . ومن غير أن نتوغل في أبعاد هذا الأدب التراثي فإن أصحاب هذا الفكر مدعوون اليوم لإعادة النظر في مفاهيمهم الموظفة وإيجاد الحد الأدنى من الاتفاق حول مختلف المفاهيم التي وظفت وتوظف في هذا الحقل المعرفي الذي يحتل أهمية كبيرة في حياتنا المعاصرة . ويتطلب هذا منهم اليوم عقد مؤتمر أو مؤتمرات يعملون فيها على صقل مفاهيمهم وتوحيد دلالات المفاهيم المستخدمة وتحريرها من أثقال التلون ومن الغموض الذي يحيق بها . ومن غير ذلك فإن الفكر التراثي يفقد ومع تقادم الزمن أهميته وخصوصيته ويتحول إلى نوع من الأدب الذي يخاطب العواطف والمشاعر دون العقل أو المنطق .

ليس لنا أو لغيرنا أبدا أن ينكر الأصالة الفكرية التي تتجسد في مقولات التراث ، في عظمة الإبداع العقلي الذي يضرب في عمق جوانب الفكر العربي . ولكن يترتب علينا علينا أن نذكر بالخطر الكبير الذي يهدد هذه الأصالة وهذا الإبداع في زخم الكتابات التراثية وما أكثرها ولا سيما هذه التي تتعامل مع المفاهيم بطريقة اعتباطية تسقط ما فيها من عمق منهجي . فأغلب الباحثين التراثيين يتوغلون في توظيف مصطلحات التراث ومفاهيمه دون أن يبحثوا في دلالة المفاهيم التي يستخدمون ، ودون أن يحددوا وضعية هذه المفاهيم وصيغها العلمية ، ومن غير أن يعرفوها بصورة منطقية واضحة . وقد أدى ذلك مع الزمن إلى حالة من الفوضى الغريبة التي تهدد هذه المقولات التراثية بالعدمية والفناء . وهنا أيضا نكرر أهمية الإشارة إلى ضرورة بناء موقف تراثي أبيستيمولوجي من المفاهيم التراثية المستخدمة من أجل بناء فكر عربي يتميز بالتماسك والأصالة والعلمية .

نموذج نقدي لمفهوم الاستراتيجية في الفكر التنموي العربي :

تعاني الأدبيات التنموية العربية من توظيف غائم لمفهوم الاستراتيجية حيث يجد الباحث صعوبة كبيرة في التمييز بين مفهوم الاستراتيجية وغيره من المفاهيم المقاربة له[22]. هذا ويشكل التحديد الواضح الذي يفصل بين مفهوم الاستراتيجية وبين مفهوم السياسة أو بين هذا ومفهوم الأهداف غيابا واضحا [23]. فمفهوم الاستراتيجية يؤخذ على أنه خطة بعيدة المدى تارة ، ثم على أنه سياسة بعيدة المدى تارة أخرى ، وفي أغلب الأحيان لا يقدم  الباحثون الذين يستخدمونه تعريفا له ، ويستخدمونه على ما هو عليه من غموض وشفافية. وهذا يترك للقارئ خيارات متضاربة في إدراك دلالة المفهوم وغايته [24]. وفي هذا الصدد نعتقد أن بناء مفهوم الاستراتيجية والفصل بينه وبين من المفاهيم المتداخلة معه يشكل ضرورة حيوية تضمن سلامة العمل التنظيري ودقته في مجال التنمية البشرية .

ونلفت الانتباه أيضا في هذا السياق أنه لم تفتنا العودة إلى عدد من القواميس التي تعالج هذا المفهوم[25] ولا سيما القاموس الذي تم إعداده في المعهد الوطني للتخطيط[26]، ويؤسفنا في هذا السياق أن نعلن أن مفهوم الاستراتيجية ما زال في داخل هذه الأنظمة الاصطلاحية مشحونا بغموض كبير ، حيث لا يوجد من حيث المبدأ تمييز فعلي بين مفهوم الاستراتيجية والمفاهيم المجاورة أو هذه التي تنتمي إلى العائلة نفسها ولا سيما مفهوم السياسة والتخطيط والأهداف .

