| |||||
|
في عددها الصادر شتاء عام 2000, نشرت مجلة الدراسات
الفلسطينية الفصلية التي تصدر بالفرنسية في باريس حوارا مطولا مع عالم
الاجتماع والاناسة المعروف بياربورديو الذي رحل منذ بضعة أشهر. يتضمن هذا
الحوار, الذي قام به الياس صنبر وفاروق مردم بك وكاترين ليفي, ما يشبه جردة
الحساب بجوانب عدة وبارزة من تجربة بورديو ومساره ونظرته الى العديد من
القضايا السياسية والفكرية التي كانت تشغله, أهمية هذا الحوار تكتسب دلالة
إضافية لأن بورديو يتحدث فيه, قبل عامين على وفاته, عن تجربته في الجزائر
وعلاقته بالموضوع الجزائري, كما يتحدث عن نظرته الى القضية الفلسطينية
والصراع العربي- الاسرائيلي. وغني
عن القول ربما أن بورديو يعرب في هذا الحوار, بلغته المعقدة
واستطراداته الطويلة, عن اعتقاده بضرورة التحرك من أجل بناء أممية جديدة
لمقاومة العولمة المستندة الى النموذج النيوليبرالي. ويرفد اعتقاده هذا
بشواهد وأمثلة مأخوذة من مشاركاته في النضال الاجتماعي في فرنسا. فيما يلي
ترجمة للحوار, ونعتذر من القارئ العربي في حال ما لاقى بعض الصعوبات في
القراءة بسبب أسلوب بورديو الذي ارتأينا أن نحافظ عليه قدر المستطاع. من نافلة القول إن ثلاثيتك, المؤلفة من »الورثة«,
»فن متوسط«,
و»حب الفن«
والمتبوعة بكتاب »إعادة الانتاج«,
وذلك غداة أيار 1968, وسميت بقوة سوسيولوجيا الثقافة. حين ترجع اليوم إلى هذه
الكتب, كيف ترى مسارك والنتائج التي توصلت اليها, قياسا بتطور المدرسة
والمؤسسات الثقافية, مع الأخذ بعين الاعتبار كذلك, المناظرات الراهنة حول
تطورك أنت بالذات? هل ستقول دائما بأن ناقدي أعمالك اليساريين, والماركسيين
منهم تحديدا, يصدرون عن فكر »لا طائل منه«,
عاجز بسبب نزعته الاقتصادية عن الاحاطة بعلاقات السيطرة? - نعم, الأزمنة تغيرت, كما يقال في عالم المثقفين
خصوصا, ولكي نقيس مقدار هذا التغيير يكفي أن نفكر في كل الزعماء »الثوريين«
القدامى لحركة 1968 الذين يسكنون الآن أروقة السلطة أو الذين يبشرون في وسائل
الاعلام بالانجيل الجديد للنيوليبرالية أما الوقائع والآليات التي كنا نصفها
آنذاك, فانها لم تتغير قط. المكتسبات النظرية والتجريبية حول المساهمة التي
تقدمها المؤسسة المدرسية لاعادة انتاج بنية الفضاء الاجتماعي (الصياغة ليست
أنيقة, لكنها دقيقة) لا تزال تجد ما يؤكدها في الواقع, والأمر كذلك في فرنسا
وفي جملة المجتمعات المعاصرة, في الولايات المتحدة أو في اليابان, في مالي أو
في تشيلي. ينبغي على كل باحث جدير بهذه الصفة ان ينطلق من هذه المكتسبات كي
يتقدم في عمله, وينبغي على كل سياسي مهموم بالفعالية أن يأخذ في حسابه وجود
الآليات الجاري تفعيلها, خصوصا عندما يزعم التحرك والعمل في اتجاه
»الدمقرطة«. - ليس المقصود بهذا القول بأنه لم يتغير شيء في
طريقة اشتغال المؤسسات المدرسية والجامعية منذ مطلع السبعينيات, وأنا لم
أتوان عن معاينة ورصد هذه التبدلات لكي أحاول فهمها وشرحها. ويستلزم الأمر أن
