435

أ.د.علي أسعد وطفة

كلية التربية- جامعة الكويت

 

لغة الأطفال بين الفطرة والاكتساب

 

تشغل مسألة الفطري والمكتسب في اللغة اليوم اهتمام عدد كبير من المفكرين والعلماء الذين يبحثون في أصل اللغة الإنسانية وفي ماهيتها. وهم في سياق أبحاثهم هذه يستنفرون الجهد في مجال الكشف عن الأصول الأولى للغة والإبداع اللغوي ومدى تأثير الفطرة والاكتساب في تشكلها في مستوى الفرد وفي مستوى الجماعة.

كان أسلافنا القدماء يعتقدون أن اللغة أصيلة في جبلة الإنسان وفي طينته، وأن الإنسان كائن ناطق بفطرته وعاقل بتكوينه الإنساني، وكانوا يتساءلون عن اللغة التي يمكن للوليد الإنساني أن يتحدثها إذا ما أبعد عن تجربة الاتصال بالناس من حوله والاحتكاك باللغة السائدة في وسطه ؟ هل يتكلم العربية أم الهندية أم الصينية أم اللاتينية ؟ وكانوا يفترضون وجود لغة فطرية سامية هي هذه التي لا تتأتى بالاكتساب ولا تتشكل بالتعلم.

وفي هذا الصدد يمكن الإشارة إلى تجربة أحد فراعنة مصر القدماء الذي حاول أن يختبر الأمر فجمع عينة من الأطفال الرضع ومنع عنهم التواصل الاجتماعي والاتصال اللغوي ، ولا سيما كلام المحيطين بهم من مربيات وأمهات، ليعرف ما اللغة التي يمكنهم أن يتكلموا بها ؟ ولكن يد المنية سرعان ما خطفتهم لأن استمرار الأطفال في الوجود كان دائما وأبدا مرهونا بما يحتاجون إليه من رعاية وحنان. وهذا ما تؤكده جميع التجارب التربوية، فالحب والحنان هما نسغ الوجود الإنساني وعماده، واللغة هي أداة هذا الحب وديدنه ومن غيرها كما يبدو لا يحيا الإنسان !

وتكررت هذه التجارب في بلدان أخرى وفي مراحل مختلفة من التاريخ الإنساني، وذلك كله للإجابة عن السؤال الوجودي المتعلق بماهية اللغة التي يتكلمها الإنسان قبل أن يتعرض لعملية الاكتساب اللغوي ؟ ويمكن الإشارة في هذا الخصوص إلى تجربة الملك فريدريك الثاني في القرن الثاني عشر التي أجراها حول بعض الأطفال حديثي الولادة والتي انتهت إلى النتيجة عينها التي انتهى إليها الفراعنة، لقد مات الأطفال قبل أن ينطقوا كلمة واحدة لأن الحنان والحب والاتصال مع الآخرين كان بالنسبة إليهم في أهمية الغذاء والطعام.

وشاءت المصادفة التاريخية في مراحل زمنية قريبة جدا أن يتم العثور على أطفال الذئاب في غابة الإيفرون الفرنسية وفي الغابات الهندية، وهم أطفال عاشوا وترعرعوا في الغابات وفي أوكار الذئاب. كان هؤلاء الأطفال يسلكون سلوك الذئاب من عواء ومشي على أربع وهجوم على الماشية والدجاج واستخدام الأنياب في التهام الطعام. ولم تكن المحاولات الكبيرة التي بذلت في تعليمهم مجدية حيث تعلموا بصعوبة كبيرة بعض الكلمات وبعض أنماط السلوك الإنساني كالمشي في حالة انتصاب بدلا من المشي على أقدام أربع.

ومع أهمية هذه التجارب بقي البحث عن أصل اللغة يسجل حضوره في السجالات العلمية الساخنة. حيث يذهب بعض المفكرين اليوم إلى الاعتقاد بأنه لا يمكن الفصل بين المكتسـب والفطـري في تكوين اللغة الإنسانية، ومن هذا المنطلق يجري الجدل بين علماء نفس اللغة غالبا لتحديد الجوانب المكتسبة والجوانب الفطرية في بنية اللغة.

