276

 

بقلم :أ.د.علي أسعد وطفة

كلية التربية - جامعة الكويت

 

              

تأملات في مفهومي الشباب وثقافة الشباب:

مقدمة:

تطرح إشكالية الحيـاة الثقافيـة والاجتماعيـة للشـباب نفسـها فـي نسـق المسائل الاجتماعية والثقافية  للعصر الذي نعيش فيه.  لقـد أدت التغـيرات العاصفة في ميادين الحياة الثقافية والتكنولوجيـة والعلميـة إلى تغـيرات عميقة في ذهنية الإنسان وفي نظرته إلى الوجود وفي عمق بنيته النفسية هـذا إذا لم تؤدي هذه الصدمة الحضارية إلى انشطارات حقيقيـة فـي بنيـة الـوعي الإنساني وهي الإنشطارات التي تتجلى في منظومة الذهانات النفسية التي أدت إلى انفصام وجودي ليس على مستوى الفرد بل على مستوى الجماعة ويتبـدى ذلـك جليا في البلدان المتقدمة تكنولوجيا.  

إن التحولات الأسطورية في ميدان الحيـاة العلميـة والتكنولوجيـة تضع إنسان اليوم في مواجهة تحديات  مصيرية. وتتمثل هـذه التحديـات فـي منظومـة التحولات العلمية والتكنولوجية الخاطفة مثل: التحديات التي تتعلق بهندسة الوراثة وهندسة العقول الإلكترونية وهندسة الاتصـال وهندسـة السـلوك وهـي هندسات تتجاوز حدود التصورات الإنسانية.

   والشباب اليوم هم أبناء العصر الذين يعيشون فيه ايقاعات حيـاة يتجـاوز فيها الواقع حدود الخيال.  وهم يواجهون في إطار ذلك تحديات ثقافية جـديدة  يطرحها التطور العلمي والتكنولوجي المتقدم.  انهم فـي مواجهـة الانشـطارت السرطانية ذات  الطابع الأسطوري للحاجات الثقافيـة المتناميـة. إن العصـر الذي يعيشه شـباب اليـوم عصـر تحسـب فيـه الثـورات والانقلابـات العلميـة بالدقائق والثوان: أجيال الحاسبات الإلكترونبة - أجيال التكنولوجيـة فـي مجال الاتصال والمعلوماتية - أجيال الثورات البيولوجية: الحموض الوراثية والشيفرات الوراثية والاستنساخ البشري.  

   وفي قلب هذا الوضعية الأسـطورية للتغـير  الـذي يتلاشـى فيـه الإحسـاس المتكامل بالوجود يجري الحـديث عـن وضعيـة الشـباب فـي مواجهـة التحديـات والاندفاعات التكنولوجية الجديدة، التي تبدد تصورات الإنسان عـن المكـان والزمان، ويجري الحديث عن المعاناة الشـبابية " الجيليـة " فـي مواجهـة التغيرات الثقافية الجديدة والتي تتجلى في صيغة اشـكالية وجوديـة ثقافيـة واجتماعية متأزمة  فما هي إمكانية الشباب وما هي الطاقات الثقافية للشباب في مواجهة المشعات التكنولوجية الجديدة.

في إطار هذه التحولات الوجودية العميقة للحياة والمعرفة العلمية تعمـل ثقافة الشباب على تطوير الفعاليات الثقافية التكيفية للشباب وهي ووفقـا لدرجة التحديات الثقافية الجـديدة تتشـظى فـي محاولـة للاسـتجابة لمطـالب الاندفاعات الحضارية المتجددة والتي تأخذ طابعا أسطوريا.  وهـي فـي إطار انشطاراتها تدفع الشباب إلى رحلة يحاول فيها الشباب المعاصر يضع يده على عينيه بعيدا عن المشاهد المأساوية  التـي تتجـاوز حـدود تصـورات الإنسـان المعاصر وذلك كنتيجة للفعل الحضاري الذي يهدد بنيـة الثقافـات القائمـة.  

والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هل تستطيع ثقافات الشباب أن تسـتجيب بفعاليـة لمتطلبات الثورات الاجتماعية التكنولوجية المتدافعة ؟

إن البحث في ما أتينا عليه هو من الصعب المستصعب لأن ذلك يباشر وضعيـة الإنسانية برمتها لا وضعية الأجيـال المتلاحقـة فحسـب.  ولكننـا فـي هـذه المقالة سنحاول أن نعرف بثقافة الشباب ذلك المفهوم الذي ينطوي عـلى غمـوض وتشاكل ليس باليسير الهين.  وفي رحلتنا القصيرة في هذه المقالـة، والتـي تطرح نفسها كمشروع كبير لدراسة قيم الشباب وأزمة الحضارة فـي انعكاسـاتها على قيم الشباب، سنعمل على تحديد التخوم الأساسية لمفهوم ثقافة الشباب:

 1- تعريف لمفهوم الشباب ومؤشراته الثقافية والاجتماعية.

