عرض: أ. د عبد الله بدران

أستاذ محاضر في الجامعة العربية المفتوحة

 

 

 

 

قراءة في كتاب :

الجمود والتجديد في العقلية العربية..مكاشفات نقدية

 

المؤلف : أ.د علي أسعد وطفة  (أستاذ علم الاجتماع التربوي بجامعتي الكويت ودمشق)

 

    ثمة كتب كثيرة تطرقت إلى العقلية العربية مدحا وذما، ونقدا وتحليلا، ودراسة وتصويرا، لكن قلة منها بحثت بصورة معمقة في الأبعاد المختلفة لهذه العقلية، والإشكاليات التي تصاحبها، وسعت إلى تفسير المشكلات التي تعانيها، وإلى اقتراح الحلول المناسبة لها.

  ولعل كتاب الدكتور علي وطفة (أستاذ الاجتماع التربوي في جامعني دمشق والكويت) الصادر عن وزارة الثقافة السورية ضمن سلسلة كتابها الشهري (آفاق ثقافية) بعنوان (الجمود والتجديد في العقلية العربية..مكاشفات نقدية) من تلك الكتب التي بحثت هذه المشكلة من شتى جوانبها، فتطرقت إلى دراسة تلك العقلية وتحليل مقوماتها ورصد مضامينها، باعتبار ذلك الأمر يشكل أحد أهم التحديات المنهجية التي يطرحها الواقع الفكري في المجتمعات العربية المعاصرة، إضافة إلى أن تناول العقلية العربية يمكن اعتباره مدخلا منهجيا لفهم الواقع العربي وتحليل مكوناته ورصد مقومات وجوده.

  في كتابه المكون من نحو 350 صفحة من القطع الصغير ضمتها ثمانية فصول، يبدو المؤلف وكأنه يعيش الهم العربي بكل أبعاده وجوانبه، وينقل للقارئ صورة عن العقلية العربية قديمها وحاضرها ويستشرف في الوقت نفسه مستقبلها، وفي مقدمة الكتاب يبرز المؤلف قول المفكر ألبرت هابرد :"لكي تتجنب النقد، لا تعمل شيئا، ولا تقل شيئا، ولا تكن شيئا". ثم يستشهد بالتاريخ الذي

يقرئنا أن النهوض الحضاري للشعوب والأمم كان مرهونا -إلى حد كبير- بالموقف العقلي الذي سجله إنسان الحضارات القديمة والحديثة من معطيات الكون والوجود. فقيام الحضارات يرتكز إلى مضامين النظرة العقلانية إلى الوجود. وقد تجسدت هذه الحقيقة كاملة في أصل الحضارات الإنسانية، ولا سيما في الحضارات اليونانية والعربية الإسلامية، ومن ثم في الحضارة الغربية المعاصرة.

 ويشير المؤلف إلى ما أجمع عليه المفكرون من أن تحقيق النهضة الحضارية في أي مجتمع مرهون بقيام ثورة في نسق القيم والمفاهيم والتصورات العقلية التي يتبناها أفراد مجتمع إزاء الوجود. فالحضارات الإنسانية المعروفة تاريخيا بدأت بنوع من الثورة الايبستيمولوجية التي غيرت من نظرة الإنسان إلى نفسه ومجتمعه وإلى العالم من حوله لأن سلطان العقل هو معيار التحضر ومقياس نهضة الأمم.

 ويتطرق إلى ما ذكرته الحقائق التاريخية المعاصرة من أنه لا يمكن لأمة من الأمم أن تنهض اليوم وتدافع عن وجودها وهويتها إلا إذا استطاعت أن تحدث تحولات نوعية في العقلية السائدة نحو صيغة علمية جديدة قادرة على حمل رسالتها في عالم تحكمه العقول القادرة على الحركة والنفوس الطامحة إلى الإبداع والعمل، ومن أن الأمم التي تريد أن تواجه التحولات التاريخية الطفرية بعقلية أسطورية أو تقليدية هي أمم محكوم عليها بالفناء والذوبان.

