380

بقلم :أ.د.علي أسعد وطفة

كلية التربية - جامعة الكويت

 

 

 

أنتربولوجيا اللغة والعرق

 

وُظفت الاثنولوجيا "علم السلسلات" قديما وما زالت توُظف لخدمة آراء واتجاهات رفضتها الإنسانية والتاريخ. وها هو علم اللغة يحث خطاه في أثر هذه الاثنولوجيا العنصرية لينافح بدوره عن النزعة العرقية. الخطر هنا أن العنصرية ليست هذه المرة في لون الجسد وحجم الجمجمة بل في عطاءات الروح والقدرات العقلية الإنسانية.

لم يكن نداء البروتستانتي الساخط "ميشيل بريال" الذي انطلق عام 1891 مفاجأة إذ يبين واقع الحال أن هناك عددا من الأنتربولوجيين واللغويين الذين طرحوا مسألة ثنائية اللغة والعرق وذلك منذ عام 1870 وشكلت هذه الطروحات منطلق الأحداث السياسية في ثنائية اللغة والأمة التي تجسدت عموما في النظرية الألمانية للغة والتي تركز على الدور الحيوي للغة في الوجود القومي. فاللغة هي التي تصوغ الأمة وتحدد ملامحا الحضارية.

وإذا كانت العلاقة بين اللغة والأمة قد شكلت محور الجدل في عصر القوميات وخاصة بين النظرية الألمانية والفرنسية في القرن التاسع عشر، فإن هناك عددا من الأنتربولوجيين الذين أولوا مسألة العلاقة بين اللغة والعرق أهمية خاصة وجعلوا من هذه المسألة محورا للابحاث والدراسات العلمية الأنتربولوجية وذلك في مجرى القرن العشرين.

لقد شهد علم اللهجات انطلاقة هتمة في فرنسا منذ عام 1880 وذلك على المستوى العلمي أعمال آدم خيلييرون ودوسلو وتورتلون ومن هنا بالذات بدأ إهتمام الأنتربولوجيين باللهجات العامية وبدأ الجدل يدور حول العلاقة بين العرق واللغة، وحول نمو اللغات وانحطاتها.ولا يمكن لنا هنا أن نتجاهل أهمية الأطروحات الإيديولوجية والسياسية التي بدأت تلعب دورا هاما في هذه المرحلة.

وكاستجابة للأطروحات الإيدولوجية بدأت الأنتربولوجية الفرنسية تكرس نفسها لتبرير وجهة النظر الفرنسية حول مسألة اللغة والقومية وأبرزها أهمية اللغة الفرنسية والدعوة إلى سيدتها على اللغات االمحلية والإقليمية المحدودة...

المدرسة الفرنسية:

منذ عهد بيلمونباش والانتريولوجيون يصبون جهودهم لدراسة السمات الفيزيائية بوصفها المحددات الأساسية للهوية العرقية والتباين السلالي. وعلى خلاف ذلك يركز أنتربولوجيو اللغة على أهمية السمات اللغوية والاصطلاحية في تحديد الإنتماء العرقي.

ومن هذا المنطلق يؤكد بول بروكا 1824-1880 مؤسس معهد باريس الأنتربولوجيا على أهمية السمات الثقافية وخاصة اللغوية منها في التحديد العرقي كما يبين محدودية السمات الفيزيائية وجمودها وقصور دلالتها. وهو في إطار ذلك يبرز أهمية السمات الفيزيائية عندما يتعلق الأمر بالتصنيف العرقي.

والحق يقال أن الإهتمامات النظرية، الخاصة بالاختلاط العرقي وتداخل الأحوال السلالية في فرنسا، أدت إلى تقارب كبير بين وجهات النظر عند الأنتربولوجيين واللغويين...