2- ما ثقافة الشباب  بالعلاقة مع ثقافة المجتمع ؟  

 3- ثقافة الشباب بوصفها ثقافة فرعية.

   4 ما العوامل الاجتماعية التي أدت إلى ولادة الثقافة الشبابية ؟  

5- ما الوظيفة التي تؤديها ثقافة الشباب بوصفها ثقافة فرعية ؟   6- وظيفة ثقافة الشباب.  

    أولا: قراءة في مفهوم الشباب:

   يطرح مفهوم الشـباب إشـكالية علميـة كبـيرة تواجـه البحـوث والدراسـات الاجتماعية التي تباشر أوضاع هذه الفئة الاجتماعية.  وتأتي هذه الإشكالية انعكاسـا للتنـوع الكبـير فـي  دلالات المفهـوم بيـن البلـدان وفـي مجـال الاستخدام المتنوع الذي يتبدى في الدراسـات والبحـوث الجاريـة فـي ميـدان الشباب.  إذ غالبا ما يشار إلى فئات عمرية مختلفة في تحديد هـذه الشـريحة الاجتماعية وذلك يتباين في إطار البلد الواحد ويتنافر إلى حـد كبـير بيـن المجتمعات الإنسانية المختلفة.  

   ويمكن الإشارة في هذا الخصوص إلى الجهود الكبيرة التي بذلت في السنوات الأخيرة من أجل تحديد المؤشرات الواحدة لتحديد الفئة الشبابية في العـالم.  وقد ترامت هذه الجهود من باحثين منفردين إلى مستوى المؤسسـات والمعـاهد العلمية المختلفـة بمـا فـي ذلـك مؤسسـات اليونيسـكو والمؤسسـات القوميـة والوطنية.   

   لقد بينت الدراسات التي أعدت من قبل الأمانة العامة لليونيسكو وذلـك من اجل التحضير للمؤتمر الاقليمي الخاص بإعداد نظام المؤشرات الشبابية في كولومبو (1983 ) -  أنه لا يوجد حد أدنى من التـوافق الـدولي حـول مفهـوم الشبيبة. وتعود المشكلة بالدرجة الأولى إلى مسالة تحـديد الفئـة العمريـة التي تتغاير من بلد لآخر في العالم.  ففي آسيا على سبيل المثال ينتسب إلى الشباب الأفراد الذين يقعون في الفئة العمريـة مـن سـنة حـتى 25 سـنة فـي تيلاندا، ومن 15 إلى 25 سنة في الفليبين، ومن 15 إلى 30 فـي بنغلاديش، ومن 15 إلى 35 في الهند، ومن 10 إلى 24 في الباكستان.

   إن النظر إلى الشباب كفئة عمرية متجانسـة ينطـوي عـلى بعـض المفارقـات بالنسبة للأجيال الجديدة، حيث تتباين هـذه الأجيـال إحداهـا عـن الأخـرى بتبـاين الشـروط الاجتماعيـة التـي تحـيط بهـم وخاصـة منظومـة التوجهــات الاجتماعية والقيمية السائدة. وتتمايز أيضا بتمايز التجـارب الاجتماعيـة التي تؤديها.  (1985: Gazso. F).

    ومن جديد احتضن المؤتمر العالمي للشباب - الذي عقد فـي برشـلونة عـام 1985 وذلك في إطار العام الدولي للشـباب. - هـذه المسـألة وبينـت اللجنـة المخصصة لدراسة مؤشرات الشباب إن مفهوم الشباب يعـاني مـن القصـور ويشـكل مسار  فهم مختلف يتباين باختلاف المكان والزمان واختلاف الشروط الثقافيـة في كل مرحلة تاريخية.  

   ومع ذلك فان اغلب الباحثين (بما فيهم خبراء اليونيسكو ) يميلـون إلى الاعتقاد بأن الفئة العمرية الشابة هي الفئة التي تقع بين الخامسـة عشـرة والرابعة والعشرين من العمر.  وذلك من شانه ان يمهد لعملية جمع المعطيـات الإحصائية الثقافية  الخاصة بالشباب واحتياجاتهم ومشكلاتهم.  

   وفي هذا الصدد يعلن الباحثان الألمانيان  ليسنغ Lessing ولييبـج Liebg  ان مفهوم الشباب مفهوم إنشائي  ذهني خالص، وبالمقارنـة تتمـيز  مفـاهيم الطبقة والسلطة والنمو  بالوضوح والقطعية (1988: venediktov. M ).  

