131

 

الأصول الاجتماعية للتباين

 اللغوي عند الأطفال

 

توطئه :

اللغـة اختراع تفرد به الإنسان في مملكة الكائنات الحية، وهنا تكمن عبقرية الإنسان الـذي اسـتطاع أن يختزل الوقائع في رموز وصور وإشارات تتداخل في نظام لغوي بالغ التعقيد . ولقـد هيـأت اللغة، بوصفها ظاهرة اجتماعية نفسية بيولوجية ، المخاض لولادة فـروع علميـة، تبحـث في نشأة اللغة وتاريخها وأشكالها وقانونية وجودها . وقد أدى تطور الدراسات والأبحاث اللغوية الجارية ،اليوم ، إلى ظهور ميدان جـديد يتمثـل فـي دراسة اللغة وتطورها على ضوء العلاقة الجدلية التي تقوم بيـن اللغـة والحيـاة الاجتماعية . ويعود إلى دوركهايم  Durkheim، من بين علمـاء الاجتماع، فضـل السـبق في النظر إلى اللغة في جوانبها الاجتماعية، ويتبـدى ذلـك حين يقرر منذ البداية بأن اللغة ظاهرة اجتماعية ، أو "شيء اجتماعي" بالدرجة الأولى (1-314). وتجد رؤية دوركهايم هذه تعزيزا لها في أفكـار جـون ديـوي Dewey  الـذي ينظـر إلى اللغة بوصفها نمطا من السلوك الاجتماعي . هذا ويجمع كل من دوركهايم وديوي وساسور Saussure على أهمية العلاقة التي تربط بيـن اللغة والحياة الاجتماعية كما يجمعون على أهمية الشروط  الاجتماعية للغة بوصفهـا الإطار الموضـوعي لنمـو اللغة وتطورها وتباينها بتباين المجتمعات الإنسانية .

وفـي هـذا السياق ، يقول عالم النفس الأمريكي دينلاب Dunlap "انه يمكننا أن نعـرف أشياء كثيرة عن حياة الشعوب والأمم عن طريق دراسة وتحليل اللغات التـي تتكلمهـا " (2-99). وعـلى غـرار دينلاب يقول ساسور (1929) "إن جزءا كبيرا من العالم الحقيقي يوجد بشكل لا شعوري في العادات اللغوية لشعب ما" (2-99).

ومـن الطريف في هذا الخصوص ما يمكن للفاحص أن يتلمسه في الأدب العربي من إشـارات وتلميحـات طريفـة تنطـوي عـلى أبعـاد سوسيولوجية تدل على أهمية العلاقة القائمة بين الوسط الاجتماعي واللغة ، كما تدل على أهمية ودور الحياة الاجتماعيـة فـي صقل اللغة عند الإنسان . ومن المعروف تاريخيا أن العـرب كـانوا يرسـلون أبنـاءهم للعيش فـي أحضـان القبـائل العربية في الباديـة لتعلم الأصالة اللغوية واستئصال العجمة واللحن الذي يعتري لسان أبنـائهم . ومـن طـرائف نـوادر العرب ، التي تحمل دلالة عميقة للعلاقة بين اللغـة والحيـاة الاجتماعية ، الشاعر الرصافي الذي لقي أحد الأمراء لأول مرة في البادية فقال فيه مادحا:

 أنت كالكلب في حفاظك للود          وكالتيس في مقارعة الخطوب

ولكن قريحة الرصافي  صقلت عندما عرف حضارة بغداد فأبدع في قوله للشعر وسجل له الأدب العربي مفاخر شعرية منها قوله :

 عيون المها بين الرصافة والجسر    جلبن الهوى من حيث أدري ولا أدري

وفي هذه الطرفة دليل كبير على أهمية الوسط الاجتماعي في تكون القرائح وفي تشكيل المواهب الأدبية واللغوية .