يحاول بروكا في معرض أبحاثه الخاصة بالنقاء العرقي أن يبرهن دون شك على وجود الاختلاط العرقي في فرنسا وهو ينطلق من ذلك ليؤكد أن ذلك الاختلاط لم يؤدي إلى انحتاط عرقي كما يعتقد آرثور دوغوبينو ويبين بروكا أيضا أن الشعب الفرنسي قد تكون تحت تأتير تقاطع عرقي جعلت منه عرقا مركبا وذلك من وجهة نظر لغوية. وإذا كانت بعض اللغات الكولوازية والفانانية قد بقيت واستمرت في الوجود فإن ذلك قد حدث بفضل عزلة سياسية واجتماعية عديدة جعات هذه اللغات بعيدة عن تيار التأثير الخارجي.

وهنا يعتقد بروكا أن التحولات السريعة يمكن أن تحدث تحت تأثير فعاليات الاحتكاك الخارجي، أو تحت تأثير ظروف سياسية أو اجتماعية خاصة.إن القراءة المنهجية لأعمل بروكا تضعننا أمام فكرتين أساسيتين، أولهما أن دراسة اللهجات المحلية تمكن من دراسة المكونات العرقية للأمة، وثانيهما أن اختفاء أو إستمرارية  بعض اللهجات المحلية تمكن من دراسة المكونات العرقية السياسية. والاجتماعية القائمة وعلى أثر بروكا ينطلق فيلكس دورانس لدراسة اللهجات في المناطق الجغرافية التي بلغ فيها الاختلاط العرقي أشده وفي هذا السياق يبرز أهمية اللغة وينظر إليها بوصفها منطلقا لروح الشعب وإبداعه ومن أجل دراسة روح الشعب يجب أن ننطلق في ذلك من لغته. فاللغة في مرحلة تكونها تتأثر بطابع البنية النفسية لمتكلميها أي أن هناك علاقة خفية بين اللغة والشعب فاللغة مرآة للشعب الذي يتكلمها وهي تستطيع عبر كلماتها وأصواتها أن تعبر عن ذهنية وذلك يعني أن الشعب يتوحد مع لغته ويعرف بها.

وإن كان جوليان فانسون المتخصص في لغتي الباسك والتامول وأستاذ اللغة في مدرسة اللغات الشرقية، يولي المسألة إهتمامه فإنه يضفي على أبحاثه خاصة التوازنات العاطفية. وهو في سياق أعماله يقدم حججا بالغة الأهمية لتفسير وتحديد العوامل التي أدت إلى فناء اللغة الباسكية. وتتميز محاججته هذه بدرجة عالية من التماسك الداخلي الأصالة المنطقية فاللغة الباسكية من أقوم اللغات على الأرض الفرنسية وبناء على ذلك فإنها تثير إهتمام اللغويين بوصفها لغة قديمة جدا، ويشير جوليان إلى وجود قرابة بين لغة الباسك واللغات الأمريكية والآسيوية والإفريقية.

   وقد يشكل ذلك ذريعةالإعتقاد بوجود قرابة عقلية وأخلاقية بين هذه الشعوب.! لم تشهد اللغة الباسكية، والرأي هنا  دائما لجوليان فانسو، أي تطور وذلك منذ عهد قديم، وتشهد على ذلك محدودية مفردتها وهي تشمل على مفردات كاسكونية وبيرانية وفرنسية وإسبانية ولاتينية، وهي مفردات تعبر عن دلالات مادية مجسدة فحسب. وهنا يريد جوليان أن يشير إلى الفاقة المعجمية للغة ما بوصفها دونية عرقية، فالعرق الذي تعاني لغته من فاقة لغوية يعاني هو أيضا وبالضرورة من فاقة فكرية.

ويعتقد فانسون في هذا السياق أن اللغة المتخلفة تحدد المكانة الحضارية للشعب الذي يتكلمها، وتنطوي المكانة الحضارية هذه على جانب الشخصية الأخلاقية. وإنطلاقا من هذه الخصوصية فإن الشعب الباسكي يعاني من حالة سبات تاريخية عميقة تناسب إلى حد كبير الهيمنة الإيدولوجية السائدة وخاصة الدينية، والسؤال الذي يطرحه فانسون هو لماذا حافظ الباسك على تخلفه وسباته؟ والجواب هو لأنه حافظ على لغته.