     يرى السوسيولوجي هارتمان Hartmann. J ان الشباب يشكلون قوة حيوية في المجتمع وان شروط الحياة وطبيعة المشكلات التي يواجهونها تجعل منهم شريحة اجتماعية يمكن مقارنتها بأية شريحة اجتماعية أخرى. ويرجع هاتمان التجـانس الذي يتميز به الشباب  إلى تأثير القوى الاجتماعية التي تجعل منهم شـرائح اجتماعية متميزة وذلك في مختلف البلدان وفي مختلف مراحل التطور التـاريخي.

   لقد حاول السوسيولوجي الرومـاني مـاهلير - Mahler F  معالجـة إشـكالية مفهوم الشباب عبر دراسته لاتجاهات الباحثين نحو الشـباب ودور الشـباب فـي الحياة المعاصرة وبين أن هناك مفارقات كبيرة بيـن البـاحثين فـي تحـديدهم لمفهوم الشباب وان هناك عدة معايير ينطلق منها لتعيين حدود هذا المفهوم.  فبعض الباحثين يرى  أن الشباب  يمتلك ذاتـا تاريخيـة فاعلـة وقـادرة عـلى مباشرة الفعل السياسي المستقل وبالتعاون مع بعض القوى السياسية وان سـلوك الشباب يندرج في إطار السلوك الاجتماعي  في كليته وشموليته، بينما يعتقد بعض آخر وعلى خلاف ذلك أن الشباب لا يشكل  قوة سياسية وبان سـلوكه مرهـون بخصوصيات  بيوـ نفسية  وانتربولوجية متعلقة بالعمر والبنية الجسدية.  

   فالشباب نتاج لكل الفعاليات الاجتماعية السارية فـي المجـتمع وهـم فـي الوقت نفسه قوة حقيقية وتمتلك على خصوصية وخاصة في الاوقات الحرجة لعملية التغير الاجتماعي.  وفي هذا الصدد أكد المشـاركون فـي النـدوة الإقليميـة الأوروبية عام 1994 التي نظمها المركز الأوروبي للبحث عن الفعـل الاجتمـاعي انه يجب أن ينظر إلى الشباب بوصفهم محصلـة انفعاليـة تهيئ الفـرد للرشـد الاجتماعي وان الشباب يلعبون دورا رئيسا في العمليات الاجتماعية الجارية.  

ومن اجل إدراك هذه العمليات وجوانب الحياة الشبابية يسـعى البـاحثون إلى دراسة مختلف الشروط التي تحيط بحياتهم الاجتماعية وذلك على مستوى العائلة ونظام التعليم والعمل وأوقات الفراغ.

   بلغ عدد الشباب العالمي، كما تشير المعطيات الإحصائية لمنظمة    اليونيسكو ،515 مليون عام 1960 وارتفع إلى 922 مليـون  عـام 1984، اي بزيادة قدرها 179% خلال هذه الفترة الزمنية.  ويقدر أن يصـل عـدد الشـباب إلى مليار ونيف في نهاية عام 2000 (1988: Mikhail Venedictov ).

   وتشير هذه المعطيات الإحصائية إلى الأهمية الكبيرة للشريحة الاجتماعية التي تمثلها الفئة الشابة في بلدان العالم وأقطاره المختلفة.  ويضاف إلى ذلك الخصوصية الاجتماعية والثقافية التي تتميز بها هذه الفئة الاجتماعيـة الواسعة على المستوى العالمي.  لقد لعب الشباب وخاصة في العقـود الأخـيرة ادوارا سياسية بالغة الأهمية لتحقيق بعض الطموحات الاجتماعيـة والسياسـية

والثقافية ،.  ويكفي في هذا الصدد أن نذكر التظاهرات الطلابية التي انفجرت في فرنسا وخاصة هذه التي اندلعت في عام 1986 في باريس تلاحقت في في كل من روما والصين وذلك من اجل الديمقراطية التربوية ومن اجل المساواة والعدالة الاجتماعية (1993. 24: Ali watfa ).

   وقد بلغ عدد الشباب إلى مجموع السكان فـي العـالم العـربي الحـاضر مـا يقارب من  50 %  وأن هؤلاء الشباب سيصبحون بعد فترة من الزمن قـوة عاملـة في المجتمع ومن هنا فإن مشكلات الشباب تتمـيز بالأهميـة والخـطورة.  " إن مستقبل الأمم، كما يقول غوته Goete  مرهـون بطاقـات عناصرهـا الفتيـة " (جميل صليبا: 93).  