ومن أجل أن ينتقل هذا المفهوم إلى مقام الوضوح العلمي فإن ذلك يحتاج إلى جهود علمية نشطة وإلى مجموعة من الإجراءات العلمية الإبيستيمولوجية التي تنأى به عن مدارات الغموض ولا سيما في مجالات استخدامه الواسعة ضمن مجالات معرفية عدة . ومن بين هذه الإجراءات   يترتب على الباحثين الذين يوظفوه في أعمالهم أن يعملوا على تعريفه   إجرائيا، ومن ثم تحديد علاقة المفهوم بالمفاهيم الأخرى المجاورة له ، وتحديد منطق العلاقات الداخلية التي ينطوي عليها .

ومن حيث المبدأ يمكن القوال أن مفهوم الاستراتيجية (وهو مصطلح معرب)  كما يجري استخدامه في بعض البلدان  ينطوي على أبعاد أساسية أهمها :

1- البعد التنفيذي: كلمة استراتيجية  Stratigy في الأصل مصطلح عسكري شاع استخدامه في العمليات الحربية وهو يعني : فن الحروب ، أو علم الخطط الحربية كما يعرفها قاموس المنهل [27]. يعرف قاموس المورد الاستراتيجية أيضا بأنها : علم أم فن الحرب أو وضع الخطط وإدارة العمليات العسكرية ، وهي سعي لتحقيق الأهداف العسكرية النهائية . ويقابلها في المفهوم العسكري مفهوم تاكتيك TACTICS  وهو مفهوم يشير إلى الوسيلة التي يتم فيها تنفيذ الخطة العسكرية خلال المعركة[28] . وجاء في المورد أيضا أن التكتيكTactics  هو : فن تنظيم القوى الحربية أو تحريكها للقتال أو في أثنائه[29] . وهي نسق فعاليات تنفيذية بالدرجة الأولى والحديث عن استراتيجية لا تنحو إلى الحضور التنفيذي هو حديث عن إيتوبيا تدور في عالم من التصورات الميتافيزيائية . وبعبارة أخرى يمكن القول أن الاستراتيجية التي لا تجد طريقه إلى الواقع هي استراتيجية مع وقف التنفيذ.

          2- البعد الإجرائي :تتحدد الاستراتيجية بمؤشرات واقعية واضحة يجنبها الغموض الذي يلف المفاهيم النظرية بصورة عامة ، وبعبارة أخرى يجب أن يتوافق مضمون الاستراتيجية مع الأبعاد الواقعية للمجال الذي تغطيه .

ومن أجل توضيح هذه الفكرة نسوق الأمثلة التالية : يجري الحديث اليوم عن تنويع القاعدة الإنتاجية كهدف استراتيجي دون أن يتم تحديد جوانب هذا التنوع بصورة عيانية ، ومن أجل أن يكون الهدف استراتيجيا حقا يجب أن نحدد مجال التنويع ونوعه ومعياره ومقاييسه كأن نقول : يجب إيجاد قطاع زراعي لانتاج القمح بما يغطي حاجة البلاد في عام ما محدد والتي تبلغ س طن من القمح سنويا.

3- البعد الزمني :  تنفيذ في مدة محددة في عام 1998 على سبيل المثال يجب خفض نسبة الأمية إلى 10 بالمائة بين صفوف الأميين في المجتمع . والبعد الزمني عنصر في منتهى الأمية في مفهوم الاستراتيجية فمن غير هذا البعد الذي يأخذ أهمية خاصة  لا يمكن لمفهو الاستراتيجية أن يأخذ مدّه الحقيقي فأغلب الاستراتيجيات كانت تنفيذا لمخطط ما وغايات ما في فترة زمنية محددة . وعندما لا تنطوي الاستراتيجية مفهوما وواقعا على البعد الزمني فإنها تتحول إلى مجرد خطاب مجرد لا يرتبط بالواقع ولا يعبر عن صيرورته الزمنية . فالاستراتيجيات التي لا ترتبط بزمن محدد هي استراتيجيات جوفاء ومفرغة من مضمونها .