لقد أدت اللغة الباسكية إذن إلى إخفاق حضاري للشعب الباسكي، ومن أجل تحريض ذلك العمل على تفجير إطره اللغوية.ووفقا لذلك فإن إختفاء اللغة الباسكية يصبح مطلبا حيويا وحضاريا، فاللغة الجامدة تصبح عقبة أمام نداءات التربية العقلية الخاصة بشعب ما.

وبالنتيجة يجب على الشعب البياسكي أن يتحرر من لغته وأ، يحكم عليها بالموت إذا أراد حقا أن يتحرر من عبوديته وتخلفه. ولا بد لنا في هذا السياق من الإشارة إلى أن محاججة فانسون ليست من طبيعة سياسة ولكنها على خلاف ذلك تبدو مشبعة بالطبع الإيدولوجي.

البناء البيولوجي:

يميز شيلشر ثلاث مراحل في تطور اللغات الإنسانية، التي تبدو من أحادية المقطع إلى مستوى التفكير رورا بمرحلة تعدد المقاطع المتكاملة. وتقوم هذه النموذجية على أساس التحليل الداخلي لمنطق اللغة وعلى أساس البنية المورفولوجية للغة وهي بذلك تهيء إطار متكامل للتحليل يوضع في خدمة الأنتربولوجيين الذين يبحثون في جوانب هذه المسألة: العلاقة بين اللغة والعرق وحدة وتعدد العروق الإنسانية، وفي إطار تصوراته المطروحة يشير شيلشر إلى وجود عوامل موثرة في بنية اللغة ومستوى تطورها، ومثل الهجرة، الإختلاط. المناخ، وهي  عوامل يمكنها أن تعجل أو أن تحد من تطور اللغة ونموها.

ولكن تأثير هذه العوامل يتضاءل بالقياس إلى عامل العادات الذهنية بوصفها العامل الحاسم في هذا المستوى. فاللغة تؤثر في بنية متكلميها وذلك يعني أن وجود نظاميم لغويين يتطلب وجود نظامين ذهنيين مختلفين.

لقد إرتبط مستوى التطور اللغوي بمستوى تطور القدرات العقلية عند العروق الإنسانية المتفاوتة.وإنطلاقا من ذلك، فإن البساطة المورفولوجية (الشكلية) للغة ما تعبر إلى حد كبير عن الدونية الثقافية للعرق الذي يتكلمها. واللغة الصينية تمثل نموذجا لذلك.وتلك هي المسألة التي لا يكف الباحثون عن تأكيدهاوخاصة العزلة التي أحاطت بالغة الصينية تاريخيا.

لقد إسطاعت العلروق الأصيلة أن تصل بلغتها إلى مستوى التفكير القواعدي وذلك في سياق تطورها الحضاري. وعلى خلاف ذلك فإن اللغات الأخرى تعرضت للزوال أو هي على طريق الإنقراض فلغة الباسك والهتنود لغات تعاني من الذوبان على حد تعبير شيلشر.

وينطلق اليوم الأنتربولوجيين من إطار نظرية شيلشر ونظرية التطور الداريويني في تفسيرهم لإختفاء بعض اللغات وزوالها، ولقد سبق للجولوجي الإنكليزي شارل ليل في كتابه antiquity of man) (The عام 1863 المقارنة بين اللغة والأنواع.فاللغات كما يعتقد تخضع لقانون البقاء للأقوى من أجل الحياة. وذلك يفسر لنا، على حد نظريته، زوال عدد كبير من اللغات في مجرى التاريخ. واللغات التي توجد اليوم في حالة صراع وتعارض تقدم لتا مثالا حيا عن صورة الصراع بين الحيوامات من أجل الوجود.ويضاف إلى ذلك الاصطفاء التطوري يأخذ مجراه بين اللغات التي ينتمي إلى عائلة واحدة.