   وقد ادرك الباحثون والمفكرون أهمية الظاهرة الشبابية وبدأت سلسـلة مـن

الأبحاث والدراسات المتواترة التي هدفت إلى تحليل وإدراك قانونية الظاهرة الشبابية بأبعادها الاجتماعيـة والتربويـة والسياسـية. وخاصـة فـي النصـف الثاني من القرن العشرين.  وبدأت المؤسسات العالميـة والمنظمـات الدوليـة تولي المسألة الشبابية أهمية خاصة وترصد لها المؤتمرات والندوات والأبحاث من اجل تحديد احتياجات هذه الشريحة الاجتماعية والعمل على إيجـاد الحـلول المناسبة للمشكلات الشبابية التي فجرها عصر التغيرات المتسارعة.  وفي هذا الصدد يمكن الإشارة إلى الجـهود الكبـيرة التـي بذلتهـا وتبذلهـا منظمـة اليونيسكو والمنظمات والاتحادات الشبابية في أقطار العالم المختلفة.      

     إن للشباب في كل زمان ومكان خصائص إنسانية خصائص متشابهة سـيكولوجيا وسلوكيا ودافعيا وهي تنطوي على كثير مـن سـمات العطـاء والكـرم والحماسـة والمروءة، كما تنطوي في الوقت نفسه على الكثير من التسرع والتردد والقسوة والعنف.  

   ويواجه الشباب الذي يعيش في مجتمعات كثيرة التغير، الكثير من المشكلات التي لا يواجهها شبان المجتمعات الراكدة(جميل صليبـا:، 99).  إن شـبابنا يعيشون في عصر سريع التغير، تصارعت فيـه القيـم داخـل فيـه التـوازن بيـن الوسائل والغايات وانتشر فيه الاضطـراب السياسـي والقلـق النفسـي وفقـدان الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي.  

 

ثانيا: ثقافة الشباب 

   تشكل الثقافة أداة الإنسان فـي مواجهـة المشـكلات التـي تعترضـه ، وهـي بالتالي نظام مغلق من الأسئلة والأجوبة حول المآزق التي يواجههـا الكـائن في بيئته.  وذلك يعني أن الحاجـات الإنسـانية تطـرح نفسـها عـلى الثقافـة الإنسانية وتسعى بدورها ومن خلال الثقافة إلى إيجاد استجابة تمكن الكـائن من التوافق مع معطيات الحاجات المتنامية لديـه.  ومـن هـذا المنحـى يمكـن القول أن الحاجات المتجددة تنعكس في بنية الثقافة القائمة، وعندما تنبـع  هذه الاحتياجات في إطار شريحة اجتماعية خاصة فإن الثقافة السـائدة تولـد إجابات خاصة متماسكة تتميز بطابع الخصوصية.  

   ومن هذا المنطلق ينظر برونسـلو مالينوفسـكي Malinowisky Bronslau إلى الثقافة بوصفها " جهازا يجعل الإنسان فـي وضعيـة أفضـل لمواجهـة المشـاكل الملموسة الخاصة التي تواجهه في بيئته فـي سـياق تلبيـة حاجاتـه " (جـان فريمون: 4891.  58 ) وفي هذا الاتجاه يعلن دانيال بل فـيري  Daniel Bell أن " الثقافة هي الجهد المبذول لتقديم مجموعة متماسـكة مـن الإجابـات عـن المآزق المحيرة التي تواجهها الكائنات البشرية فـي مجـرى حياتهـا (جـان فريمون: 4891، 58) وفي هذا الصدد أيضا ينظر غوسـتاف فـون غرينبـوم إلى الثقافة بوصفها نطاما مغلقا من الأسئلة والأجوبة المتعلقة بالكون والسلوك الإنساني "  (،1 3791:  runbum Von Edmund Gustav).

   ومن الطبيعي أن تكون الثقافة العامـة للمجـتمع  عـلى درجـة عاليـة مـن التجانس فـي سـماتها وملامحهـا.  وبالتـالي فـإن خاصـة التجـانس الثقـافي لا تتعارض  مع خاصة التنوع الثقافي  ولذلك فإن التنوع الثقافي  يشـير إلى وجود ثقافات متباينة في إطار  الثقافـة الواحـدة وذلـك دون أن يهـدد ذلـك الوحدة الثقافية.

   وفي هذا الخصوص يمكن القول أن المجتمعات الحديثة  تتكون "   من ثقافات  فرعية ميدانية لكل منها طائفة من المعايير والقيم الخاصة بها، التـي ترسـم أهداف الحياة لأفرادها " (محمد الجوهري:  1980، 281).   وتحدد الثقافـات الفرعية شأنها في ذلك شأن الثقافات العامة نمط السـلوك الـذي يتوجـب عـلى أفرادها وتحدد لأفرادها على المستوى القيمي ما يجب فعله وما لا يجب.  

