د. علي أسعد وطفة في دراسة ميدانية عن الكويت:

مجتمع تحكمه الخرافة

الكويت ـ ميسون يحيى

«اتجاهات التقليد والحداثة في العقلية العربية السائدة دراسة في المضامين الخرافية للتفكير لدى عينة من المجتمع الكويتي» هو عنوان الدراسة التي أعدها الدكتور علي أسعد وطفة أستاذ علم الاجتماع التربوي في جامعة الكويت وشملت عينة تضم 1003 أشخاص.

تشير نتائج الدراسة إلى أن شريحة كبيرة من أفراد العينة تؤمن بالخرافات والسحر وأن الإيمان بفكرة الحسد يتصدر سلم الاعتقاد الخرافي.

وتبين الدراسة أن الإناث أكثر إيماناً بالمعتقدات الخرافية من الذكور، وأن أبناء المحافظات التقليدية أكثر إيماناً بالتصورات والأفكار الخرافية من أبناء المحافظات المدنية، وترتيب محافظات الكويت تبعاً لدرجة الإيمان بالخرافات كما يلي:

الجهراء، الأحمدي، الفروانية، العاصمة.

العقل والعقلية

«الزمن» التقت الدكتور علي وطفة الذي بدأ حديثه بتحديد بعض المفاهيم قائلاً لابد من التمييز بين مفهومي العقل والعقلية، فالعقل هو الأداة المنظمة التي يعتمدها الإنسان في تحديد الأشياء وفهمها وبلوغ المعرفة. أما العقلية فمفهوم أنثروبولوجي يعني طريقة شعب ما أوفرد ما في التفكير تجعل الإنسان يقف موقفاً محدداً من الكون ومن الحياة.

أما التقليد والحداثة فمفهومان متعارضان فالتقليدية مرحلة سابقة من الرؤية فقدت مشروعية وجودها في المرحلة التي نعيش فيها. فالشعب التقليدي هو الشعب الذي يعيش على أنماط متوارثة وجامدة لا تجديد فيها أما مفهوم الحداثة فهو مفهوم معقد ومركب كلما اشتد المرء في طلبه ازداد غموضاً وهو يعني نمطاً من التفكير والتجربة الإنسانية يعتمد على مفاهيم أساسية كالعقلانية والفردانية والانفتاح والإبداع.

رواسب اسطورية ووثنية

¾ تناولت الدراسة مفهومي التفكير الأسطوري والتفكير الخرافي فما أوجه الاختلاف بينهما وإلى أى مدى ترى أنهما يشكلان خطراً على تطور العقلية العربية؟

ـ يختلف التفكير الأسطوري عن التفكير الخرافي في أن الأسطورة هي منظومة شاملة من المقولات الخيالية المنظمة التي اعتمدها الإنسان في مرحلة تاريخية سابقة لتفسير ظواهر الكون والتي شكلت الإرهاصات الأولى لتقدم الفكر الإنساني (الخلق والولادة والموت والخلود)، أما التفكير الخرافي فهو تفكير غير عقلاني وغير منظم ولا يمتاز بالشمولية بل يرتبط بجزئيات بسيطة تتناقض مع العقل (كالتطير ونذر الشؤم أو الفأل الحسن). ومع تفسير العلم للكثير من الظواهر التي حاول الإنسان تفسيرها بالأسطورة فقدت هذه الأخيرة مشروعية وجودها كطريقة في التفكير.

إلا أن الرواسب الأسطورية والوثنية لا تزال متغلغلة في أعماق سلوكنا فهناك التعاويذ والمندل والتمائم فضلاً عن الخرافات المعطلة للعقل والعقلية العلمية النقدية تقاس اليوم بمعايير تحررها من الأسطورة والخرافات.

العقل يصدأ أحياناً

¾ الطقوس الاجتماعية التي نمارسها في حياتنا اليومية تعود جذورها إلى الأساطير لكننا نتعايش معها ونمارسها كتقاليد اجتماعية موروثة؟

ـ العقل يصدأ أحياناً عندما يكون سلوكنا في اللاوعي أسطورياً وهذا يجعلنا أقل فعالية وأقل قدرة على السيطرة على معطيات الكون وأقل قدرة على مواجهة العالم والتحديات. وسأعطيك مثلاً على التفكير الأسطوري القاتل فمن خلال دراسة قمت بإعدادها وجدت أن 08 في المئة من الشباب والمثقفين يؤمنون بأن فلسطين ستعود إلينا حتى ولو كان العرب نائمين على ظهور الخيل، وبأن الله سيقضي في النهاية على الأسطورة الصهيونية دون أن نبذل أي جهد على الإطلاق.

إن مثل هذا التفكير التواكلي أو القدري يقضي على إمكانية التفكير والتحليل ويعطل طاقة الاجتهاد والعمل لانطلاق نهضتنا الحضارية ولذلك نحن نعاني اليوم التخلف بالمطلق الذي يعود إلى هذه العقلية التي يجب علينا تصفيتها من الأساطير والخرافات. على غرار ما فعلت النهضة الغربية.