نتحدث عن كل سلسلة المقالات والكتب التي نشرتها أو التي نشرت في مجلة
»أعمال البحث في العلوم الاجتماعية«
والتي كانت تهدف الى ضبط, والى تنقية أو تنظيم تحليلات لا يمكن اختزالها في
»أطروحة«
(»أطروحة اعادة الانتاج«
العتيدة التي يجري في معظم الأحيان تقديمها بطريقة كاريكاتورية). أفكر مثلا
بكتاب »نبالة الدولة«
الذي يضع جردة حساب لعشرين سنة من الأبحاث والذي توافق نشره عام 1989 مع قيام
كوادر الاشتراكيين المتخرجين في المعهد الوطني للادارة بالاحتفاء المظفر
بذكرى ثورة عام 1789 م, فهذا الكتاب يصف بالتفصيل كيف يحصل انتاج واعادة
انتاج النبالة (فئة النبلاء) المعاصرة, المتمتعة بكافة الخصائص الاجتماعية
للنبالة في النظام القديم, ومعها, زيادة على ذلك, الاعتقاد الراسخ يقينا
بأنها لا تدين باصطفائها إلا لجدارتها وذكائها. لدينا مثال آخر, وهو الوصف
الذي يقدمه كتاب »بؤس العالم«
للأشكال المختلفة التي اتخذتها مع مرور الزمن العلاقة بين الأولاد المتحدرين
من الطبقات الشعبية وبين النظام المدرسي: فبعد أن كانوا خلال زمن طويل جدا
(حتى سنوات الستينيات تقريبا) عرضة للاستبعاد من المدرسة في عمر مبكر (ما بين
12 و14 سنة), صار هؤلاء الأولاد يصلون بكثافة وبأعداد كبيرة الى المرحلة
الثانوية مكتشفين أثناءها صفة أو وضعية المراهق التي كانت حتى ذلك الوقت حكرا
على أبناء العائلات البورجوازية; إلا أنهم سرعان ما يجدون أنفسهم, خصوصا
عندما يكونون متحدرين من عائلات مهاجرة, منذ زمن قريب, في وضعية المحكوم
عليهم أن يصبحوا منبوذي الداخل, أي أنهم حاضرون وغائبون في آن معا داخل مؤسسة
مدرسية تفتقد الى العدة المناسبة لاستقبالهم. كل هذه التحليلات, المحفوفة
بالمصاعب في أغلب الأحيان, وذلك لأنها كانت بالضبط تستند الى معطيات وطرائق
احصائية معقدة, كان لها بالطبع تبعات سياسية أحدثت صدمة بالقدر ذاته, إن لم
يكن أكثر, لدى أهل اليسار (الذين كانوا يتشبثون بأسطورة »المدرسة المحررة«)
ولدى أهل اليمين. فيما يتعلق بالقسم الثاني من السؤال, فمن المؤكد أن
الأمر الذي أثار أكثر من غيره مقاومات وسدودا, من هذه الناحية بالذات, وكما
يوحي سؤالكم, انما هو الجهد الذي بذلته من أجل انتاج نظرية مادية للسلع (أو
الأشكال) الرمزية, قاطعا بذلك الصلة مع النزعة الاقتصادية, المسيطرة حتى
أيامنا هذه في التراث »التقدمي«
والتي تحول دون القيام بتحليل قوي (وبالتالي دون المكافحة الفع الة) لمفاعيل
السيطرة الرمزية, وتحول في صورة أوسع دون فهم البعد الرمزي بامتياز وبالذات
للعلاقات الاجتماعية (أفكر هنا, على سبيل المثال, بالنزعات القومية, في
بعديها اللغوي أو الديني): وحدها دراسة الاقتصاد الحقيقي للبضائع الرمزية, أي
معرفة الأكلاف والأرباح الفعلية, وإن تكن غير مادية, والتي تتصل بفقدان أو
استرداد الشخص للغته, لديانته أو بكل بساطة لهويته واسمه (وللحق في أن يقول
إنه ايرلندي, أو كاتلاني, أو فلسطيني) أقول وحدها تسمح بفهم أن الحروب