     ولا بد من الإشارة في هذا السياق إلى القانونية الثقافية والتي تقول بانه كلما ازدادت درجة التطور الاجتماعي كلما ازداد التنـوع الثقـافي فـي إطار الثقافة الواحدة.  واذا كانت الثقافات البسيطة (ثقافـات المجتمعـات الرعوية والقبلية والزراعيه) تتميز بتجـانس كبـير بيـن السـمات الثقافيـة القائمة فان المجتمعات الصناعية المعقدة تتميز بتنـوع ثقـافي يفـوق حـدود الوصف.  فالتكامل في المجتمعات البسيطة يأخذ - في عرف دوركهـايم - صيغـة التكامل الآلي بينما وعلى خلاف ذلك يأخذ في المجتمعات المعقدة والمتطـورة صورة التكـامل العضـوي.  وذلـك يعنـي أن التنـوع الثقـافي  لا يشـير إلى الانشطار الثقافي بل يومئ إلى الغنى والثراء الثقافيين.  

   عندما نتوغل بعيدا داخل الثقافات التقليدية القديمة أو البدائيـة نجـد أنفسنا إزاء ثقافات تتميز بالبساطة والتجانس والتكـامل، إذ لا تعـدد فـي مساراتها وعناصرها المكونة.   فنحن إزاء ثقافة واحدة بسـيطة غـير مركبـة.  وفي إطار هذه الثقافات لا توجد هنـاك  نمـاذج ثقافيـة أو ثقافـات فرعيـة.  فثقافة الشباب لا تختلف هنا عن ثقافـة آبـائهم أو عـن الثقافـة السـائدة.  

ويعود ذلك إلى بساطة الحياة الاقتصادية والاجتماعية وفي هذه المجتمعـات (مجتمعات صيد، مجتمعات زراعية بسيطة، مجتمعات رعوية ) فالشباب يتمثلون قيم الثقافة التقليدية السائدة ويتواجدون معها دون إحـداث تغـيرات عميقـة فـي سماتها ومظاهرها.

   وتبرز في المجتمعات المتطورة  منظومة من الثقافـات الفرعيـة وذلـك فـي مستويات عديدة.  ففي المستوى الاجتماعي تطالعنـا ثقافـات متعـددة كثقافـة العمال وثقافـة الفلاحـين وثقافـة رجال الـدين.  وعـلى المسـتوى المهنـي يمكن الحديث عن ثقافات فرعية تغطي المنظومة المهنية القائمة فـي المجـتمع مثل ثقافة صيادي الأسماك وسائقي السيارات والتجار والصناع وغـيرهم، وفـي السياق الجغرافي يمكن أن نسرد قائمة تبدأ بثقافة المدينة وثقافة الباديـة وثقافة الريف وثقافة الشمال وثقافة الجنوب وثقافة الداخل والسـاحل الـخ.  وعلى المستوى العمري يمكن لنا أن نتحدث عن ثقافة الأجيال وثقافة الأطفـال وثقافة الآباء وأخيرا عن ثقافة الشـباب وهـي ثقافـة تتمـيز بدرجـة عاليـة من الخصوصية والأهمية.  

      كان الشباب في المجتمعات البسيطة يجدون في ثقـافتهم العامـة مـا يلبـي احتياجاتهم وما يستجيب لمستوى طموحاتهم وأسئلتهم الوجودية وقد تم التعبير عن ذلك في صيغة التوافق بين ثقافة الشباب والثقافة العامة وبعبـارة أخـرى لم تكن هناك ثقافات فرعية خاصة بالشباب ويعني ذلك بالنتيجـة أن  الأسـئلة التي يطرحها الشباب وأن احتياجـاتهم مـا كـانت فـي طـور المفارقـة لأسـئلة الأجيال السابقة ومن هنا كانت الثقافة البسيطة تلعب دورا كبيرا في تلبيـة احتياجات الجميع دون تخصص أو تشعب أو خصوصية.

   وعلى خلاف دلك كله بدأت الحياة الاجتماعية تطرح في الثقافات المتقدمـة  تساؤلات في مسار التجدد الدائم وبدأت الاحتياجات الجديدة للشـباب تـتزايد على نحو سرطاني  وبمقتضـى هـذا النمـو الـدائم للاحتيـاجات والأسـئلة وضـع  الثقافة العامة في وضعية الانشطار والى ولادة الثقافة الفرعية للشباب فـي محاولة الاستجابة للوضعيات الجديدة دائمة الصيرورة والتجدد في القيم وفـي الاحتياجات.  

   وهذا كلـه يعنـي أن الشـباب لا يجـدون فـي الثقافـة العامـة مـا يلبـي احتياجاتهم المتنامية وما يرشد تساؤلاتهم ولذلك يعمل على بناء ثقافـة فـي مستوى الاستجابة للوضعية الجديدة وهي الثقافة الفرعية للشـباب والتـي قـد تدخل في صراعات سافرة أو مضمرة أو سـاخنة أو بـاردة مـع معطيـات الثقافـة العامة التقليدية السائدة في المجتمع.  

