بقلم الأستاذ الدكتور
هاني عبد الستار فرج
كلية التربية جامعة الإسكندرية
التربية إزاء تحديات التعصب
والعنف في العالم العربي
قراءة نقدية في كتاب د.علي أسعد وطفة "
التربية إزاء تحديات التعصب والعنف في الوطن العربي
نشرت في مجلة الطفولة العربية المجلد الرابع
العدد الخامس عشر يونيو 2003- الكويت
هذا الكتاب هو أحد إصدارات مركز الإمارات للدراسات والبحوث
الإسلامية والبحوث الإستراتيجية ضمن سلسلة "دراسات استراتيجية" والتي
تعد إسهاما جديدا ومتميزا في الفكر العربي المعاصر، أما مؤلف الكتاب فهو من أبرز أساتذة
علم الاجتماع التربوي في عالمنا العربي ممن يتمتعون بالدقة والإحكام المنطقي
والمنهجي، فضلا عن سعة الإطلاع وعمقه بما يتيح له- وعلى الدوام – تقديم النظرة
الشاملة والرؤية الثاقبة فيما يقدمه من أعمال وبأسلوب "رشيق"ن كما يتميز
كاتبنا بذلك الطرح "غير التقليدي" الذي يستنفر في القارئ آفاقا عقلية لم
يرتدها من قبل، ويثير في نفس الباحث شغفا بأسئلة قد تأخذه إلى عوالم جديدة ومثيرة
في آن معا.
ينطلق الكتاب (البحث) من فكرة
محورية مفادها أن التعصب والعنف بأشكالهما المختلفة يمثلان تحديا تاريخيا
للمجتمعات الإنسانية وللعقل الإنساني في الحديث بصفة عامة، كما أنهما يشكلان أخطر
الأمراض الاجتماعية والثقافية التي تعاني منها المجتمعات العربية - على وجه الخصوص
– بما ينطويان عليه من تهديد للوجود الحضاري والإنساني لهذه المجتمعات، ومن ثم
يصبح التناول العلمي الرصين لهذا الموضوع "فرض عين" لتعقب منابع هذا
"الداء" والوقوف على مظاهره وتجلياته بهدف بناء استراتيجية شاملة
للمواجهة والإصلاح والبناء. إن عملا كهذا – وكما يؤكد المؤلف- يحتاج إلى مشاركة
المجتمع بكل فئاته ومؤسساته، ويتطلب ردا دقيقا وأمينا للواقع دون تجميل أو تزييف،
كما يتطلب- في المحصلة النهائية- أن يكون لدينا الرؤية الثاقبة التي ترسم سبل
الخلاص دون تهويل أو تهوين.
تأسيسا على هذه المقدمات، فإن هذا
الكتاب (البحث) يمثل محاولة "جادة ومثيرة" لملامسة موضوع شاق وشائك، حتم
على الكتاب أن يرتاد دروبا وعرة مخيفة تارة وأن يسبح ضد التيار تارة أخرى، وقد
أجاد الباحث إنجاز المهامة بما يبعث على الإعجاب والتقدير.
وعليه، فلا يجب أن يبدأ الكتاب
(البحث)- كما يتعين على أي بحث رصين- بضبط المفاهيم الرئيسة
(التعصب-العدوانية-العنف) بما يزيل عنها الغموض والإبهام والالتباس الذي نجده
شائعا لدى البعض في كتاباتهم وأحاديثهم، ولم يقف الكاتب عن مجرد تقديم المعنى
الاصطلاحي للمفهوم، وإنما تجاوز ذلك الاستعانة بالعديد من الدراسات النفسية
والاجتماعية التي تبرز العلاقات المتداخلة بين هذه المفاهيم فضلا عن تحديد طبيعة
هذه العلاقات، الأمر الذي يضفي على المفهوم مزيدا من الدقة والوضوح المنطقي. كما
لم يتوقف دور المؤلف على تقديم وجهات نظر الآخرين أو نتائج الدراسات التي استعان
بها، وإنما تعدى ذلك إلى النظر فيها بعين "ناقدة" ليقدم لنا رأيه ورؤيته
الخاصة وبشكل يغلب عليه "الحس الفلسفي" الذي يعني بإبراز "ما وراء"
المفاهيم من دلالات ومضامين.
ثم
انتقل الكاتب إلى البحث في أصول وجذور الظواهر (التعصب-العدوانية-العنف) بحثا عن
أسابها بما يعين- في نهاية المطاف- على الفهم الصحيح والدقيق لها. وقد استعان الكاتب- لبلوغ غايته – بالعديد من النظريات المفسرة
للظواهر موضوع الدراسة سواء من علم النفس أو من علم الاجتماع، وعرض لأفكارها
بأسلوب سهل ورشيق، ومن ثم التأسيس على معطيات تلك النظريات في فهم الظواهر ومعرفة
منابعها الأولية والحقيقية.