ومـن هـذا المنطلـق يعتقد تشومسـكي Chomsky ومساعدوه أن اكتساب اللغة مرهون إلى حد كبير بالبنى اللغوية الفطرية التي توجد في أصل الإنسان. وان هـذه البنى اللغوية الخاصة تبدأ عملها في مرحلة محددة من النضج وهـي تـزود الطفـل بمعلومـات مبرمجة مسبقا على نحو فطري. فالطفل يولـد وهو يمتلك بنـى فطرية خاصة للغة وهذه البنى تنضج في سياق اللغة التي تحيطه في وسطه الثقافي والاجتماعي.

فالطفل كما يذهب تشومسـكي يولد وهو مزود بقدرة فطرية خاصة على تعلم اللغـة وان هـذه القـدرة تميل إلى النشاط بين الشهر الأول من العمر والسـنة الخامسـة ثم تبدأ هذه القدرة بالضمور بعد أن تكون قد أدت الغاية من وجودها.

فجـميع الأطفال وفقا لنظرية تشومسكي يكونـون القواعـد اللغويــة فطريا بشــكل متجــانس ومــدهش في الوقت نفسه. وتنطوي هذه المقولة على افتراض قوامه أن الطفل يمتلك في داخله علبة وراثية لغوية سوداء ؟ وهذه العلبة هي المعنية في بناء اللحظـات الأولى للأداء اللغوي. والبنية اللغوية بالتالي تقلل من أهمية نشاط الفرد في بناء قواعد لغته كما تقلل من أهمية التأثير الذي يمارسه الوسط الاجتماعي في قابليات الأطفال اللغوية.

وعلى خلاف ذلك ينفي أنصار النزعة البيئية وجود بنى لغوية فطرية عميقة غـير قابلـة للملاحظـة. وهم لا يعطون أية أهمية للاعتبارات الفطرية والوراثية في عملية نمو اللغة واكتسابها. فاكتساب اللغة يتم فـي نسق من المؤثرات الاجتماعية والتربوية. فالتأثير الاجتماعي هو الذي يمارس دوره على عمليـة اكتسـاب اللغـة وذلـك عبر عمليات متكررة ومستمرة وأولويات من التعميم والتعزيز الخ.

يبين جـان لاكان في كثرة من أعماله أن اللاشعور الإنساني ركام من المفردات اللغوية ويتأسس على ذلك أن الإنسان كيان لغوي يتكـون باللغة ومن خلالها وهذا يعني أن اللغة هنا شرط للتكون الإنساني وليس العكس كما نلاحظ عند تشومسكي وغيره. وإذا كان لاشـعور الإنسان يتمثـل فـي الخبرات والتجارب التي يعيشها الفرد، في مراحـل حياته الأولى، فان الوسط الاجتماعي يلعب دورا فعالا في عملية تحديد السمات الأساسية للبنية اللغوية عند الأطفال بوصفها لاشعورا.

فعـلم النفس اللغوي عند جان بياجيه وتشومسكي وأنصار الوراثة وعلماء اجتماع البيولوجيا يولي أهميـة كبيرة للفطـرة في تحديد البنى اللغوية العميقـة فـي النفس الإنسانية والتي لا يمكن لها أن تخضع للملاحظة. وهذه البنى اللغوية الفطرية خاصة مشتركة بين جميع الأطفال الذي يتكلمون لغة واحدة.

فالطفل في سـياق التعلم اللغوي يسعى إلى تحقيق مبدأ المطابقة والتصويب بين الصـوت والـدلالة، وعـلى أساس ذلـك تتكـون تراكيبه اللغوية. ويؤكد هذا المنظـور أهميـة نشـاط الناس في نسق عملية التفاعل اللغوي التي تتم بين الطفل والوسط الذي يعيش فيه. والتفكـير هنـا ليس مـن مشتقات اللغة ولكنه نتائج التفاعل بين تصور الكائن والواقع الذي يعيش فيه وهو تفاعل تسوده البنية الفطرية بالدرجة الأولى.

ويعود إلى إميل دوركهايم E. Durkheim ، من  بين علمـاء الاجتماع، فضـل السـبق في النظر إلى اللغة في جوانبها الاجتماعية، ويتبـدى ذلـك حين يقرر بأن اللغة ظاهرة اجتماعية، أو "شيء اجتماعي" بالدرجة الأولى. وتجد رؤية دوركهايم هذه تعزيزا لها في أفكـار جـون ديـوي Dewey الـذي ينظـر إلى اللغة بوصفها نمطا من السلوك الاجتماعي. هذا ويجمع كل من دوركهايم وديوي وساسور Saussure على أهمية العلاقة التي تربط بيـن اللغة والحياة الاجتماعية كما يجمعون على أهمية الشروط الاجتماعية للغة بوصفهـا الإطار الموضـوعي لنمـو اللغة وتطورها وتباينها بتباين المجتمعات الإنسانية.