       فالاحتياجات الشبابية الخاصة التي تطرحها طبيعة التغير الاجتماعي فـي عمق الشريحة الشبابية تنعكس على هيئة استجابات ثقافيـة خاصـة وتمثـل هـذه الاستجابات الثقافية الفرعية للشباب وهي في هذه الصيغة منظومة من الإجابات المنظمة التي تستجيب لمنظومة من الحاجات والمشـكلات التـي تعـترض فئة الشباب كفئة اجتماعية تتميز بالخصوصية.  وبناء على ذلك يمكن القول أن الإجابات  العامة تصب في إطار الثقافة العامة بينما تتجه الإجابات الخاصة في مسارات الثقافات الفرعية المعنية.  

   ومن هذا المنطلق يمكن النظر إلى ثقافة الشباب بوصفها ثقافة فرعية تعبر عن طبيعة استجابات الشباب وطموحاتهم واحتياجاتهم.  وهي تنطوي عـلى منظومـة من القيم والمعايير والاتجاهات المتكاملة نسـبيا التـي تضـرب جذورهـا فـي ذهنية الشباب وفي وجدانهم.  وتشـكل ثقافـة الشـباب بمضامينهـا ومنطلقاتهـا وقيمها إحـدى المداخـل الأساسـية لتحـليل وضعيـة الشـباب وإدراك قضايـاهم ومشكلاتهم.

   وبناء على معطيات هذه الملاحظات يمكن تعريف ثقافة الشباب بأنها منظومة التساؤلات والإجابات  المفتوحة المتعلقة بالكون والسـلوك والحيـاة وأنهـا بالتالي تمثل الجهود الشبابية المبذولة من أجل تقديم الإجابـات المناسـبة لمواجهة الوضعيات الجديدة التي تواجه الشباب في عصر متغير.      

   وتشير ثقافة الشباب كثقافـة فرعيـة إلى طريقـة الشـباب فـي التفكــير والحيـاة والعمل لوهي بذلك تتضمـن منظومـة مـواقف الشـباب ونظـرتهم  إلى الوجود ومواقفهم واتجاهاتهم  نحو جوانب الحياة المختلفة.  وهـي ثقافة خاصـة تستجيب لتطلعات مرحلة عمريـة بالغـة الأهميـة في حياة الأجيال المتعاقبة.

    وغالبـا ما تكـمن خصوصيـة الثقافة الشبابية فـي مجاراتهـا  لمعطيــات الاندفاعات الحضـارية المعاصرة.  كمـا تكـمن هـذه الخصوصيـة فـي التنـافر القيمي بين ثقافة الشباب وثقافة الراشدين وفي  معارضتها للقيم  التقليدية القديمـة.  فثقافــة الشــباب تمثــل فــي اتجاهاتهــا وتياراتها الأغصـان الجديدة للثقافة الاجتماعية.  

   هذا وتعبر ثقافـة الشـباب بوصفهـا ثقافـة فرعيـة عـن  توجهـات ثقافيـة  لشرائح الشباب الاجتماعية التي تتميز بخصوصية وتنفرد بسمات ثقافيـة خاصـة بها.  ومن هذا المنطلق تحدد ثقافـة الشـباب لأفرادهـا طـرقهم الخاصـة فـي  الحياة وتستجيب لاحتياجاتهم المتنامية.   

   إن ثقافة الشباب ليسـت تصغـيرا أو تبسـيطا لثقافــة المجــتمع  وذلــك  لأن الشـباب يوجدون في وضعية  جسمية  ونفسية واجتماعية خاصة بهم.     بـل ترتبط كأيـة ثقافــة فرعيــة أخــرى  بالثقافـة العامـة للمجـتمع وتتلـون بطابعها العام مع المحافظة على خصوصياتها وتفردها.  وليس بالوسـع تحــديد أبعـاد وخصـائص وثقافات الشباب في المجتمعات المختلفة لأن ثقافـة الشـباب في مجتمع ما تخـتلف  عنها في مجتمع أخر بسـبب  اخـتلاف الثقافـات العامـة وبسبب ما تتبعـه مـن وسـائل وأساليب لتثقيف الشباب  وما تضعـه مـن أهـداف لعملية التثقيف.     

   يعرف السيد عبد العاطي ثقافة الشباب بقوله " إن ثقافة الشباب هيكل مـن القيم والاتجاهات والمعتقدات ومعايير وأنمـاط السـلوك التـي يصنعهـا جـيل الشباب كحلول يتصورها لبعض المشكل البنائيـة (السـيد عبـد العـاطي السـيد: ،124 1990«).

   وتعرف  ثقافة الشباب أيضا بوصفها أسلوب حياة مستقل عن عالم الكبار وهو أسلوب لا يخضع لقيمهم ومعـاييرهم ومعتقـداتهم وأسـاليب سـلوكهم.  (أنظـر السيد عبد العاطي السيد: 1990).  ولكننا نعتقد بأن ثقافة الشباب منظومة من القيم والمعايير والاتجاهات التي تستجيب لحاجاتهم النفسية والاجتماعية وهي بذلك ليست بالضرورة في موقع التناقض مع ثقافة الراشـدين كليـة اذ قـد توجد ثقافة الشباب دون تعارضات أو مفارقات جوهرية مع الثقافة السائدة فـي المجتمع.  

