باحث من المغرب
يكتسب كتاب بنية السلطة وإشكالية
التسلط التربوي في الوطن العربي أهميته بالنظر إلى تصديه لمعالجة أخطار قضيتي
تمسان وتحددان طبيعة ومصير الواقع العربي ، ويتعلق الأمر
بالمسألة السياسية و المسألة التربوية و التعليمية ، وما يوجد بينها من تلاحم وثيق
، ويعزز من هذه الأهمية تميز الدراسة بالتداخل الموضوعي والمنهجي بين مجموعة من
الحقول المعرفية بخلفياتها وإشكالياتها المختلفة ، كعلم التربية وعلم الاجتماع
وعلم النفس .
يقسم المؤلف كتابه إلى مقدمة
وثمانية فصول وخاتمة وقائمة بالمراجع العربية و الأجنبية .
وتنطلق الدراسة من التشديد على
الترابط الوثيق بين الديمقراطية ببعديها الاجتماعي والسياسي ،وبين الديمقراطية في بعدها التربوي ، إذ"لا
يمكن لمظاهر الحياة الديمقراطية أو التسلطية في المجتمع أن تنفصل عن دورتها
التربوية (…)،فديمقراطية المجتمع السياسية و الاجتماعية لا
يمكنها أن تفصل عن ديمقراطية المؤسسات التربوية المعنية بإنتاج وإعادة إنتاج الحياة
الاجتماعية بكل ما تنطوي عليه هذه الحياة من معالم الحرية والاستبداد "(ص17).ومن ثم فإن "النضال التربوي من أجل الحرية
الاجتماعية بأشمل معانيها الإنسانية ".وهو ما يفسر
التوظيف الأيديولوجي المعكوس للمؤسسات التربوية كمعاقل للقهر الاجتماعي والكبت الفكري والنفسي ……
فالكاتب
يصدر في دراسته عن حقيقة موضوعية مفادها أن" الشعب العرب يعاني الانهيار
والاغتراب والاستبداد تحت التسلطي الذي يبدد كل القيم والمفاهيم ذات الطابع
الديمقراطي الإنساني ……وأن
بعض المدارس والمؤسسات التربوية العربية أخذت الطابع التربوي نفسه الذي عرفناه في
عصر الهتلرية والنازية …..) .
ويأخذ الطرح الإشكالي للكتاب صيغة
مجموعة أسئلة محورية هي :
1-
هل تعاني الثقافة العربية
بصورة عامة من قيم العنف والتسلط ؟
2-
هل تقوم التنشئة الأسرية
على أسس التسلط والإكراه وفق للمعايير التي حددتها الدراسة لمفاهيم العنف والتسلط .
3-
هل تتبنى المدرسة العربية
أساليب تسلطية في العمل التربوي .
4-
إذا كان هناك من عنف تربوي ، فكيف تتم دورة هذا العنف و التسلط في دورة الحياة
الثقافية والمدرسية و التربوية ؟
ويكشف المؤلف أن أسلوب التلقين لا
يقتصر على مرحلة التعليم العام ،وإنما يتعداه إلى التعليم
الجامعي الذي يقوم على إلقاء المحاضرات والشرح المباشرة و الاستقبال القائم على
الحفظ . ونظرا لخطورة ظاهرة التلقين وأبعادها التسلطية حدد الكاتب أهم هذه الأبعاد ، وعمل على إبراز أهم أسباب استمرار انتشار هذه
الظاهرة .
وللتخلص من آثار هذه الظاهرة يؤكد
الكاتب أن الأمر يقتضي بذل جهود كبيرة تهدف إلى إعادة بناء المناهج الدراسية ، من حيث المحتوى والأهداف وطرق التدريس و التقويم ،
وبذلك جعلها تتمحور أكثر حول المتعلم و حاجاته وميوله (ص45).
أما مظاهر تسلط الإدارة التربوية
فيبرزها الكاتب في المفارقة التالية :
بينما يفترض في الإدارة التربوية
أنها تهدف إلى تحسين التعليم وتحقيق الأهداف التربوية ، وبيتما يمكن جوهر لأشراف التربوي في إتاحة تفاعل بين المعلم
والمشرف يؤدي إلى تغيير إيجابي في سلوك المعلم ، نجد الإدارة التربوية يغلب عليها
طابع التسلط والمركزية الشديدين ، وضعف القدرات لدى مديري المدارس وغياب التناغم
بين تين الإدارة والمدرس والطالب والأسرة (ص47) .