الدائرة على الديانة, في الماضي أو في الحاضر, أو أشكال النضال من اجل
التحرير الوطني, ليست مجرد انفجارات صادرة عن الهوى أو عن الاعتقاد التقليدي
كما يرى الناس في معظم الاحيان. فهي (الحروب والنضالات) تمتلك شكلا من
العقلانية, على أنه يختلف عن ذلك المتعلق بالاقتصاد أو بالسياسة في المعنى
العادي للكلمة. من الواضح أنني, من خلال اقتراحي لمثل هذا الاقتصاد
المادي للوقائع غير المادية, كنت أنذر نفسي للتحول الى هدف لانتقادات
الماديين الذين كانوا يجدونني مثاليا, خصوصا في مجال الاقتصاد, ولانتقادات
الروحانيين الذين كانوا يجدونني مغرقا في المادية, خصوصا في مجال الفن
والأدب. * لقد واصلت هذه المعالجة النقدية بعمق في كتاب »التمايز«,
إذ تفصح فيه عن كونك ربما أكثر كلاما واطنابا فيما يخص مفهومك عن الطبقات
الاجتماعية, ثم في كتاب ؛الانسان الأكاديمي«, وهو عبارة عن تحليل يتناول
المؤسسة الجامعية, وأخيرا في كتاب »نبادلة الدولة«
الذي يكشف من بين أشياء أخرى, انطلاقا من حالة المعاهد العليا, عما تخفيه
كلمة »الكفاءة«.
على أن النهج الذي سلكته كان في بعض الأحيان مدعاة استنكار باعتباره عملية
تنظير للنزعة القدرية الحتمية, وباعتباره بالتالي, بمثابة دعوة الى الجمود
وعدم التحرك. هل اصلاح التربية الوطنية يشكل, في نظرك مهمة مستحيلة, وهذا ما
يدحضه اسهامك في نهاية الثمانينيات, في مشاريع الحكومة الاشتراكية? - أنا لم أساهم أبدا, كما تقولون, في مشاريع الحكومة
الاشتراكية في مجال التربية, لقد قمت فقط في عام 1986 بتنشيط وشحذ أفكار
أساتذة »الكوليج دو فرانس«
لدى دعوتهم من قبل رئيس الجمهورية الى تقديم رؤيتهم لمستقبل نظام التعليم.
المبدأ الأولي للمشروع كله كان يتطلب عدم اقتراح أي شيء غير قابل للتحقق ضمن
حدود نظام التعليم. الأمر الذي كان يعني, عمليا, استبعاد أي عمل يهدف الى
»دقرطة«
المسالك المؤدية الى النظام المدرسي الذي لم يكن في وضعية جيدة تسمح له
باحتلال هذه الوظيفة, وهذا الامر ينبغي أن يؤخذ في الحسبان. يمكننا القول,
على وجه العموم, بأن كل ما يسعنا توقعه من هذا النظام, هو ألا يقوم في احسن
الأحوال, بمضاعفة مفاعيل الآليات الاجتماعية التي تميل الى ضمان تناقل
الرأسمال الثقافي, والتي تساهم, بهذه الطريقة, أكثر فأكثر في اعادة انتاج
اللامساواة. أقول هذا, مع التذكير بأنني كنت دائما وما أزال
مقتنعا بأنه يمكن بل ينبغي اصلاح المؤسسة المدرسية والجامعية. على انني حسبت
دائما كذلك بانه نظرا لغياب معرفة حقيقية بهذه المؤسسة وبأولئك الذين يقومون
بتشغيلها, فان الحاكمين ظلوا كلهم وعلى الدوام يقللون من شأن قوى الجمود, وهي
قوى هائلة, يقللون في الوقت ذاته من شأن عوامل التغيير, التي هي أيضا شديدة
الأهمية, الأمر الذي يفضي على هذا النحو الى تعزيز القوى المحافظة, المنتفشة
بتدابير متعثرة وفي معظم الاحيان صلفة, والى تثبيط همة القوى الحية, التي