4- البعد التنفيذي : ليست الاستراتيجية لوحة فنية ينظر إلى ما تنضح فيه من جمال بل هي خطة تنفيذية بالدرجة الأولى . ولذلك يجب أن تكون قابلة للتنفيذ ويجب أن تنفذ أيضا وهي إن لم تحتوي على هذين الشرطين سقطت عنها صفة الاستراتيجية وتحولت إلى سياسة توجيهية أو تخطيط تأشيري كما تسمى السياسات اللاتنفيذية . 

5-البعد الواقعي : لا يمكن لاستراتيجية أن تبنى في الفراغ أو في مكاتب المتخصصين والمنظرين فالاستراتيجية تعكس الواقع بصورة دقيقية وتنطلق من هذا الواقع وتسعى في إطار الممكن والمتاح إلى تطوير الواقع انسجاما مع السياسات والغايات التي ترسمها للمجتمع : فالصعوبات والإمكانيات والتحديات تؤخذ بعين الاعتبار في تصميم الاستراتيجية وأية استراتيجية تفقد هذا البعد الواقعي تفقد الجوهر الحقيقي لمضمون الاستراتيجية ومحتواها.

6- البعد العلمي : ليست الاستراتيجية مجرد مقولات نظرية تنسج في مكاتب المتخصصين  فحسب بل هي بناء علمي يقوم على أساس من الدراسات والبحوث والتصاميم العلمية [30]. فبناء الاستراتيجية يحتاج إلى عدد كبير ومتنوع من العلماء المتخصصين في مجالات مختلفة وهم بالتالي يصممون بالتنسيق الدقيق فيما بينهم صورة الاستراتيجية الممكنة وفقا لمعطيات المعارف العلمية المتاحة لهم ، وهم يعملون بأساليب تقنية متطورة على تحديد حساباتها الدقيقة وأبعادها الممكنة وذلك في ضوء مختلف الأبعاد الأخرى. وهؤلاء بالتالي لا يعملون على تصميم استراتيجيات ما لم تكن معطياتهم العلمية قائمة على أساس واقعي بمعنى أن المعطيات التي توجد بين أيديهم يجب أن تكون علمية ناجمة عن أبحاث ودراسات علمية  قادرة على النفاد إلى عمق الواقع الاجتماعي والسياسي والاقتصادي.

7-التنسيق والتكامل : يظهر الطابع التكاملي في مختلف مستويات بناء الاستراتيجية وفي مختلف اتجاهاتها [31]. فالاستراتيجية لا يبنيها عالم واحد بل يشارك فيها عدد كبير من المختصين في مجالات عدة : في السياسة والاقتصاد وعلم الاجتماع والتربية وعلماء المستقبل (العلم المستقبلي ) ومتخصصون في الإحصاء والرياضيات وغيرهم  . فمكونات الاستراتيجية يجب أن تكون متكاملة بمعني أن أي تغيير في بنية المجال الذي تغطيه الاستراتيجية يجب أن يحدث تأثيرا في الجوانب الأخرى[32]. وبالتالي فإن هذه الاحتمالات مدروسة ومتوقعة وداخلة في بنية الاستراتيجية فعلى سبيل المثل : يجب أن تبين الاستراتيجية انعكاس محو الأمية في عملية الإنتاج وأن تأخذ به في الوقت نفسه كمعطى من معطيات الاستراتيجية ، ومن الأمثلة أيضا هو أن زيادة ترفيه المواطن في زيادة الدخل القومي ، وتثوير البنى الفكرية في زيادة فاعلية الإنتاج . وبعبارة أخرى يجب أن يتم تأثير تطور كل جانب في مجمل جوانب معطيات الواقع " المستترج ". وهذه الحسابات ليست حسابات خطية بل هي حسابات تفاعلية دينامية .