 ويقول المؤلف في مقدمته مقارنا بين العقلية العربية في جيلين:"لقد تنبه رواد عصر النهضة العربية منذ البداية إلى أهمية بناء عقلية عربية متنورة في مختلف مستويات الحياة الاجتماعية، وحاول هؤلاء الرواد تطهير العقلية العربية من أعشاب الخرافة والأساطير، فأعلوا من شأن العقل والعقلانية، وأكدوا أهمية العلم والمعرفة العلمية عبر أبحاثهم ونداءاتهم ودعواتهم السياسية والفكرية. ومع مضي أكثر من قرن على هذه الدعوات وظهور أجيال جديدة من المنورين، ما زال العقل العربي يغفو في ظلمات العصور الوسطى، وما زالت مظاهر الجهل والخرافة والأسطورة تسجل حضورها بقوة في الساحة الثقافية العربية في مختلف طبقاتها ومستوياتها.

إن نظرة فاحصة لواقع المسألة الحضارية في الوطن العربي، تبين لن أنه منذ القرن التاسع عشر والإنسان العربي يحاول أن ينهض بمقومات وجوده، وأن ينفض عن نفسه غبار الزمن، سعيا إلى بناء نهضته وتحقيق حداثته. ومع تعدد المحاولات وصدق النوايا فإن الوطن العربي مازال يرزح تحت مطارق التخلف والتبعية. ولقد اعتقدت شرائح واسعة من المتنورين، في مجال السياسة والاقتصاد والتعليم، أن تحديث بلدانهم وتطويرها على نحو تكنولوجي، عن طريق استيراد التكنولوجيا وغرسها في مختلف جوانب الحياة، سيؤدي بالضرورة إلى تطوير هذه البلدان اجتماعيا، والانتقال بها إلى فلك البلدان المتقدمة. ولكن النتيجة لم تكن كما يعتقد أصحاب هذا التيار. لقد بقي العقل العربي متسارعا في مدار تخلفه على الرغم من كل المظاهر التكنولوجية والحضارية التي تحيط به".

 ويشير إلى ما صاحب الترف التكنولوجي المتقدمة من سلبيات، وما أفرزته مظاهر هذا الترف من تراجع للحالة الثقافية العربية ، وازدياد حالة البؤس العقلي وتكريس مظاهر حياة عقلية اغترابية بالغة العمق والشمول.

 ويرى أن توافر المال والتكنولوجيا والرجال لا يعني بأي حال تحقيق التقدم والنهضة. فالنهضة الحقيقية والتقدم الحقيقي يقوم على معادلة الإنسان المتنور، وعلى رهان العقلية المتحررة من أثقال التخلف الروحي والإنساني، هذه التي تستطيع أن تنطلق على أساس الروح العلمية في بناء الوجود والحضارة والتقدم. وهذا يعني بالضرورة حالة من التغيير الثقافي التي تطهر العقل العربي من أدرانه وتصدعه، وتهدم مرتكزات تخلفه وتداعيه. إنها حالة من التحول العقلي التي تستنفر في الإنسان العربي رؤية إبيستيمولوجية جديدة إلى الكون والحياة والوجود، وتؤصل فيه إيمانا كبيرا بإمكانيات الكشف والإبداع والتحدي، وتبني في أعماقه هذا العقل الذي يتحرر من خرافاته وأساطيره ودوامات تصدعه. فالإنسان العربي اليوم يحتاج إلى موقف جديد متجدد من جوانب الوجود التي تتصل بقيمة العقل والنقد والحرية والتحرر والانطلاق والمرأة والاقتصاد والأنا والآخر.