ينبغي التعرف عليها واحترامها لمعرفة كيفية تحريكها (المؤسسة المدرسية, مثلها
مثل المؤسسة الاستشفائية ومثل الكثير من المرافق العمومية, تعج كلها بأناس
مستعدين لتقديم إخلاصهم وحماستهم, الأمر الذي من شأن مفاعليه أن تحد, في
يومنا هذا أيضا من مفاعيل التدابير الهادفة إلى إدخال منطق حساب الأكلاف
والأرباح, وبالتالي الى احداث التأثير القوي, والمدمر في معظم الأحيان,
لشواغل المردودية والفعالية, وهي شواغل قابلة للتحديد بهذا القدر أو ذاك, إلا
أنها في معظم الأحيان في غير محلها). ان السياسة التي تهدف الى احداث تحول
جذري في المنظومة لا يمكنها أن تنجح إلا إذا كان تخليها عن فكرة الاصلاح
نفسها كما تفهم عادة, أي باعتبارها مجموعة من التدابير الشاملة والتي يحبذ أن
تكون استعراضية (وذلك لاحداث انطباع قوي لدى وسائل الاعلام, والجمهور العريض,
الأمر الذي يؤدي في معظم الأحيان الى التضليل الديمانموجي), أقول لا تنجح الا
اذا راحت تعمل بطريقة تدريجية جدا أي بطريقة خفرة بالتالي, على أن تضع في الأمكنة الاستراتيجية, للمنظومة,
عاملين وآليات مؤسسية من شأنها توليد التغيرات الايجابية, وأن تتخذ, بموازاة
ذلك تدابير خفرة, أيضا وغير مرئية بحيث تكون قادرة على اضعاف الآليات
والمؤسسات المسؤولة عن اختلال عمل المنظومة. ينبغي لمثل هذا العمل بأن يجمع بين الرؤيا المنهجية
الشاملة التي تقدر وحدها على اعطاء معنى للتدخلات المحلية والموضعية, وبين
الاهتمام بالتفاصيل, أي بأصغر أمور الحياة اليومية للمؤسسات, والتي لا تهم
المصلحين الجهلة, المستعجلين والمغرورين. لقد حاولنا, في اطار »جمعية التفكير في أحوال التعليم العالي والبحث«, وهي جمعية أسستها مع بعض الزملاء من علماء الاجتماع, من مؤرخي
التربية, ومن الاقتصاديين, المحيطين جيدا بمختلف ملامح نظام التعليم, حاولنا
أن نقترح ؛بعض التشخيصات والعلاجات العاجلة لجامعة في حال الخطر« (هذا هو عنوان الكتاب الجماعي الذي نشرناه ضمن سلسلة
»أسباب للتحرك«), وهي محاولة لتقديم التوجيهات الكبيرة لعمل ناجع ومتواضع في
مجال التربية, إن لم يكن برنامجا منهجيا للعمل. وها هو مثال على الآلية التي
من شأنها أن تحدث تجديدات إيجابية: انه برلمان الجامعات, الذي اقترحنا
انشاءه, والذي يسمح للأساتذة, وللطلبة وللموظفين الاداريين بأن يخوضوا علانية
في مناظرة حول غايات ووسائل التعليم. وغني عن القول أننا اقترحنا على وزير
التربية الوطنية أن نناقش معه هذه المقترحات الصادرة عن مناظرة ديمقراطية بين
جامعيين أكفاء من مشارب ومواقع متنوعة جدا . غير أنه فضل تفويض المسألة الى
لجان من خبراء قام هو بتعيينهم (نظرا لانصياعهم المفترض أو لحضورهم الاعلامي
أكثر مما هو بالنظر الى كفاءتهم, التي لا يسعه بالمناسبة الحكم عليها) وطلب
منهم قبل أي شيء ان يمنحوا ظاهريا صفة شرعية لقراراته الانفرادية
(أوتوقراطية). ** كتابك الأول, إن لم يكن أحد كتبك الأولى, يدور
حول »سوسيولوجيا الجزائر«.