8-البعد الدينامي : على الرغم من أهمية الثبات النسبي الذي يتمتع به الفعل الاستراتيجي. فإن الاستراتيجية يجب أن تكون مرنة ، وأن تتحسب لبعض الاحتمالات والأحداث المتوقعة في  المجال الذي تغطيه . ويجب أيضا أن تأخذ في الحسبان أهمية وضع هامش من الحرية يتيح لها ، ووفقا لمبدأ المرونة ، أن تأخذ بواقع جدل العلاقة بين مكونات المجال الذي تغطيه . وهذا يعني أن الاستراتيجية تغطي مجالها هذا في نسق الفعاليات التي يغطيها مفهوم التكتيك ، وهو يعبر عن هامش الحرية في تحقيق الغايات الاستراتيجية المرجوة . فعلى سبيل المثال : قد تنطلق الاستراتيجية من الوزن الاقتصادي الذي يوفره النفط في الناتج القومي وحسابات هذا الوزن ممكنة كما هو معروف بالمعايير الاقتصادية ومع ذلك يمكن للاستراتيجية أن تتحسب لصعود أو هبوط الأسعار أو للأزمات العالمية والإقليمية التي تتعلق بالحياة الاقتصادية ومن هنا يترتب على العاملين في مجال بناء الاستراتيجية أن يأخذوا هذه المسائل بعين الاعتبار في مكونات الخطط الاستراتيجية بعيدة المدى .

خاتمة : وحيال هذه الصعوبات التي تحيق بوضعية المفاهيم في الفكر العربي المعاصر يترتب على المعنيين به ضرورة التشديد  على اتخاذ يعض الإجراءات الهامة التي يمكنها أن تجنب المفاهيم العربية المستخدمة الوقوع في مستنقع العدمية وأن تخرج بها إلى مقام ما تقتضيه الضرورة التاريخية من تطوير المفاهيم إلى مستوى متطلبات العصر الذي ينمو باتجاه المزيد من الدقة والموضوعية ، ولا سيما في بنية العلم والمعرفة العلمية . إن الخروج من إشكالية المفهوم ، وما يترتب على ذلك من التداعي في البناء الفكري العربي،  مرهون باتخاذ إجراءات عديدة أبرزها ما يلي : 

              ·حصر المفاهيم المُشْكَلة الضعيفة في بنيتها ، الشفافة في دلالاتها ، التي تتنوع في استخداماتها ،  في كل ميدان معرفي أو في كل فرع من فروع الحياة الثقافية ، ومن ثم إخضاع هذه المفاهيم لدراسة نقدية ، تنطلق من الأبعاد المختلفة للمفهوم ولا سيما التاريخية والجغرافية والثقافية ، وبعد ذلك  تعريف هذه المفاهيم من جديد في ضوء الإجراءات النقدية وإعادتها إلى حظيرة المفاهيم الصالحة في اختصاص علمي . وبعبارة أخرى تحديد الكلمات والمفاهيم التي تعاني من الفوضى والاضطراب وإعادة بناء هذه المفاهيم وفقا لرؤية نقدية أبيستيمولوجية جديدة .

              ·إيجاد قاموس عربي حديث ومعاصر ، في كل ميدان علمي ،  يقوم على أساس المنهجية العلمية المطلوبة في بناء المفهوم ، ويحظى باتفاق المفكرين العرب لتحديد الكلمات والمفاهيم العائمة ، وهذه التي قد شاع استخدامها . ولا بد من افشارة في هذا السياق أن بناء هذه القواميس يجب ألا يكون قائما على أساس الجمع بل على أساس منهجية علمية متكاملة تستوفي الأسس المنهجية لبناء المفاهيم الواضحة والمتماسكة .

              · عقد المؤتمرات العلمية الدورية في كل ميدان معرفي لتحديد ومتابعة التطورات الجارية في ميدان المفاهيم وتحديد الموقف من كل مفهوم جديد يبدأ استخدامه . وبالتالي تحقيق التواصل مع مختلف الفروع العلمية لتحديد الموقف من المفاهيم المشتركة بين هذه الفروع العلمية .

              ·حثّ الباحثين والكتاب العرب على توخي الدقة العلمية في استخدام المفاهيم ، ولا سيما الجديدة منها ، وفقا للمنهجية العلمية المطلوبة في هذا المجال. ووضعهم بالتالي في صورة التحديات التي يفرضها الاستخدام المتنوع للمفهوم بعيدا عن سياقه العلمي والاصطلاحي .