وإذا كـانت العـرب قـد أدركـت منـذ زمـن بعيد أهمية العلاقة التي تربط بين اللغـة والوسـط الاجتماعي ، فان علم اجتماع اللغة اليوم يحاول ، وذلك عبر سـيل مـن الدراسـات والأبحاث الجارية أن يحدد قانونية هذه العلاقة ،  وان يبين المحـاور الأساسية التي ينتظم فيها ومن خلالها تأثير الحياة الاجتماعية بما تشـتمل عليـه مـن متغيرات وظواهر في تحديد الأنماط اللغوية وأشكالها . ومن أجـل إلقاء الضـوء عـلى طبيعة الإشكالية الاجتماعية للغة تكرس هذه المقالة نفسـها مـن أجـل تقصـي جـوانب هـذه العلاقة والكشف عن قانونيتها عبر عملية استعراض للاتجاهات السوسيولوجية اللغوية المعاصرة .

جدل العامية والفصحى في أدبيات علم الاجتماع اللغوي :

تعـد الفصحـى الشكل اللغوي الأكثر تطورا في بنيتها المنطقية، وفيما تنطوي عليـه مـن دلالات فنية وجمالية ، وهي الشكل اللغوي الذي يواكب حركة التطور الفكـري والعلمي ويشكل إطاره الرمزي . ويتميز هذا الشكل اللغوي عن غيره وفقا لرؤية برنشتاين السوسيولوجية بالسمات التالي :

1- تأخذ الكلمات والعبارات مكانها في سباق قواعدي دقيق .

2- تعتمد على درجة عالية من التسلسل المنطقي والعلاقات المنطقية التي تقوم بين الأشياء وبين الزمان والمكان .

3-  تميل إلى استخدام الضمائر غير الشخصية مثل : هو هي هم .

4- غنية بالظروف والصفات وحروف الجر ذات الدلالة المنطقية .

وهـذا يعني أن الفصحى ، أو اللغة الرسمية كما يطلق عليها برنشتاين ، تشكل نظاما منطقيا متكاملا يمكن الإنسان من التفكير الرمزي المجرد (4-73) . وعلى خلاف ذلك تنقسم اللغة المحكية ( العامية ) بالسمات التالية :

1- تكـون عباراتهـا قصـيرة هـي غالبـا عبارات غير كاملة تفتقر إلى البنية القواعدية وتتميز بضعف البنية العامة.

2- تميـل هـذه اللغـة إلى تـوظيف التعبـيرات الحسـية المجسـدة كالإشارات والإيماءات.

3- استخدام محدود للصفات والظروف .

4-  تنطـوي عـلى تكـرار اسـتخدام أدوات الـربط الطفيلية مثـل : فـإن ، لأن ،وبالتالي ، وهكذا .

5- استخدام محدود الضمائر غير الشخصية مثل : هو هي هم .

6- تنطـوي عـلى تـأكيدات تأخذ صيغـة الأسئلة الغامضة مثل :تصور ذلك ، هذا طبيعي أليس كذلك .

7- هناك خلط عميق بين الأسباب والنتائج .

8- مستوى الاستخدام الرمزي يتميز بالغموض والعمومية .

وفي إطار المقارنة بين النموذجين اللغويين يمكن أن تبرز ما يلي :

1- اللغـة الرسـمية لغـة تعتمـد التسلسـل المنطقي والنحوي على خلاف اللغات المحكية .

2- تميـل اللغة الرسمية إلى الرمزية بينما يمثل اللغة المحكية إلى الحسية كالإيماءات والإشارات الجسدية .

3- بينمـا تتجـه اللغة الرسمية إلى استخدام الضمائر غير الشخصية مثل : هو هـي ، هـم تـنزع اللغة المحكية إلى التركيز على الأنوية أي استخدام اللغة الشخصية مثل أنا ونحن . وهذا يعني ابتعاد اللغة المحكية عن مبدأ الموضوعية.

4- تتجـه اللغة الرسمية إلى الموضوع بينما تنزع اللغة المحكية إلى النهوض في تراكيبها ودلالاتها الرمزية .