اللهجات المحلية:

لقد أفاض أنتربولوجيو النصف الثاني في القرن التاسع عشر في أبحاثهم حول اللغة دون وجل أو خوف من لوم الإختصاصيين في مجال اللغة. لقد شكلت اللهجات المحلية بؤرة إهتمام الأنتربولوجيين عموما، وقليل منهم هم الذي كرس نفسه لدراسة لهجة واحدة بإستثناء أوغست كودور والذي انكب على دراسة البريشون، وبول سيبيلو الذي تخصص في دراسة الباسك... الخ

استطاعت بعض اللهجات العامية أن تصل إلى مستوى اللغة وذلك في غمار صراعها من أجل الوجود، وخاصة اللغات التي انطوت على قيمة أدبية عالية.

ويُلاحظ وعلى خلاف ذلك، أنن هناك عددا من اللغات المحكية في مجرى ذلك الصراع، ومثل هذه اللغات التي تاهت على دروب الفناء تمثل شاهدا لإنحطاطات حضارية صريحة.

ويستطيع الباحث عندما يتوغل في دراسة لغة قديمة، وخاصة اللهجات المحكية أن يكتشف بأن بعض اللغات المحكية استطاع أن يحافظ على تماسك أشكاله وكلماته بدرجة أفضل من بعض اللغات الأدبية، وتشكل هذه اللغات المحكية بمعنى ما حلقات وصل تساعد على تفسير بعض الأشكال اللغوية الحية المتقدمة.

وتكشف الأبحاث الجارية حول اللهجات المحلية عن التنافس بالغ الأهمية بين هذه اللهجات وإذا كانت اللغات تنطوي على خصائص الحيوانات والأشياء مثل الجزع اللغوي والنوع اللغوي فإنه يجب علينا أن ننطلق من هذه الصيغة لرسم الحدود الفاصلة بين الفروع اللغوية المختلفة. ويترتب على ذلك وجود حواجز وحدود بين الفئات اللغوية المتغايرة دائما.

الموت العلمي المبرمج:

إن الإعتقاد الراسخ بالتغير اللغوي، وضرورة إختفاء اللغات المحكية، وذلك تحت تأثير الإصطفاء الطبيعي، بفسر إلى حد كبير تراجع إهتمام الأننتربولوجيين بالاصنام اللغوية، إذ لا يسعى الأنتبولوجيين إلى إحياء اللغات الميتة وإصلاح الفاسدة بل إلى الكشف عن عوامل إختفاء اللغات ومبررات وجودها وذلك بالإستناد إلى حجج علمية صريحة. ولم يكن عند أنتربولوجيي القرن التاسع عشر تصورات مسبقة عن مصير بعض اللغات المحكية.

وذلك لأن مفهوم التطوري لا يستند إلى منظور تراكمي بل إلى أساس تنافسي يضرب جذوره تاريخيا. ومن هذا المنطلق تسعى الأنتربولوجية اللغوية إلى تصنيف الأصوات الإنسانية في إطار سلم دقيق وذلك كما فعل كودور بالإنطلاق من الملاحظة المنهجية للأفراد الأحياء الذين يمتلكون هذه اللغات القديمة.

ولقد شكل جهد ليون أوزلي عام 1800 لبناء متحف صوتي خطوة هامة من أجل المحافظة على لغات وأصوات وشعوب بائدة.وأصبحت اللهجات المحلية أخيرا في المتاحف ذلك ما نادى به كاستون باريس في مؤتمر عام 1888 يقول: إذ كنا لا نستطيع حماية نبات حقولنا من الفناء فإنه يجب علينا وقبل أن يتعرض للزوال الفعلي أن نقطفه ونضع عينة منه بعناية داخل متحف وطني  وعلى خلاف ما يحدث على مستوى الحيوان والنبات فإن اللغات المحكية تتطلب إجراءات خاصة فينا يخص عملية حصادها ومن ثم الإحتفاظ بها، وهناك أمام الأنتربولوجيين طريقتان للتسجيل والإحتفاظ. إذا يمكن تسجيل الأغاني والأمثال الشعبية وهي الطريقة الفولكلورية المفضلة أو عن طريق إعداد معاج متخصصة.