 وجوهر الإشكالية في هذا الكتاب تساؤلات عدة مفادها: إلى أي حد استطاعت العقلية العربية المعاصرة أن تنمي في داخلها هذه القدرات الجديدة التي تضمن لها الحضور في عالم ثقافي رهانه الإبداع والابتكار والتجديد؟ وهل استطاعت هذه العقلية أن تتحرر من ضغط الكوابح التاريخية وأن تتطهر من أدران التخلف؟ وهل استطاعت أن تخرج من دهاليز الظلام وأن تتقدم إلى قداس التنوير والحداثة؟

 ويسعى المؤلف في كتابه إلى الإجابة عن هذه التساؤلات، فيرصد مظاهر العقلية العربية ويحلل مضامينها وفق إيقاع تحليل علمي ينفذ إلى أعمق طبقاتها التاريخية والتربوية والاجتماعية، مستعينا بأدوات منهجية تتوخى العقلانية من جهة، وتستلهم الروح العلمية الأمبيريقية من جهة أخرى.

 ويعتبر المؤلف أن البحث في بنية العقلية العربية صار يمثل اليوم منطلقا حيويا لفهم طبيعة المجتمعات الإنسانية ومسار انطلاقاتها، لأن العقلية تمثل الطبقات الوجدانية الأعمق التي تجعلنا أكثر قدرة على فهم الإنسان ودراسة عوامل التخلف الحضاري، ومن ثم البحث في كيفيات تشكيل تكوينات حضارية جديدة عبر بناء عقلية حضارية متقدمة.

 ويوضح المؤلف أنه لا ينطلق في كتابه هذا من رغبة ماسوشية تسعى إلى قهر الذات أو جلدها، فالكشف عن المظاهر السلبية يشكل خطوة على درب الحداثة والنهضة والتصحيح. والكشف المعرفي هو اللحظة العلمية الأولى التي تؤسس لعملية الإصلاح والتطوير. وهنا نؤكد أهمية المنهج العلمي في الكشف عن مفاصل الحياة الاجتماعية. ويؤكد أنه لايريد في هذا الكتاب أن يبحث عن الجوانب المضيئة في ثقافتنا وحياتنا الفكرية، بل المهم هو الكشف عن جوانب العطالة والجمود في حياتنا الثقافية وذلك من أجل بناء تصورات علمية تساعد على تطوير حياتنا الثقافية والاجتماعية.

 

 في الفصل الأول من الكتاب الذي جاء بعنوان (في مفهوم العقلية) يتطرق المؤلف إلى تعريف العقلية، وحدود المفهوم وتخومه، والعقلية باعتبارها رؤية للكون ونظاما للتفسير، وجدل العلاقة بين العقلية والثقافة، والعلاقة بين العقلية من جهة وكل من القيمة والفلسفة والشخصية الأساسية، إضافة إلى عدد من الإشكاليات منها إشكالية الوجود والطبيعة الإنسانية، و إشكالية الأنا والآخر، وإشكالية الزمن: الحداثة والتقليد، وإشكالية العلاقة مع الطبيعة الكون، وإشكالية الحرية والحتمية.

 وفي الفصل الثاني الذي جاء بعنوان (في العقلية البدائية) يتطرق إل مفاهيم التقليد والتخلف، والمجتمعات التقليدية، ومعايير العقلية التقليدية، في حين يتناول في الفصل الثالث (العقلية العربية في مرآة الفكر النقدي المعاصر).

 وفي الفصل الرابع(المضامين الخرافية في العقلية العربية المعاصرة) يتطرق المؤلف إلى العقلية السحرية في الأوساط الاجتماعية، والمنهج بين السحرة والمفكرين، والخرافات والأساطير في الوسط الشعبي، ومشاهد الخرافة في الوسط الشعبي، ومحكمة الأموات والإمام الشافعي، والتراكمات الخرافية في الجانب الإيماني.

 وفي الفصل الخامس الذي حمل عنوان(تناقضات الانتماء في العقلية العربية) يبحث المؤلف في مفاهيم الانتماء والهوية والقبيلة والطائفية، وواقع الكيانات الاجتماعية الصغرى ومشروعيتها، وتراجع مشاعر الانتماء القومي والولاء للوطن، والأنظمة السياسية العربية إزاء الانتماءات القبلية والطائفية.