الأصول الاجتماعية للتباين بين أنماط اللغة العامية:

يـرى برنشـتاين أن الوسـط الاجتماعي يحدد مستوى اللغة وشكلها عبر أواليات اجتماعية متعددة . ويمكن أن نميز في إطار اللغة العامية نسقا من النماذج (لهجات محلية) المتباينة إلى حد ما ، ومثال ذلك لغة الفلاحين ، لغة العمال ، ولغة الفئات المتوسطة . فالفئات المتوسطة تستخدم وشأنها في ذلك الفئات الاجتماعيـة الأخرى لغـة خاصـة بها وهي ومتباينة عن النماذج اللغوية التي تسـتخدمها الفئـات الاجتماعيـة الأخـرى ، وهـي بـالطبع النمـاذج اللغوية المستخدمة في إطار الحياة اليومية والعائلية .

ويضـاف إلى ذلك أن مستوى ونمط كل نموذج لغوي فئوي يتباين عن اللغة الرسمية ( الفصحـى ) بدرجـات مختلفة تتحدد بطابع ومستوى الحياة الاجتماعية لكل وسط اجتماعي خاص . إن النظر إلى اللغة كنظام اجتماعي متكامل أمر يقتضي منا أن ننظر إلى اللغة بوصفها نظاما للإدراك والاتصال والمعرفـة وهـذا يعنـي أنـه يجـب أن ننظر إلى اللغة بوصفها معطى اجتماعي يتحـدد ويتشـكل فـي إطار الوسط الاجتماعي شكلا ومضمونا. وفي إطار الوسـط الاجتماعي يمكـن أن نحـدد جملـة مـن العنـاصر الأساسية التي تمارس تأثيرهـا عـلى تحـديد شـكل النماذج اللغوية ويمكن أن نذكر منها العوامل التالية :

1- المعطيات المعرفة للوسط الاجتماعي .

2- المعطيات المادية للوسط الاجتماعي :الأشياء التي توجد في إطار الوسط .

3- نمـط العلاقـات الاجتماعيـة السـائدة فـي الوسط المعني ، وعلى الأخص مستوى السلطة ومدى التفاعل الاجتماعي في الوسط .

وفـي إطار ذلـك يمكـن القـول بـأن لكـل وسـط اجتماعي معطياته الفكرية والماديـة ونمـط علاقـات اجتماعيه سائدة فيه. ويترتب على ذلك وجود نوع من التبـاين فـي مستوى ومضمون وشكل اللغة التي تسود في إطار كل وسط اجتماعي محدد . فاللغـة نظـام للاتصال ، ليس مع الآخرين فحسب ، بل هي نظام للاتصال مع الوسط الاجتماعي بمعطياته المعرفية والإدراكية . ويستنتج من ذلك كله ، على سبيل المثال وليس الحصر ، أن الوسط العمالي يتباين إلى حد ما عن وسط الفلاحين فيمـا يتعلـق بنظـام الإدراك المعـرفي ، كمـا يتمـايز عنـه بخصوص العلاقات الاجتماعيـة السـائدة فيـه . ويضـاف إلى ذلـك التباين الذي يتجسد في الشروط المادية الموضوعيـة التـي تحـيط بالوسطين . ومن شأن ذلك كله أن ينعكس على البنية اللغوية والاتصالية والرمزية القائم في كل وسط من الأوساط المعنية .