القومية واللغة:

أأأأأأأأأأأأأأأأأااااااأأأأأأـننبأأأأأأاااأأأأأأأأأأـــتمكينا كان الأنتربولوجيون في أبحاثهم بوصفهم رجال علم ومعرفة علمية، وهي صيغة ينطلقون منها لتأكيد دونية بعض العروق دون الأخرى. ولكن كان من الصعب عليهم أن يفعلوا ذلك بوصفهم رجال سياسة (بعضهم كان يشغل مناصب سياسية). لأن ذلك كان يحتاج إلى درجة عالية  من المهارة والحذاقة والذكاء، فليس من السهولة تحقيق المصلحة بين السياسة والعلم. وهم في إطار بحثهم عن شرعية العلاقة بين اللغة والعرق يزعمون أن ذلك قد كان في مرحلة تاريخية سحيقة ( ما قبل تاريخية ). أي في اللحظات الأولى التي تشكلت فيها العروق وظهرت اللغات. وذلك كله دون تحديد للحدود الفاصلة بين المراحل التاريخية ومرجلة ما قبل التاريخ .

لقد ساهمت المنازعات الألمانية الفرنسية في احماء الجدل حول العلاقة بين العرق واللغة .  ففي الوقت الذي كان فيه الأنتربولوجيون الفرنسيون يؤكدون وجود حدود فاصلة بين اللغة الفرنسية والعرق الفرنسي وأن احدهما لا يمكن أن يكون ظلا للآخر. وذلك لأن الأمة وحدة من المصالح ووحدة إرادة.  وتلك هي مقولة كاستون باري والتي يكررها باستمرار .

وباختصار، القومية هي محض اختيار حر وانتماء إرادي كما يرى هوفلوك ولذلك فإن هناك تناقضا كبيرا في موازات العروق واللغات والقوميات .

وانطلاقا من ذلك  يوجه هوفلوك نقدا عنيفا للمفكرين الألمان عندما يستخدمون مفاهيم مثل العرق الكولوازي والعرق الجرماني، وهو يريد أن يقول أنه لمن المجازفة أن ننسج أفكارا قومية ترتكز إلى اللغة. فالأمة في منظوره عقد اجتماعي وهي نتاج تاريخي لتقطعات عرقية عديدة .

وبالإستناد إلى تلك الرؤية فإن تعدد اللغات واللهجات المحلية لم يشكل في عرف الأنتربولوجيون الفرنسيين خطرا على الوجود القومي أو على وحدة الأمة. بل أن ذلك التعدد القومي يؤدي إلى تصليب الوحدة القومية الفرنسية. وفي هذا الخصوص يؤكد بريال أن الالزاس كانت المنطقة الأكثر إخلاصا ووفاء لفرنسا، وللوحدة القومية الفرنسية .

علما بأن الالزاس هي المنطقة التي تتكلم اللغة الألمانية والغاية من ذلك هو التأكيد بأن التعدد اللغوي وأن اللهجات المحلية لا تعيق الوحدة القومية. هذا من جهة، وأن هذه الوحدة توجد خلف التغيرات الحاصلة بين الحدود اللغوية من جهة أخرى. إذ لا يجب أن يكون هناك تطابق بالضرورة بين الحدود اللغوية والحدود السياسية وتلك الفكرة يتشاطرها الأنتربولوجيون الفرنسيون مع الروائيين الفرنسيين .

وهنا يذهب الروائيون إلى التأكيد بأن لا وجود لأمتين فرنسيتين وأن لا شيء يمكنه الفصل بين فرنسا الشمال وفرنسا الوسط، فالروائيون ومن جديد يؤكدون وجود تنوع في اللغات المحكية الاقليمية والتي يتمازج أحدهما مع الآخر ويتداخل على نحو  لا انقتطاع فيه. وذلك ما يؤكده الأنتربولوجيون أيضا .