كما أفراد الكاتب جزءا كبيرا من
الكتاب (البحث) لتعقب جذور "التعصب في الحضارة العربية الإسلامية" حيث
أرجع بداية التراجع العربي إلى زمن "الفتنة الكبرى" حيث "ثار نفر
من المسلمين على عثمان بن عفان- رضي الله عنه – وتأججت نار الفتنة بمقتله، والتهبت
بقميصه بحثا عن الانتقام. فدارت رحى الحروب، وبدأ التاريخ الإسلامي اللاحق يسجل
المأساة تلو المأساة، والفاجعة تلو الفاجعة (ص55)، وصولا إلى المشهد الراهن وما
ينطوي عليه من غياب واسع ومتزايد لحقوق الإنسان، ونمو لقم العنف والتعصب(ص60)
ليقدم لنا الكاتب تشخيصا وتحليلا دقيقا للعلاقة الجدلية بين عناصر هذا الثالوث
(غياب حقوق الإنسان- التعصب-العنف) مؤكدا على ما يعتقد بأنه العوامل المسؤولة عن
الإشكالية التي تعيشها المجتمعات العربية اليوم، ويقصد بذلك تحديدا: بنية العائلة
العربية وما تحتويه من عناصر مضادة للتغيير، والبنية الدينية وما أفرزته من أصولية
مسيطرة، والبنية السياسية التي يغلب عليها التقليدية في جوهرها رغم كل المحاولات
التجميلية، وأخيرا البنية الاقتصادية الهشة والمصطنعة(ص73-74).
وإذا كانت عناصر هذا الثالوث(غياب
حقوق الإنسان-التعصب-العنف) تمثل خطرا يهدد أمن وبقاء أي أمة، فإن هذا الخطر
يتعاظم حيت تقع المؤسسات التربوية في دائرته، وهكذا يقدم لنا الكاتب تأصيلا متميزا
للخلفيات التربوية التي تقف وراء هذا الثالوث المخيف، وكيف أن التربية العربية
تعيد إنتاج هذا الخطر من خلال ما أطلق عليه" الأنساق والقيم التربوية - وكذا
المؤسسة الإعلامية - في العديد من الأقطار العربية قد تمكنت منها " جرثومة
التعصب والنفاق " وعليه فإن " المؤسسة التربوية بدلا من أن تساعد المجتمع
العربي على المواجهة العقلانية لمشكلاته وتحدياته، فإنها تضيف مشكلات وتحديات
جديدة، أي أنها أصبحت في حد ذاته مشكلة جديدة"(ص81).
ويتبنى الكاتب موقفا فلسفيا يؤكد
على أن التسامح والانفتاح هما أساس ومنطلق النهوض الحضاري العربي ومن ثم يقدم لنا
رؤية لنموذج تربوي معاصر لتربية التسامح بدءا من التربية الأسرية التي تلعب دورا
خطيرا في تشكيل ذهنية الإنسان (تسامحا أو تعصبا) وما ينبغي أن تكون عليه التربية
في هذه المؤسسات الخطيرة، لينتقل بعد ذلك إلى استعراض بقية الأوساط التربوية وما
يمكن أن تضطلع به من أدوار ومسؤوليات من أجل تأصيل قيم التسامح وحقوق الإنسان بما
يعين الإنسان على القدرة على احتواء التباين بروح نقدية ورفض كافة أشكال التعصب.
ولما كان الاختلاف والتباين هو
أساس الوجود وجوهره، فإن التسامح يمثل إقرار بشرعية
التباين وشرعيته هو الحد الأدنى فليس ثمة ديمقراطية. التسامح -إذن- منطمر في أصل
الحضارة، ولا يمكن أن نتصور وجود حضارة أو مشروع لبناء حضاري في ظل تسيد التعصب.
لقد كان البديهي أن يرفع الإسلام شعار التسامح قانونا كليا لا يقبل التجزئة وأن
يجعله دستورا لحياة البشر، ومن ثم فإن المطلوب منا- كما يؤكد الكاتب – هو
"إحياء تربوي لقيم التسامح الإسلامي عن طريق التربية والانتقال بها من مجرد
الحضور القيمي في مدونات الثقافية إلى حضور فعلي وقيمي وعملي في إطار الحياة
الاجتماعية والسياسية" (ص69). ويختتم الكاتب دراسته بالتشديد على أهمية الفهم
"الحي" للثقافة الإسلامية وقيمها ودورها، وكيف أننا اليوم نعيش لحظة
تاريخية تحتم علينا ضرورة ممارسة القيم الإسلامية في حياتنا بدلا من الاكتفاء
بالحديث عنها والتذكير بعظمتها، فنحن مطالبون بأن "نثبت لأنفسنا أولا بأننا
نستطيع أن نمارس القيم الخلاقة التي أبدعها إسلامنا وتاريخنا، وأن نبين لأنفسنا قبل
الآخرين أيضا بأننا نصون حقوق الإنسان ونحافظ عليها بوحي تراثنا وقيم إسلامنا.
وإذا لم نستطع أداء هذه المهمة التاريخية فعلينا أن نبحث في سبل إيقاظ الضمير
العربي من سباته ليبدأ رحلته الأخلاقية نحو مزيد من الممارسة الحية لقيم الإسلام
ومبادئه السامية في مجال حياتنا السياسية والاجتماعية فالتراث الإسلامي يستحق أكثر
من مجرد التبجيل والتبرير والتعلق العاطفي" (ص154).
في عبارة واحدة يمكن القول: أن
الكتاب (البحث) يمثل استنهاضا للعقل العربي للخروج من عقال أزمتنا الراهنة، وصرخة
تناشد ضمير الأمة قبل فوات الأوان، يطلقها إنسان وتربوي مهموم بواقع أمته ويحلم
بغد مشرق في ظل نظام تربوي جديد ، لبناء عقل جديد لعالم
جديد .. فهل سيكون لهذه الصرخة صدى؟