وفـي هذا الخصوص ، يلاحظ على سبيل المثال ، أن المفردات اللغوية عند أبناء الفلاحـين تخـتلف ، فـي نوعيتهـا ومدى غناها عن المفردات ، التي توجد عند أبنـاء العمـال . وبالتـالي فـإن التبـاين القائم بين النموذجين اللغويين يمكـن أن يؤخـذ عـلى أنه مؤشر للتباين القائم بين معطيات الوسط الاجتماعي لكـل فئـة اجتماعيه. فالنظام الإدراكي عند العمال يميل إلى التركيز على تحديد العلاقات المنطقية السببية القائمة بين الأشياء بينما يميل الفلاحون إلى نمـط إدراكي آخـر، تـأخذ فيه الصدفة دورا أساسيا، وذلك بحكم شروط الحيـاة الإنتاجيـة الخاصة للعمل الزراعي عند الفلاحين : فسقوط الأمطار، على سـبيل المثـال ، لا يرتبط بقانونية وضعية وذلك في البلدان التي تسود فيها أنمـاط الإنتاج الـزراعي التقليدي . ومثل ذلك التباين في النظام الإدراكي المعرفي ينسحب على الفئات الاجتماعية الأخرى أيضا . وفي هذا السياق يرى برنشـتاين أن أبناء العمـال يميلـون إلى المعرفة الوصفية بينما يميل أبناء الفئـات الوسـطى إلى إدراك ذو طابع تحليلي ، يتمركز حول الدلالات الرمزية.

ويصـف برنشـتاين الفـروق القائمـة بيـن الأنظمـة الإدراكية لكـل من الفئات المذكورة : على النحو التالي :

يشـدد النظـام الإدراكـي عنـد أبنـاء الفئـات الوسطى على أهمية العلاقة بين الوسائل والغايات على المدى البعيد ، ويميل إلى إبراز التباين القائم بين الأشـياء، ويمكـن مـن تـوظيف التدابير المناسبة لتحقيق الغايات البعيدة . وعلى خلاف ذلك يميل النظام الإدراكي الخاص بأبناء العمال إلى التركيز على اتخـاذ القـرارات الآنيـة، ويلاحـظ هنـا غيـاب أهميـة العلاقـات الممكنة بين الوسائل والغايات وعلى خلاف ذلك يميل ذلك النظام إلى إبراز أهمية التجانس في بنية الأشياء لا أهمية الفروق القائمة بينها (4-69).

ومـن الأهمية بمكان هنا الإشارة إلى طبيعة التفاعل بين الإدراك واللغة وذلك إذ يمـارس كـل منهمـا تأثيره على الآخر في علاقة جدلية متواصلة حيث يعمل كل منهمـا عـلى إغناء الآخـر أو إفقاره . وهذا يعني أن التباين بين الأنظمة الإدراكيـة الاجتماعية من شأنه أن يحدد مستوى اللغة وشكلها وطابع تطورها عند أبناء كل فئة اجتماعية معينه .

ويمكن القول اختصارا ، إن الظروف الاجتماعية المادية والمعرفية الخاصة بكل وسـط اجتماعي تحـدد النموذج اللغوي السائد من حيث الشكل والمضمون لكل فئـة اجتماعيـه فـي إطار المجـتمع الكبـير ، ويتم ذلك كله بموجب عمليات نفسية واجتماعية بالغة الأهمية والتعقيد.

 مستوى التباين اللغوي بين الفئات الاجتماعية :

يتحـدد شـكل اللغـة ومستواها، كمـا بينـا أعلاه في إطار الظروف الاجتماعية السـائدة لكل وسط اجتماعي محدد . والسؤال الذي يطرح نفسه هنا ما حدود ذلك التباين وكيف يمكن تقييم مستوى اللغة عند كل فئة اجتماعية ؟ والإجابة على ذلـك ليست معقدة من حيث المبدأ، وذلك لأن اللغة الرسمية السائدة ( الفصحى ) تشـكل معيـارا لتحديد مستوى تطور وفعالية ونمو الأنماط اللغوية الاجتماعية المختلفة. ومـن أجل قياس ذلك ، يتم حساب مدى التباين القائم بين اللغة الرسـمية بوصفهـا النمـوذج المثالي لحركة اللغة ونموها . ويتم أيضا وضع مـدرج لمستوى التقارب والتباعد اللغوي تحتل فيه كل لغة مكانها المحدد . وغالبا ما يتم اعتماد مؤشرات عديدة مثل مستوى الدلالات الرمزية القائمة في كـل نمـوذج لغـوي ، ومدى التماسك المنطقي ، وغنى المفردات ، ومدى الانسجام مـع البنـى النحوية ، ومعيار طول الجمل أو قصرها، وذلك لتحديد مستوى تطور كـل نمـوذج لغـوي محـدد . وتشـير دراسات  إلى  أن لغة الفئات الاجتماعية الوسطى تتجانس إلى حد كبير مع طابع ومستوى اللغة الرسمية ( الفصحى ) وذلك على خلاف الفئات الاجتماعية الأخرى كالفئات العمالية والفئات الفلاحية.