إن العبور من الوحدة اللغوية إلى الوحدة الاخلاقية والذهنية لا يحتاج إلى أكثر من خطوة واحدة. وانطلاقا من ذلك فإن المفكر الحر اندريه لوفيفر لا يتردد في الحديث عن العلاقات التي يمكنها أن توحد الشعوب التي تتكلم اللغات الرومانية. وبالتالي طائفة من اللغات والتقاليد هي التي تشكل منطلق الوحدة الخلاقية. وهي وحدة تختلف عن الوحدة العرقية وهي أكثر صلابة وأصالة. وبالتالي فإن تصليب هذه الوحدة يكون عبر دراسة اللغات المتجانسة. وبعبارة أخرى، ان اختيار لغة رومانية هو عمل حر لا يتصل بالتحديد العرقي. ومع ذلك لا بد من الإشارة إلى التأثير الذي تمارسه اللغة على روح الشعب. وذلك ما تشهد به حالة اللغة الفرنسية والتي تأخذ مكانها السامق بين اللغات الكاملة وذلك بفضل خصائصها ومميزاتها الهامة، والتي تتمثل في غنى أصواتها وأفعالها ووجود أصوات التشديد وهي تشتمل بالإضافة إلى ذلك كله على كفاءة فلسفية تمكنها من معالجة المفاهيم وابداعها. كما تتميز بالمرونة الكافية التي ترتفع إلى مستوى العبقرية وتتألق في مستوى المواهب الإبداعية. وباختصار يجب أن نحزن لحالة هؤلاء الفلاحين الذين لا يدركون اللغة القومية، إذ كيف يمكن لهؤلاء التعاسء مواكبة الحركة الفكرية لعصرهم، تلك هي المسألة التي تقض مضجع فانسون .

العلم والقيم الجمهورية :

يلاحظ في واقع الأمر أن الأنتربولوجيين الذين أولوا اللغات واللهجات المحلية اهتمامهم كانوا رجال علم وسياسة في آن واحد. والتساؤل الذي يفرض هذه الواقع هو مدى تأثير الهيمنة السياسية على أفكارهم وخاصة القيم السياسية الجمهورية . في معرض الإجابة عن تساؤل كهذا يعلن الأنتربولوجيون بأنهم يدرسون الواقع الموضوعي في عزلة عن قيمهم الخاصة .

فالانتربولوجيا علم وضعي وليس من شأنه العناية بالقيم . واعتقادا الأنتربولوجيين الفرنسيين بموضوعيتهم قادهم إلى توجيه اللوم إلى زملائهم الألمان واتهامهم بالابتعاد عن الحيادية العلمية. وفي هذه الخصوص يسجل هولفاك بعض الملاحظات حول التصورات الخيالية التي تظهر في كتابات الأنتربولوجيين الألمان. وإذا كان الأنتربولوجيون يرفضون الوقوع تحت تأثير القيم وحدها فإن ذلك يعود بالأصل إلى خاصة المعرفة العلمية. وللبرهنة على ذلك يقول لوفيفر بنية صادقة  كما يبدو : نحن لم نوجه بتأثير أي منن الأفكار والأحكام المسبقة، ولكننا ننطلق من موقع اللامبالاة الحيادية والتي تبدو لنا معقولة إلى حد ما . ومع ذلك فأن هذه الطريقة الحيادية نفسها هي التي قادت إلى مفهوم اللاتكافؤ اللغوي وغلى فكرة التراتبية بين الشعوب .

إن المناداة بمبدأ وجوب موت اللغات المحلية تحت ستار المبادىء الخاصة بالتغير بين حدود الطريقة التي ينطلق منها العقل العلمي لتبرير القرارات السياسية والاقتصادية، وبعبارة أخرى لم يكن اهتمام الأنتربولوجيون باللغات المحلية والمحكية ينطلق من مبدأ اللامبالاة أو الحياد في اتجاه معروف ومحدد وذلك لأنهم رجال علم وسياسة في آن واحد.

والإشكالية التي تطرح هنا ليست مسألة العلاقة بين الأنتربولوجيا والأيديلوجيا أو قابلية خضوع الأولى للثانية، الإشكالية تكمن في هيمنة الأفكار المعادية اللإنسانية .