ويعد برنشتاين واحدا من أهم المنتصرين لأهمية الجانب الاجتماعي في بناء اللغة وتكونها، فهو يؤكد عـلى البنية الاجتماعية للغة وعلى أهمية الوسط الاجتماعي والتربوي في نموها وتشكلها. فاللغة بالنسبة إليه ماهية اجتماعية بالدرجة الأولى، وهو من أجل هذه الغاية يكرس جلّ أعماله لدراسـة الجـوانب الاجتماعية في اللغة، حيث استطاع أن يرسم ملامح نظرية متكامل حول طبيعة العلاقة بين اللغة وجوانب الحياة الاجتماعية.

فاللغـة كمـا يشـير برنشـتاين تنمو في إطار العلاقة التي تقوم بين الأطفال والآخرين عن طريق الاتصال والتعبير. وبالنتيجة فإن الشكل الذي تتعين فيه بنية اللغة أي الطريقة التي تترابط فيها الكلمات والعبارات تعكس إلى حـد كبـير بنيـة المشـاعر والانفعـالات.

وتبين دراسات عدة في هذا السياق أن انخفاض مستوى الأداء اللغوي الذي يعاني منه أبناء الفئات الشعبية يعود إلى جملة الأوضاع الاجتماعية الاستلابية التي يعانون منها. فالصعوبات اللغوية كما يعتقد أنصار النزعة الاجتماعية يعود إلى شـروط اكتسـاب اللغة التربوية والاجتماعية وليس إلى بنية اللغة الفطرية كما يزعم تشومسكي وأنصاره.

إن الاهتمام بتحليل مختلف أنماط التنشئة الاجتماعية ومختلف أشكال النمو في إطار مجتمع ما يشكل مجالا واسعا أمام علماء النفس لإعادة طرح مسألة اللغة وشروط تكونها ونمائها. فالطفل الذي يتحدر من وسط برجوازي ليس كالطفل الذي يتحدر من بيئـة عماليـة من حيث القدرة على استخدام لغة جيدة في التعبير وفي الحوار.

يحـاول بعض المفكرين في هذا السياق أن يفهموا الطفل في إطار انتمائه الثقافي ومن خلال دراسة نظـام المـواقف التـي توجـه سـلوكه ثم اختيار التوازن اللغوي القائم والتركـيز عـلى أهمية التنوع الثقافي وأثره على حياة الأفراد وعملهم. وبالنتيجة فإنهم غالبا ما يصلون إلى النتيجة التالية وهي إن اللامساواة اللغوية التي تنشأ بين الأطفال هي نتاج للتطور النفسي والاجتماعي الذي يركز عليه علماء النفس والاجتماع. إن إنكـار أهمية التنـوع الثقـافي ودوره في تشكل اللغة وفي تطورها يـؤدي إلى الاعتقاد بان ما يعانيه أطفال الفئـات الشـعبية من انخفاض في مستوى أدائه للغة هـو نـوع مـن التخـلف فـي مستوى القدرة على التحـصيل.

وعندما ننظر اليوم في نماذج بياجيه Jean Piagetلتطور الطفل معرفيا ولغويا، ولا سيما فيما يتعلق بالعمليات النفسية التي تسمح بالكشف عن فطرة النشاط اللغوي، وتساعد على إدراك مستويات النمو عند الأطفال الذين ينحدرون من مختلف الأوساط الاجتماعية، نستخلص أن أطفال الفئات الميسورة يصلون بدرجة مبكرة إلى إدراك العمليات العقلية واللغوية وفي ذلك تأكيد بعيد المدى لأهمية الوضعيات الاجتماعية في تشكل اللغة وفي تكونها.

لقد تطورت هذه النزعة الثقافية والعلمية لفطرية اللغة إلى بناء تصورات عرقية لغوية بالغة الخطورة. وقد تجلت هذه النزعة في تصورات بعض الأنتروبولوجيون الذين ذهبوا إلى حد القول بأن اللغة نتاج عرقي وأن مستوى لغة ما في الشكل والمضمون مرهون إلى حد كبير بمستوى العروق الإنسانية التي احتضنتها. ومن هنا يذهب بعضهم إلى تأكيد دونية بعض العروق ومحدوديتها على المستوى اللغوي أو دونية بعض اللغات قياسا على دونية العرق.