مثقلون بالخرافة

¾ هل علينا أن نقارن «نهضتنا» بنهضة الغرب دائماً خصوصاً ونحن نرى الغرب يعيش مرحلة ما بعد الحداثة؟

ـ إذا لم نقارنها بالغرب فبمن نقارنها؟ الحضارة حضارة إنسانية واحدة ممتدة تاريخياً لكنها تركزت في الغرب ويجب أن نقارن أنفسنا به لأنه يقدم تجربة متقدمة على الصعيد التقني والفكري. صحيح أنه يعيش اليوم حالة مراجعة لبعض الأخطاء التي تعاني منها حضارته.

ولكن الغرب مثقل بالعقلانية بينما نحن مثقلون بالخرافة وحتى العلم الذي يسود ثقافتنا هو علم هش وضعيف وليس سوى قشرة تتساقط بسهولة عند أول محك عقلاني فالرواسب الخرافية عميقة في داخلنا وهي تشكل طريقتنا العفوية في التفكير والسلوك على نحو لا ينجو منها بعض مفكرينا ومثقفينا وعلمائنا.

¾ ما دام العلم لم يجب حتى الآن عن كثير من الأسئلة الوجودية التي لا تزال تشكل هاجساً للإنسان ألا تعتقد أنه مازال بإمكان الخرافة والأساطير أن تجد لها مكاناً في حياتنا؟

ـ لا يمكن للعلم أن يقدم إجابات عن الأسئلة المطروحة وبالتالي فهو لا ينظر إلى الظواهر التي لا تخضع للدراسة ويقدم أي رأي فيها ولكن ثمة ما يعرف اليوم بالخيال العلمي الذي يقدم الإنسان من خلاله إجابات افتراضية، ليس بالضرورة مقنعة ولكنها مبنية على معطيات علمية ومنطقية.

هوليوود تتسلى بالخرافة

¾ ألا تتفق معي بأن بعض ما تقدمه هوليوود من أفلام سينمائية يعكس إلى حد ما حالة من التفكير الخرافي سائدة في الغرب (كالإيمان بالأرواح الشريرة، واستحضار الأرواح والعرافة)؟

ـ الغرب ليس طبقة واحدة ولا تزال فيه طبقات فقيرة مهمشة يمكن أن تستشري فيها مثل هذه الأفكار. ولكن بشكل عام هذه الأفكار تستهوي المجتمع هناك من أجل اللهو والبحث عن سد الفراغ والهروب من النظام الذي يحكمه العقل والعقلانية، والفن (السينمائي بشكل خاص) يبحث عن الجمال ويحاول استخدام عناصر الغرابة والدهشة والإثارة ولذلك يستوحي الأساطير القديمة لما تمثله من عمق إنساني لا شعوري يستثير المشاهد. وثمة طبقة من اللا شعور تسمى اللا شعور الجمعي تتراكم فيها كمية هائلة من الأساطير والمفاهيم الخرافية لكن حضورها في المجتمعات الغربية ضعيف بمعنى أن الإنسانية لم تتحرر منها تماماً وليس المطلوب أن تتحرر منها ولكن يجب أن لا تصبح قاعدة التفكير والنظر للحياة كما هو الحال في مجتمعاتنا العربية.

الخادمة... والجدة

¾ التفكير الخرافي والإيمان بالسحر والشعوذة ينتشر بشكل أكبر في الأوساط الشعبية الفقيرة وفي أوساط النساء فإلام تعزو انتشارها في المجتمع الكويتي؟

ـ غالباً ما يجري الحديث عن المجتمع الخليجي على أنه مجتمع الطبقة الواحدة ولكن هذا ليس دقيقاً تماماً. فثمة تفاوت طبقي فيه وإن كان ليس حاداً كما في المجتمعات العربية الأخرى بيد أن الأهم هو الأسرة الكبيرة الممتدة ووضع المرأة وأنماط الحياة العربية التقليدية فهذه لا تختلف كثيراً في المجتمع الخليجي عنها في سائر المجتمعات العربية التي تسودها منظومة فكرية واحدة وثقافة ضاغطة خلقت بيئات ترسخ المعتقدات الخرافية في اللا شعور لدى أي إنسان يعيش فيها.

وفي المجتمع الخليجي بشكل عام والكويتي بشكل خاص نرى أن الخادمة أو المربية ـ فضلاً عن الجدة ـ قد تسهم في إدخال كثير من المفاهيم والأفكار الخرافية إلى عقل الطفل.
 

 

 

 

 

 

الصفحة الرئيسية

السيرة العلمية
إصــــدارات
أبحـــاث
مقــــالات
فعاليات أكاديمية
كاريكاتير تربوي
مواقـــع تربــوية
صفحة الطلاب
شؤون طلابية
المنتدى
محادثة
التعليم الإلكتــروني
سجل الزوار
راسلنا
فعـــاليـــات أكــاديمية