ويرجـع البـاحثون ذلـك التقارب الملاحظ بين النماذج اللغوية لأبناء الفئات الاجتماعية الوسـطى والنماذج اللغوية الرسمية ، إلى بعض السمات الثقافات الفرعيـة الخاصـة بأبنـاء هـذه الفئـات والتي تنطوي على السمات الثقافية التربوية التالية :

1- البيئة الاجتماعية المنظمة لأبناء الفئات المتوسطة .

2- يجري سلوك أبناء هذه الفئة وفق منظومة واضحة من الأهداف والغايات.

3- يوجد نظام تعزيز معياري ثابت فيما يتعلق بالثواب والعقاب .

4- يربط مستقبل الأطفال بمصيرهم المدرسي .

5- تتسم البيئة الوسطى بأنها بيئة عقلانية منظمة.

6- تتيح هذه الفئة لأبنائها مزيدا من حرية التعبير والتواصل.

7- تؤكـد هذه البيئة على أهمية التعبير عن المشاعر الانفعالية عند الأطفال . وفـي هـذا الخـصوص ، يقـول برنشتاين :  " تنظر الأسرة المتوسطة إلى الطفل بوصفـه فـردا ذا شخصية وهي تتعامل معه كما هو، بالتالي فإنها تستخدم بنى لغوية من اجل التعبير عن الفردية" ( 4 - 69 ).

 

 جدل العلاقة بين التباين الاجتماعي والتباين اللغوي عند الأطفال :

يلاحـظ البـاحثون ، في عدد متواتر، من دراساتهم أن تباين اللغة بين الأطفال يعـود إلى التبـاين الاجتماعي والثقـافي القـائم بيـن أوساطهم الاجتماعية المرجعيـة ، وان مسـتوى لغـة الطفـل يتحدد بمستوى وطابع الحياة الاجتماعية والثقافية للوسط الذي ينتمي إليه .وتشير الدراسة التي قامت بها موربيت كايو Mouriettee Gayaux  حول التباين الحـاصل فـي مسـتوى اللغـة وفقـا للأصـل الاجتماعي الاقتصـادي إلى النتائج التالية: (5-35).

1-  يعطـي أطفال الفئات الميسورة، ثقافيا واجتماعيا ، جملا كاملة ، من حيث طـول الجملـة ودلالتهـا، وذلـك بغـض النظـر عـن مسـتوى وصولهم إلى المستوى الإجرائي لجـان بياجيه . وعلى خلاف ذلك ، فان خيارات الأطفال ، الذين ينتمون إلى أوساط فقـيرة ، كـانت غـير كاملة على الرغم من وصولهم إلى المرحلة الإجرائية.

2-  تأكد للباحثة أن التراكيب اللغوية تتأثر إلى حد كبير بالوسط الاجتماعي ، وبالتـالي فان النموذج اللغوي المستخدم يترجم نموذجا اجتماعيا محددا. ومـن اجـل إلقاء المزيـد من الضوء على طبيعة التباين اللغوي الملاحظ عند الأطفال ، وفقـا لمتغير الانتماء الاجتماعي ، لا بد من استعراض بعض المحاور التي تؤخذ على أهمية الوسط المرجعي في تكٍون اللغة وفي تشكلٍها. وفي هذا الصـدد ، يقول تشومسـكي " إن الطفل يولد وهو مزود بقدرة فطرية خاصة بتعلم اللغـة [...[ وان هـذه القـدرة تميل إلى النشاط بين الشهر الأول من العمر والسـنة الخامسـة ثم تبدأ هذه القدرة بالضمور بعد أن تكون قد أدت الغاية من وجودها" (6-2).