ومن أجل التأكيد في الوقت نفسه على وجود علاقة عميقة بين العرق واللغة فإنهم يزعمون أن هذه العلاقة العميقة كـانت فـي مرحلة تاريخية بعيدة جدا ( ما قبل التاريخ ) وذلك فـي اللحظـات التي تشكلت فيه العروق واللغات وذلك دون أن يبينوا لنـا الحـدود الفاصلة بين هذه المراحل التاريخية والمرحلة ما قبل تاريخية.

فاللغة بوصفها مرآه للشـعب الـذي يتكلمهـا تسـتطيع أن تعـبر بكلماتها وأصواتها عن ذهنية متكلميها وذلك لأن الشـعب يتوحـد فـي لغتـه ويعرف بها ومن هذا المنطلق يمكن للغة أن تعيق نمو شعب ما بتأثير خصائصها وبنيتها. وبعبارة أخـرى تترجم الفاقـة المعجمية للغة ما الدونية العقلية لمتكلميها. فالعرق الـذي تعـاني لغته من فاقـــة لغوية يعـاني هـو أيضا بـالضرورة مـن الفاقـة الفكرية. ويلاحظ أصحاب هذه النزعة أنه في سياق التطور الحضاري استطاعت العـروق الأكـثر أصالة وموهبـة أن تصل إلى مسـتوى التفكـير القواعدي وكل اللغات الأخرى زالت أو مازالت على طريق الزوال. حيث يـذهب هـوفلاك إلى تأكيد هذه الفكرة ويشير إلى أن لغة الباسـك ولغات الهنود الأمريكيين تعاني من الذوبـان والهـلاك فـي أشكالها الحالية.

لقد أفاض أنتروبولوجيو النصف الثاني من القرن التاسع عشر في أبحاثهم حول أصل اللغات ومستويات تطورها. ومن هنا بدأت تشكل نظرية فطرية اللغة منطلقا موضوعيا للقول بالطابع العرقي للغات الإنسانية وهنا يكمن الخطر والتحدي الذي يواجه الإنسان المعاصر. وغني عن البيان أن المقولات التي تؤكد على أصل اللغة الوراثي وأن اللغة أيضا مجرد موهبة عقلية تمنحها الطبيعة بعيدا عن حركة الحياة وتأثير النشاط الإنساني وإن إهمال دور الحياة الاجتماعية في بناء اللغة يشكل منطلقا لرؤية عرقية تجعل من اللغة مجرد عطاء بيولوجي صرف.

 إنه لمن الصعب علينا اليوم أن نحصي قائمة الأشكال اللغوية التي تنشأ خارج إطار المؤسسة المدرسية ففي أي مقيـاس ولمـاذا نجد معـايير اللغة مختلفة عند الطبقات الاجتماعية المختلفة ؟ ذلك هو السؤال الذي يجب على الدراسات والبحوث الاجتماعية أن تجيب عنه في إطار دراسة سوسيولوجية متكاملة. وفي ختام القول يترتب علينا القول بأن اللغة ظاهرة سوسيولوجية وثقافية بالدرجة الأولى وذلك مهما تكن الأبعاد الحقيقية لمقولة الأصول الفطرية للغة، ولمقولة اللغة بوصفها موهبة طبيعية وعطاء وراثي، فالأصول الاجتماعية والثقافية للغة حقيقة سوسيولوجية لا تقبل الجدل ولا يمكنها أن توضع في هامش الاعتبارات العلمية الحقة.

 

المراجع والهوامش

              1.علي عبد الواحد، اللغة والمجتمع، دار الكتاب العربية، القاهرة، 1951.

     2.امطـانيوس ميخـائيل : " الاشـكالات الفلسـفيه فـي فكـر تشومسكي اللغوية ", المعلـم العـربي. السنة الثالثة والأربعـون، العــدد 1، 1990، (صــص 26-32).

                              3.  Lefévre André , Essai de critique générale , étude de linguistique et de philogie , Paris , E.L., 1877.

                              4.  Vinson Julian , Coup d’oeil sur l’étude de la langue basque ,RLPS, Paris 1868.

                              5.  Nélia Dias , Langues inférieures et langues supérieures , in revue de Sciences en societé : Des sciences contre l’homme , Volume 1 , No8 ,1993.

                              6.  jean Perrot , La linguistique ,Que sais-je , N 570, P.U.F, Paris , 1989.

                              7.  ," L'handicape socio-culturel en question ", , E.S.F., Paris,. 1981.