ولم تتوقف منذ ذلك الوقت عن الرجوع الى »أرض حقلك«
الجزائرية, وصولا إلى كتابك »السيطرة الذكرية«
الذي تتناول فيه تقاليد منطقة القبائل باعتبارها »تحقيقا نموذجيا للتقاليد المتوسطية«.
كيف غذت الجزائر عملك كعالم اجتماع, حتى هنا في فرنسا? وما هي الصلات التي
عقدتها وواظبت عليها مذ ذاك مع الدراسات العربية والاسلامية عموما? - الجزائر كانت بالنسبة الي بمثابة أول غرام علمي, وشخصي كذلك.
اللقاء مع المجتمعات العربية- البربرية ترك لدي آثارا عميقة, وذكريات لا تمحى; فهناك
تعلمت مهنتي, في الشروط الصعبة (والمحفوفة بالمخاطر) لحرب التحرير; ولاشك
كذلك في أنني هناك تعلمت الحياة, كما يقال أحيانا, لدى الاحتكاك برجال ونساء
بسطاء يثيرون الاعجاب ومن كل الشروط. عملي الأول كعالم اجتماع, المنشور في
عنوان »سوسيولوجيا الجزائر«,
كان يهدف إلى تعريف الفرنسيين, خصوصا
المثقفين, على مجتمعات كانوا يجهلونها بالكامل تقريبا, حتى وان كانوا
يحتضنون بسخاء قضاياها, وكانت بحوثي الأولى ذات الطابع الاناسي تحديدا تحمل
أهدافا علمية وسياسية لا تنفصل عن بعضها البعض: كان الأمر يتعلق بفك طلاسم
»ثقافة«
ساحرة وملغزة (الطقوس الزراعية, تقاليد المصاهرة, اقتصاد الشرف), ويتعلق من
خلال ذلك بإعادة الاعتبار الى حملة هذه الثقافة المعرضين للتجريح العنصري. في
تلك الفترة بالذات التقيت كذلك بالاسلام الذي كان ينسب إليه كل »المتخصصين«
تقريبا, لا سيما علماء الاقتصاد (كان هناك كما يحصل دائما بضعة استثناءات
مهمة) دور شيطاني بامتياز, جاعلين منه عامل التفسير الوحيد لكل معالم التأخر
ولكل النزعات الماضوية البالية. رحت إذن أواجه الموروث الاستشراقي بالأسلحة
التي كانت في حوزتي آنذاك, وقد فرحت عندما تعرفت, في فترة لاحقة ومتأخرة جدا,
من خلال عمل ادوارد سعيد, على ما كنت أكابد في نزاعاتي ضد عدد لا بأس به من
زملائي في كلية الجزائر, وهم محافظون جدا في أغلب الأحيان, كيلا أقول اكثر من
هذا (لقد علمت بهذه المناسبة, من بين أشياء أخرى, أن التنافسات الفكرية
يمكنها عندما تتوافر الامكانية أن تحاول فض الخلافات بالوسائل العنيفة جدا,
وعلى هذا النحو اضطررت الى الاختباء, حوالي 13 أيار عام 1958, لأن اسمي سجل,
بمبادرة من بعض زملائي بدون شك, على »اللائحة الحمراء«
للأشخاص الذين يجب »التخلص منهم«). أعتقد بأن هناك عددا من المشكلات التي انقدت الى
طرحها, كمشكلة منطق الممارسة, بل حتى المفاهيم التي توجب علي صنعها لحل المشكلات, مثل فكرة
»الاعتياد«,
تولدت من الجهد الذي بذلته لفهم رجال ونساء وجدوا أنفسهم مرميين داخل كون
اقتصادي غريب وأجنبي, جلبه الاستيطان, ولديهم عدة ذهنية وجاهزية, لاسيما
اقتصادية, مكتسبة في عالم ما قبل رأسمالي. ** في كتابك حول هايدغر, ومن ثم في كتابك