ومـع أن تشومسـكي يـرفض أهمية الوسـط الاجتماعي في تعلم اللغة، ويرى أن اللغـة حالـة فطريـة بنائيـة ، فانـه فـي مقولتـه هـذه يؤكـد أهمية الوسط الاجتماعي وخاصـة في مرحلة السنوات الخمس الأولى من حياة الطفل حيث يتشكل الطفل نفسـيا، وتتحـدد لغتـه ، مـن حـيث البناء والمضمون . وتؤكد مدرسة التحـليل النفسـي عمومـا، أن الطفـل يتشـكل نفسـيا وانفعاليا في السنوات الخـمس الأولى مـن العمـر ، ويـرى جـان لاكان : إن اللاشعور ليس سوى ركام من المفردات اللغوية،" والإنسان لا يعدو أن يكون ، بالنسبة إليه، سوى كيان لغوي يتكـون مـن خـلال اللغـة، واللاوعي هو كيان وبناء لغوي خالص " (7-44). وإذا كان لاشـعور الإنسان يتمثـل فـي الخبرات والتجارب التي يعيشها الفرد ، في مراحـل حياته الأولى ، فان الوسط الاجتماعي يلعب دورا فعالا في عملية تحديد السمات الأساسية للبنية اللغوية عند الأطفال بوصفها لاشعورا. وفـي هـذا السباق يقول جيروم برونو " يجب أن نبحث عن الأصول النشوئية للغة خارج اللغة، وفي أشكال من الفعل البشري الذي تتحقق من خلالها عملية انعكاس الواقع الخارجي وتشكل الصورة الذاتية للعالم " (8-31).

ولا تعـدو لغـة الطفـل أن تكـون سـوى اللغـة التي يكتسبها في مرحلة طفولته المبكـرة وفـي إطار الوسط الاجتماعي المبكر . وهي اللغة الأولية التي تتمازج مـع فكـر الإنسان وعواطفه وتعبر عنها. وفي الوقت الذي تتباين فيه الأوساط الاجتماعية فان التباين ينعكس دون شك على بنية اللغة وشكلها.

 

 اللغة والنجاح المدرسي :

 

تـبرز أهمية اللغـة الحاصــلة في تأثيرها على مستوى النجاح المدرسي الذي يحققه أطفال الفئات الاجتماعية المختلفة. ولا تعدو لغة المدرسة في كثير من جوانبهـا المعرفيـة أن تكون إلا صورة عن اللغة الرسمية التي تسود في إطار الحياة الاجتماعية.

ويلاحـظ البـاحثون أن الأطفال ،الـذين يتحـدرون مـن أوساط اجتماعية عليا، يسـتطيعون تحـقيق نجـاج أكبر بالقياس إلى أبناء الفئات الاجتماعية الدنيا. ويرجـعون ذلك إلى وجود تماثل وتجانس بين الثقافة المدرسية وثقافة الأوساط الاجتماعية الميسورة وخاصة فيما يتعلق باللغة بوصفها المؤشر الثقافي الذي يحدد مستوى ثقافة اجتماعية ما. ولاتقـف دلالـة اللغـة، التـي يتكلمهـا الأطفال في المدرسة، على دلالة اللغة كمـادة تـدرس وأنها ترتكز على دلالتها الاتصالية التكيّفيه وعلى جوانبها الثقافية بوصفها نظام معرفي اجتماعي.