   ويعتقد كلارك Clarc. J  "  أن الثقافة الفرعية للشباب هي محاولة لإحيـاء ثقافة متغيرة تدخل في مفاوضات جديدة مـع الثقافـات السـائدة أو المسـيطرة كإستجابة لموقفها البنائي للتغـير " (السـيد عبـد العـاطي السـيد: 1990 ،55).

   فثقافة الشباب بوصفهـا ثقافـة فرعيـة تتمـايز بالخصوصيـة و لا تتمـايز انطلاقا من مبدأ المعارضة والاختلاف والتناقض.  على سـبيل المثـال ثقافـة الفلاحين كثقافة فرعية لا توجد في حالة صراع مع الثقافة العامة للمجتمع و لا تتعارض معها بل تستجيب لحاجات الفلاحين واهتماماتهم وكـذلك هـو الحـال بالنسبة للثقافات الفرعيـة الأخـرى.  ومـن هنـا يمكـن القـول أن الثقافـة الفرعية للشباب ليست بالضرورة مناهضة لثقافة الراشدين أو للثقافة العامـة ولكنها تستجيب بخاصـة لحاجـات الفئـة العمريـة الشـبابية بكـل اتجاهاتهـا ومحاورها وقد تأخذ المعارضة في ظروف معينة هيئة تعارضـات جزئيـة ومرحليـة ولا يمكن لها أن تأخذ«صيغة التعارض إطلاقا لأن الثقافة العامة السائدة في المجتمع هي في نهاية الأمر الإطار المرجعي لثقافة الشباب وأسلوب حياتهم.

   وفي إطار ثقافة الشباب تتنوع استجاباتهم الثقافيـة وفقـا لدرجـة تنـوع احتياجاتهم، فلكل حاجة استجابة وعي استجابة تتحدد وفقا لمعايير أو قيم سلوكية محددة.  وثقافة الشباب في هذا السياق هي منظومة قيـم مترابطـة متكاملة وهي بذلك تمثل ذهنية الشباب التـي تتفـرع أيضـا إلى منظومـة مـن الاتجاهات وكل اتجاه إلى منظومة من الآراء والمواقف.  

      لقد أدت الحاجات المتنامية لجيل الشباب والتي تأتي اسـتجابة للتطـورات الاجتماعية والتكنولوجية المتسارعة إلى ولادة قيم وأنماط سـلوكية شـبابية لم تكن معروفة سابقا مثـل أدوات الزينـة والرياضـة والسـيارات والموسـيقا الصاخبة

      يعتقد علماء الاجتماع الوظيفيين أن ثقافة الشباب تمارس دورا وظيفيا وأن هذه الثقافة ظهرت كرد فعل للتغيرات التـي اعـترت الحيـاة الاجتماعيـة والتي افرزت مجموعة من المشكلات التي تصدت لها ثقافة الشباب (السيد عبـد العاطي السيد: 1990، 37 )

   في المجتمعات البدائية لا يوجد تباين بيـن  القيـم التـي ينشـأ عليهـا الأطفال وهذه التي تنظم  حياة البالغين وأن الانتقال مـن مرحلـة الطفولـة إلى المراهقة والى الشباب والبلوغ يتم بصورة عفوية دون إشـكاليات تربويـة أو قيمية، ويكتسب الأطفال مهارات البالغين بطريقة عفوية طبيعية، ويلاحظ أيضا أن الانتقال إلى مرحلة البلوغ مسألة طقوسية أو شعائرية وليس للشـباب هنا وجود واقعي مختلف عن الكبار أو الراشدين (انطر السـيد  عبـد العـاطي السيد:  1990 ،37).

   إن الوظيفة التي تؤديها ثقافة الشباب كما يعتقـد الوظيفيـون تمثـل فـي تخفيف حدة التوتر المصاحبة لعملية الانتقال من الطفولة إلى الرشـد والـى البلوغ (السيد عبد العاطي السيد: 1990، 40(.

   ومن هذا المنطلق فإن الثقافة الفرعيـة تقـدم حـلولا سـريعة للتناقضـات الكامنة في النسق الاجتماعي.  ويصف مايك براك الوظائف الاساسـية للثقافـة الفرعية على النحو التالي:

   1- تقدم الثقافة الفرعية حلولا لبعض المشكلات الناتجـة عـن التناقضـات الداخلية للبناء الاجتماعي وغالبا ما تكون هذه المشكلات مرتبطة بالاوضـاع الطبقية للاجيال المختلفة.