ولقد أورد الكاتب نتائج مجموعة من
الدراسات أجريت في حقل التعليم العام والعالي مفادها :
_ أن الطلاب لا يتمتعون بمهارات
التساؤل والمناظرة .
_ أن اختلاف الآراء يثير غضب الأساتذة
وعدم ارتياحهم .
_ أن الطالب لا يستطيع شرح وجهة
نظره بصورة متكاملة ومن دون مقاطعة .
_ المنافسة قليلة وتكاد تحصر بمادة
الدرس ، ولا تشمل وجهات نظر الطلاب الشخصية وشعورهم
ومواقفهم .
_ ارتفاع نسبة كلام الأستاذ وضعف
المبادرة عند الطلاب .
_ قلة التفاعل بين الطلاب أنفسهم .
_ تمثل
العلاقات بين الأساتذة و الطلاب صورة من صور العلاقات الاجتماعية التسلطية.
ويستخلص المؤلف أن التسلط التربوي
في الوطن العربي يشكل ظاهرة تمتد
جذورها في البنية الاجتماعية العربية التي تخشى إطلاق القوى الإبداعية وتفكيرها ، وتحاول كبتها وتشجيع الانقياد و الامتثال و الرضوخ.
كما
يستخلص أن هناك علاقة وثيقة بين التربية و السياسة ،
فالسياسة التعليمية و ومحتوى المناهج التعليمية ووسائلها وأهدافها تنطوي على
اختيارات أيديولوجية صريحة وخفية ، تصبح
معها التربية وسيلة للتطويع والمسايرة والسلبية بدلا من النظر إليها كأداة للتنمية
والتنوير والتوعية .
استعرض
الكاتب في هذا الفصل معطيات بعض الدراسات و الأبحاث الميدانية و الأنثروبولوجية التي أجريت حول ظاهرتي التسلط التربويين ليؤكد
النتائج التالية :
_قضية
السلطة و الحرية في التربية تشكل انعكاسا لقضايا اجتماعية متعددة
، أهمها : مسألة الطبيعة الإنسانية ،وقضية المعرفة ، وقضية السلطة
السياسية، وقضية أصل العدوان والعنف .
_ القسر و
الإكراه ظاهرة تولد مع المدينة ، و القهر ظاهرة ثقافية
ارتبطت بالتطور الاجتماعي من مجتمعات بسيطة إلى مجتمعات مركبة .
_ يلعب
أسلوب التنشئة الاجتماعية دورا كبيرا في التأثير سلبا أو إيجابيا في بنية الشخصية .
_ تؤدي
أساليب التنشئة التسلطية الاعتباطية عموما إلى هدم البنية النفسية و الاجتماعية
والعقلية للشخصية الإنسانية واغترابها ، في حين تعمل على
التنشئة الاجتماعية المعتدلة والديموقراطية على بناء الشخصية الإنسانية المتكاملة
من حيث الذكاء و القدرة على التكيف و الإنجاز والاعتماد على النفس وتحقيق
الاستقلال والاتصاف بالمودة والأصالة .
_ تباين
المجتمعات في مستوى تسلطها وتسامحها ، وفي نظرتها
الفلسفية والجمالية ، يعود أساسا إلى تباين أنماط التنشئة الاجتماعية السائدة .
_ هناك
علاقة ترابط قوية بين الإبداعية (creativity ) والحرية الشخصية التي تنبثق عن
أجواء الحرية داخل العائلة وبالتالي فإن من يملك الروح الإبداعية يملك القدرة على
إن يكون حرا إزار بعض الصعوبات والتحديات . ويكون أقدر
على إيجاد حلول للمشكلات الاجتماعية .
_ على رغم
أن أغلب العلماء يؤكدون أن العدوانية عند الأطفال ذات منشأ فطري
، وأنها موجودة منذ لحظة الولادة فيما يطلق عليه علماء النفس منطقة الهو ( Le ca )، إلا أنها تنشأ
بالدرجة الأولى كنتيجة لعملية كبت لا تنفصل عن عملية النمو الطبيعي عند الفرد ،
وبالتالي فإن ضبط العدوانية عند الطفل يقتضي عملية تنشئة اجتماعية مناسبة .
_ الشدة
وسيلة غير مجدبة في ضبط العدوانية ، فالعقاب الجسدي لن
يؤدي إلا إلى مزيد من الحصار والقلق والخوف والعنف .
_
الاحترام المتبادل بين الآباء و الأبناء ضروري لإيجاد علاقات إنسانية خلاقة .