»تأملات باسكالية«
نراك تجدد الصلة بطريقة واضحة مع الفلسفة, ولكنك تفعل ذلك من أجل القيام
»بنقد للعقل المدرسي«
كيف تحلل من هذه الزاوية الحقل الفلسفي الفرنسي, منذ سارتر حتى أيامنا
هذه? - لن أجازف بالطبع بأن أقدم تلخيصا فحسب لوصف الحقل
الفلسفي الفرنسي وتطوره, منذ سارتر وحتى أيامنا هذه. كل ما أستطيع قوله هو
أنني لم أفهم إلا مؤخرا مبدأ القلق الذي كنت اشعر به دائما أمام (أو داخل)
هذا الحقل, وهو المبدأ الذي أفصحت عنه في كتابي »تأملات باسكالية«:
أعني بذلك ما أطلقت عليه اسم »وجهة النظر المدرسية«,
وهي وجهة نظر المتفرج الذي نظرا
لجهله بحاله هذه, يروح بطريقة لا واعية يبسط نفسه عالميا, فارضا نفسه
محل ومكان وجهة نظر الفاعلين المنخرطين في الممارسة العملية. ولأنني بدون شك
لجأت الى »موضعة«
وجهة النظر هذه كي أكون على مستوى فهم الممارسات (الطقوسية تحديدا) التي
حاولت ان أموضعها وأن آخذ (فكريا) وجهة النظر العملية للفاعلين المنخرطين في
العمل, فقد استطعت إنشاء هذه النظرية حول الوضعية النظرية التي تفصلنا عن
منطق الممارسة, وعن ممارستنا بالذات, مستعيدا بهذه الطريقة وفوق ذلك تجربتي
الأصلية بالذات مع العالم الاجتماعي, وهي التجربة التي أبقتني دائما في منأى
عن الانغماس السعيد داخل الوهم المدرسي. ** القليل من مجلات العلوم الاجتماعية حظي بالانتشار
وبالتأثير اللذين عرفتهما مجلة »أعمال البحث في العلوم الاجتماعية«
أي المجلة التي أسستها أنت عام 1975. بعد خمس وعشرين سنة تقريبا, ما هو
تقييمك لتجربة النشر هذه, وماذا بدلت, على نحو خاص, في مهنة عالم
الاجتماع? - أشعر بالسرور لأنكم تتحدثون عن مجلة »أعمال البحث في العلوم الاجتماعية«,
وذلك لأنني أعتقد بأنها, من بين كل مشاريعي (ومعها ربما مجموعة »الحس المشترك«
التي أشرفت عليها خلال سنوات كثيرة, في دار نشر »مينوي«
والتي أواصلها اليوم لدى دار نشر »سوي«
في عنوان »ليبر«
هي التي تعطي الفكرة الأكثر صوابية عن المجموعة العلمية المتضافرة التي سعيت
الى تفعيلها. أولئك الذين لا يعرفون عين سوى الكتب او حتى, كما هي حال معظم
الصحفيين, الكتاب الأكثر نحافة والأكثر ظاهرية من بينها, وهو »حول التلفزيون«
الذي يخلطون غالبا بينه وبين كتاب سيرج حليمي »كلاب الحراسة الجدد«,
الصادر ضمن السلسلة ذاتها), كل هؤلاء لا يستطيعون تكوين فكرة صحيحة عن
المشروع الجماعي, وعن المساهمة الجماعية, التي جلبها رهط بكامله من الباحثين
الشيوخ والشب ان خصوصا, المعروفين وغير المعروفين (على الأقل لدى نشر أول
كتاب لهم), فرنسيين وأجانب, وقدموها من أجل تصور وتفعيل تعريف جديد لعلم
الاجتماع, وهو تعريف راح يفرض نفسه شيئا فشيئا على جملة الحقل العلمي (خصومنا
يقولون غالبا بأن هذا التعريف بات »مسيطرا«,