 وبحث المؤلف في الفصل السادس في إشكالية الزمن في العقلية العربية، في حين تطرق في الفصل السابع الذي جاء بعنوان(مفارقات المقدس في العقلية العربية

في أصل المقدس) إلى مفهوم المقدس، والتجربة الغربية في الفصل بين المقدس والدنيوي، والمقدس والدنيوي في الإسلام، وجغرافية المقدس في الثقافة العربية، وزحف المقدس، وتقديس رجال الدين، وضرورة الفصل بين المقدس والدنيوي.

 وقد تطرق الكاتب في الفصل الثامن الذي عنونه ب( الحرية والحتمية في العقلية العربية) إلى القدر والقدرية، والجوانب القدرية في العقلية العربية السائدة، والحرية في مواجهة الحتمية، والقدرية في الثقافة العربية، والقدرية في مرآة الأبحاث الاجتماعية.

وفي خاتمة الكتاب تحت عنوان معادلة التنوير في العقلية العربية: نحو عقلية عربية متجددة في عالم أثقله التغير يحاول الكاتب أن يستخلص المعطيات الفكرية للعمل في سياق شمولي حيث يعلن بأن العقلية العربية تفيض بمعطيات وتصورات تقليدية وبدائية تضعنا في الدرك الأسفل من سلم الحضارة الإنسانية، وأن العقلية العربية ما زالت محكومة وإلى حدّ كبير بمضامين أسطورية وخرافية وتقليدية في مختلف مقومات نظرتها إلى الكون والعالم. وقد تبين لنا أيضا أن هذه المضامين الأسطورية تحدد موقفنا من العالم والمرأة والآخر والطبيعة والمقدس والإنسان. فالعقلية التي تحكمنا عقلية قدرية إتكالية تدفعنا إلى دائرة العجز والقصور والسلبية بمختلف الوجوه والمضامين. فهناك غياب وتغييب للمضامين العقلية التي تحكم نظرتنا إلى العالم، حيث نخضع خضوعا صاغرا إلى منظومات من الرؤى اللاعقلانية والبدائية إلى الحياة والوجود. وهذا يعني أن بنية العقلية التي تحركنا بمضامينها المختلفة تتسم بطابع قدري استسلامي.

وقد استطاع الباحث أن يجمع بين المنهج السوسيولوجي والأنثروبولوجي في تناوله لمسألة العقلية العربية، وقد تميزت هذه المنهجية تتميز بالدقة والحرفية والشمولية. واستطاع الكاتب عبر هذه المنهجية أن يتحرر من عيوب المنهج السردي الوصفي الذي يُعتمد عادة في تناول مظاهر الحياة الثقافية حيث يغوص الباحث في أعماق الظاهرة يحللها ويكتشف أغوارها ومن ثم يعمل على تقديمها في سياق كلي شمولي يرتبط بمختلف مكونات الوجود والحياة الثقافية والفكرية في العالم العربي. وفوق ذلك نجد في منهجية الكتاب ضروبا منهجية نقدية متنوعة ومتكاملة تعتمد على التحليل والمطابقة والمقارنة والنقد والمؤالفة والمفارقة والفصل والتفكيك والتساؤل وإعادة البناء في منظومة من العلاقات السببية والعليّة للتبحر في معطيات الظاهرة والكشف عن معانيها وملابساتها في سياق تاريخي واضح المعالم. ووفقا لهذا المنهج استطاع الكاتب أن يبني معطيات دراسات وأن يرصد نتائج في منتهى الأهمية والموضوعية.

 والكتاب يستدعي من قارئه متابعة مركزة متواصلة من بدايته إلى منتهاه، ليصل إلى تكوين صورة كاملة عن العقلية العربية، بمكوناتها التقليدية وبنيتها الأسطورية، التي تشكل دراستها مدخلا منهجيا لفهم الواقع العربي وتحليل مكوناته.