   2- تشكل الثقافة الفرعية نظاما ثقافيا يستخلص عناصر ثقافيـة دون اخـرى. وتستخدم هذه العناصر لتطوير أو اكتساب هويةاخرى خـارج الهويـة الموروثـة التي تحددت في إطار الاسرةأو مجال العمل.

   3- تقدم الثقافة الفرعية طريقة للحياة.

   4- تقدم حلولا للتناقضات الوجودية. الثقافية

   5- لما كانت فترة المرهقة هي مرحلة إعادة تشكيل فالثقافة الفرعية تشكل المصدر لإعادة التنشـئة الاجتماعيـة أو لمـا يسـمى  بالتنشـئة الاجتماعيـة الثانوية.  وتعمل  ثقافة الشباب كما يتصور كوهين Cohen-Ph  من جانبه  عـلى إيجـاد الحلول للتناقضات التي لا توجد في ثقافة الآباء وخاصة التناقضـات الخفيـة ومستعصية حتى وإن كان ذلك يتم على نحو سحري (السيد عبد العـاطي السـيد: 1990) .  

   وعلى تخوم هذه التأملات المتواضعة في مفهـوم الثقافـة الشـبابية يمكـن القول بأن ثقافة الشباب بما تحمله مـن اسـتجابات جـديدة لمعطيـات التجـدد الحضاري والثقافي وبما تطرحه من حـلول فـي مواجهـة الإشـكاليات الحضاريـة القائمة تشكل ينبوع التجدد الثقافي وهي بذلك تشكل معين الثقافة في صيغ ما تسعى نحو استطالات حضارية متجددة.  فالإنسان يسعى في حركة وجوده إلى تبني الفعاليات الثقافية الأصيلة التي تجعله في مستوى المواجهة الحضاريـة ومـا نعنيه بذلك أن الثقافة الشبابية هذه تحـمل أصالـة فـي اسـتجابات الإنسـان لحركة الوجود الحضاري وهي بالتالي المصدر الأساسي للتجربة الإنسـانية فـي ضمان الاستمرارية والتواصل والنمو.  وهـي أخـيرا لا تتعـارض تصادميـا مـع ثقافة الراشدين الا بقدر ما تطرحه الحضارة المادية المعاصرة من إشـكاليات وجودية لا تجد منطلقات حلولها في الثقافة الاجتماعية القائمة.

   وفي خاتمة المطاف نرجو أن نكون قد قدمنا صيغة قابله للنمـو والتطويـر لمعالجة مفهوم الشباب والثقافة الشبابية ويحدونا في ذلك الأمل في أن تطرح المسألة الشبابية والجيلية اليوم في مستوى التغيرات الاجتماعية والثقافية الجديدة التي تواجهها مجتمعاتنا العربية.

 

   -------------------------------------------------------------------

 

هوامش ومراجع

  

   1- فريمون - جان: “ تلافـي الثقافـات والعلاقـات الدوليـة "، الفكـر العربي المعاصر، مجلة العلوم الانسانية الحضارية، عدد 29، كانون الاول / كانون الثاني، 1983/1984 (ص. 84-93).

 

   2-السيد - السيد عبد العاطي: " صـراع الاجيـال "، دراسـة فـي ثقافـة الشباب، دار المعرفة الجامعية اسكندرية، 1990.

   3- بيتر فارب: " بنو الانسان، تعريب زهير الكرمي، عالم المعرقـة،عـدد 76 يوليو تموز.  3891

   4- السيد - السيد عبد العاطي: " صراع الاجيال دراسة في ثقافة الشـباب "، المعرفة الجامعية، الاسكندرية 0991.  عطوف

   5-ابيض -ملكة: " ثقافة الشـباب "، المعلـم العـربي ،سـنة 83، عــدد 5 ،5891 ".  

   مراجع باللغة الأجنبية:

1-in Alain Gras:"«sociologiede«l'education،" Larousse، Paris           

Marchall «Mac «Luhan:«"Electronique«et«decrochage«psychologique«

1974. )88-38. (PP

   2-       Gustav Edmund« Von Grunbum:  " L'identite culturelle  de. ،1973 l'Islam "، Galimard، Paris   

33 "F. Gazso: " Certains problemes methodologiques de la jeunesse. 1973، Paris

34    4- Mikhail venedictov: " A propos d'un systeme d'indices se rappor.   1988 ،tant  a la jeunesse ".  in sciences sociales ،N1.. ،Moscou. 239-228. PP 

   5J. Sumph et M. Hugues:"Dictionnaire de sociologie"،Larous1973، Paris

6-  Joseph Sumph:"Dictionnaire de la socialogie"، Larousse، Paris1972 paris

7-  Intiational'intelligence sociologiqueِ":Salvadeur Giner.   1970 ،Paris