عندمـا يصـل أبنـاء أبناء الفئات العمالية إلى المدرسة، يجدون أنفسهم في أوساط ثقافيـة مباينـة لثقـافتهم ، ويجدون أنفسهم إزاء لغة تختلف عن لغة الوسـط الـذي يعومـون فيـه، ومـن هنـا ، بـالذات ، تـأتي إشكالية الإخفاق المدرسـي. وفـي هذا الصدد ، يقول بودلو واستابليه " إن لغة المدرسة لا معنى لهـا بالنسـبة الأطفال الفئـات الاجتماعيـة المحرومة ، وذلك لأنها لا تعبر عن تصوراتهم وطرق حياتهم وأنماط تفكيرهم ، واللغة المدرسية تجعل من المدرسة بالنسـبة لهـم عالما غريبا لا يستطيعون العوم فيه. وعلى خلاف يجد ذلك أبناء الفئات الاجتماعية الميسورة في ثقافة المدرسة مدٍا طبيعيا لثقافتهم ، وفي لغتهـا اسـتمرار لتطـور وجـودهم اللغوي ، وذلك يشكل منطـلقهم في النجاح والتفوق المدرسيين (9).

وينظـر جـورج سـيندر Synders George إلى التعـارض بيـن لغة المدرسة ولغة العمـال " عـلى انـه تعـارض كلي وشامل " (10). ومن شأن ذلك أيضا أن يؤدي إلى إخفاق أبناء الفئات الاجتماعية المحرومة. إن عـدم قـدرة أبناء الفئات الشعبية على مواكبة النجاح المدرسي دفع عددا مـن البـاحثين إلى تقصـي هـذه الظاهرة. وبدأت الدراسات الجارية في هذا الميـدان تشـكل اتجاهـا نظريا متكاملا حول مسألة اللغة والإعاقة اللغوية.

 العوامل الأسرية المؤثرة على نمو اللغة عند الطفل:

يتحـدد المسـتوى الاجتماعي للأسرة فـي ثـلاث مستويات أساسية وهي : المستوى الثقافي والمستوى الاقتصادي وأخيرا المستوى المهني . وتتداخل هذه العوامل لتشـكل مـا يطلق عليه المستوى الاجتماعي للأسرة. وفي جانب آخر تنطوي الأسرة عـلى عـامل بـالغ الأهمية يتعلق بالتفاعلات الاجتماعية القائمة بين أفرادها ونمط التنشئة الاجتماعية السائد فيها. ومن حيث المبدأ يرى الباحثون أن مستوى الأسرة الثقافي يؤثر بشكل مباشر عـلى مسـتوى النمـو الانفعالي والمعـرفي واللغـوي عنـد الأطفال . وعــلى المستوى اللغوي يلاحظ أن أجواء الأسرة تشكل مناخا لغويا مناسبا كلما ارتفع مسـتوى تحـصيل الأبـوين التعليمـي والثقـافي . ونعنـي بالمنـاخ الأسري جملة المثيرات اللغوية والثقافية التي تتمثل بسلوك الأبوين الثقافي ، فالآباء الـذين يتميزون بارتفاع سويتهم الثقافية ، غالبا ما، يحيطون الطفل بشلال مـن العبـارات اللغوية المتكاملة التي يكتسبها الطفل بشكل عرضي ولا شعوري وشعوري أحيانا . وهم بذلك يشكلون مناخا لغويا مناسبا لنمو السلوك اللغوي عند أطفالهم . وفي أغلب الأحيان يلجأ الآباء المثقفون إلى استخدام الأساليب الديمقراطيـة فـي علاقاتهم مع الأطفال ، ويتركون لهم حرية التعبير الحر عن ذواتهم ونشاطاتهم وهم يساعدون الأطفال على تطوير أنماط سلوك لغوية متطورة ومتقدمة .فالأسر ذات المستوى الثقافي المتطور يمكن أن تتيح للطفل ما يلي :

1.فرص متنوعة للتعليم داخل المنزل .

2.مفردات لغوية متطورة وغنية .

3.أسلوب لغوي متميز ومتطور .