              ·وجدير بالاهتمام في هذا السياق أيضا أن نعمل على تعزيز الجهود من أجل دفع الكتاب إلى تجنب الاعتماد على مبدأ التلاعب بالألفاظ والمفاهيم وتنويعها والاعتماد على سحرها في استقطاب القراء ومخاطبة مشاعرهم وعواطفهم . وبالمقابل تشجيع الباحثين على استخدام المفاهيم الواضحة المتماسكة الرصينة عديمة الإيحائية من أجل مخاطبة عقل القارئ العربي وليس عواطفه ومشاعره .

وفي النهاية نريد أن نكرر التأكيد بأن ما طرحناه في سياق هذه المقالة لا يتعدى حدود مشروع علمي نتمنى له أن يحظى باهتمام المفكرين العرب وذلك من أجل بناء المفهوم في الفكر العربي وفقا لمعطيات الدقة والتماسك ، في عصر متطور متفجر لا يعرف غير منطق الدقة والموضوعية ، ولا سيما في مقولات الفكر والعلم والمعرفة العلمية، وذلك إذا أردنا حقا لعطائنا المعرفي العربي أن يرتقي بمختلف جوانبه واتجاهاته إلى مستوى العلم أو المعرفة العلمية الحقيقية. وأخيرا إذا أردنا حقا للخطاب العربي  أن يكون خطابا إلى العقل وليس  إلى العاطفة ، وأن يتجنب مدارات الخطاب الانفعالي الذي يخاطب القلب وحاسة الجمال عند القارئ العربي ، علينا أن نأخذ بإمكانيات الخطاب الذي يتبنى المفاهيم التي تبنى على أسس منهجية علمية وأن يعقلن بالتالي المفاهيم التي خرجت عن دائرة التعقل بالطريقة المنهجية التي تروض فيه المفاهيم إلى أدوات عقلية توظف في خدمة المعرفة العقلية والعلمية .   

 



* تعرف الإبيستيمولوجيا بنظرية المعرفة Theorie de connaisance  التي  تخضع المبادئ والأسس والمفاهيم والنظريات العلمية للعلوم المختلفة إلى محك الاختبارات النقدية ..وتعرّف الإبيستيمولوجيا أيضا بفلسفة العلم وهي تبحث في أهداف العلوم وحدودها وعلاقتها ، ويمكن القول أيضا بأن إبيستيمولوجيا العلم هي المعالجة الفلسفية لأصل وطبيعة وحدود المعرفة . ولأن المعرفة تقوم كما سنلاحظ على أهمية المفهوم ودوره فإن إبيستيمولوجيا اللغة كما نوظفها هنا هي بحث نقدي في حدود المفاهيم وفي صيغ تشكلاتها وفي الأسس التي تقوم عليها مصداقية المفاهيم . وبعبارة أخرى نعني بإبيستيمولوجيا المفهوم في هذا المقام الدراسة النقدية لحدود المفهوم وبنيته . ولا بد من الإشارة في هذا السياق إلى أن هذا المفهوم قد عرب بسبب غياب البديل اللغوي في اللغة العربية وأصبح شائع الاستخدام في اللغة العربية .

[1] voir :  Jean  Perrot : La linguistique, que sais-je , P.U.F, Paris 1989.

[2] كمال دسوقي : ذخيرة تعريفات مصطلحات أعلام علوم النفس ، الدار الدولية للنشر والتوزيع ، القاهرة 1988.

[3] أحمد زكي بدوي : معجم مصطلحات العلوم الاجتماعية ، مكتبة لبنان ، بيروت ، 1978 .

[4] Madeleine Grawitz : Lexique  des sciences  sociales Dalloz .Paris , 1983.

[5] تعزى هذه المقولة إلى بروتاغوراس زعيم السفسطائيين .

[6] لقد عرف أرسطو بما قدمه للفكر العلمي في المقولات حيث رسم للمعرفة الإنسانية مفاهيم واضحة  في العرض والجوهر والامتداد والزمان والمكان والماهية بصورة تمتلك سحر القدرة على بناء المفهوم ورسم الخطوات الأساسية للانطلاقة المعرفية العظيمة عند الإنسان .

[7] سنتعرض لقضية أبيستيمولوجية الهدف في مجال دراسة الأهداف التربوية العربية وكيفية تصميم الهدف التربوي وكيف بالتالي يلعب غموض المفهوم دورا سلبيا في الوصول إلى تحديد واضح لمسارات التربية العربية .