_ التأديب
ضروري في عملية التنشئة الاجتماعية على أن يعني إعداد الفرد بالتثقيف و التجربة والتعليم ، فغاية التأديب ليس العقاب الجسدي ، وإنما ضبط الذات
بشكل واع .
يستهل الكاتب في هذا الفصل
بالتأكيد على أن التسلط التربوي يقوم على مبدأ العلاقات الإكراهية العمودية ، كما أن المجتمع يفرز شروط إعادة إنتاج التسلط ، لأن
الإنسان الذي يعيش في أجواء العصر الاجتماعي في حياته الخاصة والعامة يشحن بطاقة
فعلية عادة ما تنفجر ضد من هم أكثر ضعفا . ولذلك فإن درجة القهر التربوي قد تعود
وبدرجة كبيرة إلى ظروف القهر الاجتماعي السائدة في المجتمع ،
فالمربون الذين يعانون عقد نقص ومركبات الدونية واضطرابات نفسية هم غالبا الذين
يسقطون مشاعر بؤسهم وشقائهم وأحاسيس دونيتهم على من يربون ، فضلا عن أن التربية
المتسلطة في الوطن العربي تنطلق من خلفيات ثقافية تتمثل في مبادئ تربوية تقليدية
أبوية المنشأ .
والأساليب
التسلطية في التربية - يواصل المؤلف - غالبا ما تؤدي إلى بناء شخصيات إنطوائية انسيابية غير واثقة من نفسها تعاني من مخاوف مرضية
غير طبيعية ، فالتلاميذ الذين عاشوا في أجواء متسلطة
يخشون حتى تقديم الإجابات الصحيحة في المدرسة خوفا من ارتكاب الخطأ ، وخوفا من
السخرة المحتملة والتأنيب … فهم يفتقرون إلى الأمام ويرهبون الكبار ويشكون في
قدراتهم ويشعرون بشلل وجودي ذي طابع مأساوي .
ويعمل
الكاتب على تلخيص آثار كل من التنشئة التسلطية والتنشئة الديمقراطية في جدول مكثف
موضحا أن التنشئة التسلطية تفضي إلى فرض التبعية والأنانية والكسل والإحباط
والاضطرابات الانفعالية والتوافقية والعدوانية والقلق والحزن والاكتئاب
والعديد من العقد والأمراض النفسية … مقابل التنشئة الديمقراطية التي تحق
الاستقلالية والنزعة الاجتماعية والمواظبة والإنجاز والتوازن الذاتي و الإبداع و
المودة والإحساس بالأمن والفرح والسعادة .
في هذا الفصل حاول المؤلف تحديد
ماهية السلطة في اللغة العربية واللغات الأجنبية مسجلا أن مفهوم السلطة بقي غامضا
يعتره عدم التحديد والدقة ، ويخضع لمنطق السجع والطباق و
الموازنة الذي يميز اللغة العربية التي لم تقدم في بعدها المعجمي أية إشارات إلى
البعد التربوي لمفهوم السلطة ، مفسرا ذلك بكون اللغة العربية لم تشهد التطوير
العجمي الذي من شأنه أن يعطي لهذه اللغة القدرة على تخطي جوانب النقص والقصور في
بنية المفاهيم والتصورات في بنية المفاهيم والتصورات ـ وكان الكاتب لا يعلم أن
التطور المعجمي يظل رهينا ومشروطا بتطور تاريخي موضوعي في الحياة الاجتماعية
بمختلف جوانبها ويلعب دور المحدد للتطور اللغوي ويتأثر به . أما ترجمات مفهوم السلطة ، فينتقدها الكاتب نظرا لكون المعجبين غالبا ما يترجمون
بشكل اعتباطي يتنافى مع مقتضيات التعريب والتأصيل … وهو ما جعله يحرص على التمييز
بين السلطة والقوة والنفوذ ،وبين السلطة والعنف والقمع والإرهاب ، وبين السلطة و
التسلط .
وفي سياق نقده للفهم السلبي الشائع
عن السلطة ، يؤكد المؤلف أن السلطة ضرورية للحياة الاجتماعية
والتربوية ، من غيرها تتحول الحياة الاجتماعية ، وكذلك التربوية ، إلى جحيم لا
يطاق ، أما التسلط فهو الإفراط في ممارسة السلطة عبر استخدام أساليب العنف والقمع
والإكراه للسيطرة على الآخر لمجرد إخضاعه والهيمنة على وجوده .