4.يجد الطفل إمكانية واسعة لتصحيح أخطائه اللغوية .

5.غالبا ما يجد الطفل المثيرات الثقافية في الكتب والمجلات والصحف .

6.غالبـا مـا تكـون الأحاديث التي تدور بين الأبوين أو الأصدقاء ذات مضمون اجتماعي ثقافي متطور وهذا من شأنه أن ينعكس على مستوى لغة الطفل .

7.تميـل العلاقات السائدة في وسط الأسرة إلى تحقيق حرية واسعة في التعبير .

وعـلى خـلاف ذلـك عندمـا يكـون مسـتوى الأبوين متدنيا في السلم الثقافي أو التعليمـي فـإن الطفـل يجـد نفسـه فـي بيئـة لا تساعده على نمو استعداداته العقليـة واللغوية .وبالطبع فإن ذلك يؤثر على تطوره الفكري واللغوي اللاحق .

وعـلى المسـتوى الاقتصـادي يلاحـظ أن الأسـر الميسـورة تستطيع دائما أن تقدم مسـاعدات هامـة في مجال تطوير المستوى العقلي واللغوي عند الطفل وذلك عن طـريق تـأمين احتياجاتـه المختلفـة ، وغالبـا مـا يقترن المستوى الاقتصادي بالمسـتوى الثقـافي للأسرة ويصبـح منـاخ الطفـل أفضـل عندما تقترن السوية الثقافية العالية للأبوين بسوية اقتصادية ومهنية عاليتين .

 

خلاصة :

الحـديث فـي شأن اللغة وأحوالها الاجتماعية أمر بالغ الأهمية والتعقيد . ولا تسـتطيع مقـالات كهـذه أن تنـير الجـوانب المختلفـة لهذه المسألة . إن ما قدمنـاه على متن هذه المقالة المتواضعة لا يشكل سوى محاولة بسيطة حاولنا فيهـا تسليط الضوء على جوانب التباين اللغوي الذي يعود إلى منشأ اجتماعي . ونـأمل أن نكـون قـد قدمنا صورة أساسية موجزه لطبيعة التفاعل الذي يقوم بين اللغة والأوساط الاجتماعية المختلفة .

وإذا كـان مـن كلمة أخيره تقال فإنها دعوة إلى الباحثين تحدوهم إلى تقصي أبعـاد هـذه المسـألة ميدانيـا فـي الوطن العربي وإلى اختبار عدد كبير من الافتراضـات النظريـة التـي وجـدت مـن يعنـي بهـا في بعض البلدان الأوروبية المتقدمة .


 

 

 

 المراجع والهوامش

  1.  Madeline Grawitz : " Methodes des Sciences sociales" , Dalloz , Paris, 1984..

  2.  Gilbert-Durand ," Sociologie moderne" , Bordas , Paris, 1969

3.علي عبد الواحد، اللغة والمجتمع ، دار الكتاب العربية ، القاهرة ، 1951 .

4.Alain- Gras ," Socilogie de l'education ", Textes fondamentaux , Larousse, Paris , 1974 .

5.," L'handicape socio-culturel en question ", , E.S.F., Paris, .1981. 

6.مزينه الخطيب ، "معضلة القصور اللغوي عند الطفل "، كلية التربيه ، جامعة دمشق ، 1987 .

  7.  Jean Marie Domenache: " Enquete sur les idées contemporaines ", Seuille , Paris, . 1981. 

8.امطـانيوس ميخـائيل : " الاشـكالات الفلسـفيه فـي فكـر تشومسكي اللغويه ",

9.المعلـم العـربي . السـنه الثالثـه والأربعـون ، العــدد 1 ، 1990 ، (صــص (26-32 (

10.. Baudelot.C.C- Estabelet.C.R.," L'ecole capitaliste en  France" , Paris , Maspero.1982 ,

11.Synders George :" Ecole Classe et Lutte des Classes ", P.U.F., Paris , 1971