بدون التذكير مرورا بأن مبدأ هذه »السيطرة«
لا يعود الى السلطة الأكاديمية, التي تكاد تكون معدومة, وهذا ما آسف عليه,
خلافا لاعتقاد يجري الترويج له, ولا يعود إلى السلطة الاقتصادية). ومع أن
المجلة تحفل بعبارات الشكر والامتنان لمؤسسات جامعية مرموقة, كالكوليج دو
فرانس, ومعهد الدراسات العليا, وبيت علوم الانسان, والمركز الوطني للبحث
العلمي, فإنها عاشت حصرا, وحتى وقت قريب جدا, من مداخيل مأخوذة من المبيعات
(حتى من أجل شراء تجهيزات مثل جهاز طباعة البطاقات خلال فترة أو الكمبيوترات
اليوم) ومن تفاني عدد صغير من الأشخاص التابعين إداريا للمؤسسات التي ذكرتها,
لا سيما بيت علوم الانسان الذي لم يبخل, منذ أيام فرنان بروديل وكليمانس
هيلير, بتقديم الدعم المعنوي. وقد أدخلت المجلة الكثير من التجديدات (جرى
غالبا نسخها الى حد بعيد منذ ذلك الوقت) في مجال بلاغة الخطاب العلمي في
العلوم الاجتماعية: النسخ الطباعي لوثائق, تأطير عبارات, »مقاطع«
مبرزة على سبيل الاشهار, صور فوتوغرافية, إلخ. على أن الأمر الأكثر أهمية هو
أنها فرضت كتحصيل حاصل اختيار مواضيع علمية يتجاهل منهجيا التراتب الاجتماعي
للمواضيع (لاسيما التمييز بين مواضيع شريفة وأخرى وضيعة), وفرضت خصوصا طريقة
في التناول تقوم على رفض القطيعة بين النظري والتجريبي (أو كما يقول
الانكلورساكسون في أولئك الذين يتلقفون رؤيتهم, بين النظرية والمنهجية). أو
أنها, في صورة أكثر دقة, جعلت مبدأ الاصطفاء الواضح هو البحث في أعمال تطرح
مشكلات نظرية مهمة بصدد مواضيع تجريبية ذات سمات بارزة تحديدا, وهي أحيانا
تافهة من الناحية الاجتماعية أو السياسية (كالورق الذي كان يطرح السؤال
المعهود, خصوصا في فترة انتصار المعتقد الماركسي, حول »الفيتيشية«
(الضمية), وكان يستند الى تحليل يتعلق بسوق خياطة وتصميم الأزياء الباذخة),
وباستثناء بضعة توضيحات تربوية حول بضع أدوات شائعة الاستعمال ضمن المجموعة,
كما هي حال فكرة الرأسمال الثقافي او الرأسمال الاجتماعي, فإن المجلة لم
تتهاون وتخضع قط أمام المحاباة الأكاديمية للخطاب النظري في ذاته ولذاته
(وهذا من دون شك هو أحد أسباب نجاح مبيعاتها). باختصار, وكما كان يقول
(المؤرخ الفرنسي) فرنسوا فوريه أيام كان يفصح حيال مشروع المجلة عن تسامح
أكبر مما فعل في السنوات الأخيرة, فان مجلة »أعمال البحث.. «
هي ثمرة »محترف«
يحصل فيه عمليا اكتساب ترسيمات للادراك والاستساغة, واكتساب أدوات بناء
للموضوع, ومهارات تقنية وطرائق تحليل (نحن نحضر الآن عددا خاصا سوف نكرسه
لترسانة الطرائق التي قمنا بصياغتها أو بتطويرها الى حد الاتقان, بدءا بتقنيات التحليل
الاحصائي للمعطيات كتحليل التراسلات المتعددة أو تحليل النكوص, وصولا إلى