[8] Gilbert.Durand : les grands textes de la sociologie moderne, Bordas,Paris , 1969.

Joseph sumpf :dictionaire de la sociologie, Larousse, Paris , 1973

[10] Madeline Grawitz :Lexique des siences sociales  Deuxieme Edition, Dallos , Paris, 1983. (p.93) .

[11] Paul Robert : Petit Robert dictionnaire alphabetique et analogique de la langue Francaise , Le Rodert , Paris, 1980 (p.436).

[12]  Madeline Grawitz :Lexique des siences sociales  Deuxieme Edition, Dallos , Paris, 1983. (p.93) 

[13] غانم هنا:  فلسفة الحضارة ، أملية جامعية ، جامعة دمشق ، كلية  الآداب، .1979( ص:32) .

[14] المرجع السابق \(ص: 35) .

[15] Salvador de Giner: Initiation á l'intelligence sociologique.Privat , Paris,1970 .(p.80).

[16] المرجع السابق (ص:76)

[17] قباري محمد اسماعيل : مناهج البحث في علم الاجتماع التربوي : مواقف واتجاهات معاصرة ،المعارف ، اسكندرية ، 1982. (ص: 177) .

[18] ممدوح عدوان :نوستالجيا ، العربي ، العدد 460، مارس /آذار ، 1997، (صك77) .

[19] روبرت .ف ميكر : الأهداف التربوية ، ترجمة جابر عبد الحميد جابر ، سعد عبد الوهاب نادر ، معهد الكندي ، بغداد 1967.

[20] السيد ، محمود : الأهداف التربوية في الجمهورية العربية السورية ، المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، تونس 1986. انظر أيضا :

يوسف ، خليل يوسف  : الأهداف التربوية في جمهورية مصر العربية ، المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، تونس 1986.

[21] تسير أغلب الأنساق الفكرية العربية في مجال السياسات التربوية على هذا  المنوال بصورة عامة  ويمكن العودة هنا إلى وثائق الأهداف التربوية العربية ليتضح الأمر بصورة افضل . ِ

[22]محمد محمود الإمام : التخطيط التكاملي على المستوى الشامل : تجربة مجلس التعاون ومتطلبات نجاحها ، التعاون ، السنة الثانية ، العدد السابع ، يوليو 1987 (صص 15-75).

[23] انظر : يوسف إبراهيم السلوم ، أضواء على استراتيجية خطة التنمية في المملكة العربية السعودية ، الرياض ، 1406هـ.

[24] المجلس الأعلى للتخطيط في دولة قطر :الاستراتيجية  العامة للتنمية الاجتماعية والاقتصادية ، الدوحة ، 1996.

[25] وزارة التخطيط في دولة الكويت ، بعض المفاهيم والمصطلحات المستخدمة في الخطط الإنمائية في دولة الكويت ، الكويت يناير، 1990. (ص: 9).

[26] : جميل طاهر - صالح العصفور : الدليل الموحد لمفاهيم ومصطلحات التخطيط في دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية ، ط1 ، الكويت ، 1996.

[27] سهيل إدريس و جبور عبد النور : المنهل : قاموس فرنسي عربي ، ط11، دار العلم للملايين ،بيروت 1991.(ص979). 

[28] منير البعلبكي : المورد : قاموس إنكليزي عربي ،ط.28،  دار العلم للملايين ، بيروت ، 1994. (ص:914)

[29] المرجع السابق (ص:944) .

[30] انظر : محسن كاظم : التخطيط التربوي بين النظرية والتطبيق في دول مجلس التعاون ، التعاون ، السنة الثانية ، العدد الخامس ، كانون الثاني يناير ، 1987،(صص9-60) .

[31] انظر : أحمد زكي بدوي : معجم مصطلحات العلوم الاجتماعية ، مكتبة لبنان ، بيروت 1978 .(ص411).

[32] انظر  : وزارة التخطيط في المملكة العربية السعودية ، أهم المصطلحات الاقتصادية والتعبيرات الفنية المستخدمة في خطط التنمية ، الرياض ( من غير تاريخ ) .