تقنيات للوصف والتحليل السوسيوغرافيين, المبرزين في المجلة على يد باحثين مثل
ايفيت دلسو, عبدالملك صياد, أو ميشال بيالو, أو أيضا بالطرائق الجديدة لاجراء
وتقديم مقابلات يقصد منها أو يؤمل منها, مرة أخرى أيضا, كسر التقسيمات,
التراتبية دائما, بين تقنيات يقال عنها بأنها كمية, وتوضع في خانة العمل
الجدي, الساخن, الذكرى, وبين تقنيات يقال عنها بأنها نوعية, أو وضعية). على
هذا النحو قيد لمجلة »أعمال البحث«
أن تلعب دورا رئيسيا كوسيلة لتعليم البحث. ثمة مقالات يسعنا اعتبارها ممتازة,
من زوايا أخرى (كنظرية الدولة عند هيجل ودوركهايم على سبيل المثال), لكنها
مستبعدة بمقتضى اتجاه المجلة, وذلك ليس باسم ارثوذكسية نظرية ما, كما يظن
البعض في أغلب الأحيان, أو بسبب عقلية كنسية ضيقة أو عقلية الفرقة المعزولة,
بل لأن هذه المقالات لا تغني حقا, على ما يبدو, ؛علبة الأدوات« التجريبية-
النظرية التي نريد اعطاءها للقارئ (والتي نضعها كذلك من أجلنا نحن, بعقلية
تتوخى الاعداد المستديم والمتصل). ** لقد شاركت بقوة في حركة الاضرابات الفرنسية ما
بين تشرين الثاني (نوفمبر) وكانون الأول (ديسمبر) من عام 1995. رأيناك تترأس
اجتماعا نضاليا مع مستخدمي السكك الحديدية الذين كانوا في طليعة حركة
الاضراب, ورأيناك تمهد عام 1996 لاجتماع يضم سائر مكونات الحركة الاجتماعية
(نقابات, جمعيات نضال, باحثون وأساتذة), كما رأيناك تلقي خطابا في الشارع في
غمرة التحرك الذي قام به العاطلون عن العمل في شتاء 1997. لدى قراءة كتبك
يظهر أن التفكير العلمي في
الواقع الاجتماعي, من كتاب, »الورثة«
الى كتابك »بؤس العالم«,
هو الذي قادك الى الخوض في وقت واحد في الخطاب العلمي والخطاب السياسي. هل
يمكنك تحليل هذا المسار المزدوج? - بقيت دائما أتصو ر عملي باعتباره عملا لا ينفصل فيه العلمي عن السياسي. وهذا الأمر صحيح منذ سنوات اقامتي في الجزائر إذ أن الكتب التي نشرتها مثل »العمل والعمال في الجزائر« أو كتاب »الاقتلاع« كانت ترمي إلى تقديم شهادات علمية حول أوضاع سياسية ساخنة (وهي طريقة تشبه بعض الشيء طريقة عالمة الاجتماع المتحدرة من أصل هندي والتي قامت مؤخرا بدراسة حول أوضاع اللاجئين الفلسطينيين في لبنان), أو في صورة أكثر دقة, الى تقديم أجوبة علمية على مسائل تطرح تقليديا على أرضية السياسة, كما هي حال مسألة الشروط الاقتصادية والاجتماعية لبزوغ الوعي الثوري (وهي مسألة طرحت آنذاك من خلال امتداح الثورة الفلاحية على الطريقة الصينية), أو أيضا, في صورة مشابهة بعض الشيء, مثل مسألة الاختلاف بين البروليتاريا والبروليتاريا الرثة. وهذا الأمر كان صحيحا كذلك فيما يخص البحوث التي قمنا بها, عشية حركة عام 1968, حول التربية, وهي بحوث لم يمنعها اعتراضها على الرؤيا الهادفة الى تصوير | |||||