بقلم : أ.د علي أسعد وطفة

جامعة الكويت -كلية التربية

 

  قراءة في كتاب التربية والحرية :

من أجل رؤية فلسفية للفعل البيداغوجي.

تأليف محمد بو بكري

مقدمة :

يعد كتاب محمد بو بكري " التربية والحرية " نقلة نوعية في فلسفة التربية العربية ، وتتمثل هذه النقلة فيما يقدمه من رؤى تربوية حداثية متجددة وأصيلة في الآن الواحد . فالعمل يتجاوز الطروحات التقليدية في فلسفة التربية العربية ، التي تعاني من صدأ الجمود والمراوحة في المكان في دائرة من الموضوعات التقليدية التي تأخذ خطا تاريخيا متدرجا ، أو تنتظم في تقاطعات نوعية كلاسيكية ، لتستعرض مفاتن النظريات التربوية باتجاهاتها المثالية والمادية في مدار من الموضوعات التي تتباين من حيث النوع والتوجه والإشكالية.

في هذا الكتاب نجد أنفسنا ، وللمرة الأولى ربما في الكتابات التربوية العربية ، إزاء خطاب تربوي يتشبع بعطاءاته الابداعية التي تدور حول منطق الحرية ودوره في التربية فلسفة وممارسة. وفي عمق هذه الطروحات في فلسفة الحرية تتبدى روح فلسفية جديدة تخاطب العقل والقلب في آن وحد .

فالكاتب، وعبر نقلة أدبية تتصف بطابع الجدة،  يستنفر أجمل المحطات التاريخية في فلسفة الحرية التربوية ، ويجوس في أعماق الفكر التربوي القديم والمعاصر ليضئ جوانب خفية عبقة بالعطاء الفكري عند فلاسفة ومفكرين عرفوا كعلامات مضيئة في تاريخ الإنسانية الفكري والاجتماعي .

تبدأ رحلة الكاتب مع شهيد المعرفة الأول سقراط ، الذي اجترح للإنسانية منهج التوليد العبقري للمعرفة الإنسانية ، معلنا منشوره التاريخي لولادة الجدل العقلي كمنطلق لميلاد الفلسفة الإنسانية الحرة . ويتدرج الكتاب نهوضا في نسق من العناوين التي تسحر القارئ ، تبدأ بعد سقراط في المحاورة والتعلم ، وتمر بروسو : شعرية البيداغوجيا ، وكانط في التربية والحرية ، ونيتشه في : التربية خدعة ، والعلاقات التربوية عند تولستوي ، والحقيقية التربوية عند ميشيل فوكو ، ثم دريدا والتفكيك ، المعنى والكتاب المدرسي ، فمدخل إلى التأمل في البرامج الدراسية والعلاقات التربوية ، والتعليم : خرافة خطية الطرائق البيداغوجية ، وأخيرا تنتهي إلى نص قوامه : من أجل ديمقراطية معرفية ومدرسة مواطنة . تلك هي عناوين المقالات والنصوص التي تتوارد في هذا الكتاب عى صورة محطات يسترخي فيها القارئ ويستسلم لسحر فكري يدغدغ المشاعر ويستلهم عطاء العقل .

يعتمد الباحث في عروضه هذه أسلوبا أدبيا يتميز بالرشاقة والجمال ، في عرض أفكاره وتصوراته ، وبأسلوب بسيط يمكن حتى القارئ العادي من التنقل بين جوانب العمل بشوق وإعجاب . وتمثل كل مقالة من هذه المقالات ، كما يبدو لنا ، جهود عمل فكري إبداعي مستقل ، وهذه المقالات تجسد أيضا توجها نقديا عند الكاتب نحو قراءة جديدة لإشكالية السلطة والحرية ودورها في العملية التربوية . ومن محاسن هذا الكتاب أن يضعنا في مداخل جديدة قلما تطرق إليها المفكرون العرب في هذا الميدان ولا سيما المقالات التي خصصها لميشيل فيكو ودريدا وتولستوي . فالفلسفة التربوية في الوطن العربي تفتقر إلى هذه المداخل الحداثية الجديدة في الفكر التربوي الحداثي المعاصر .

يعرف الكاتب عمله بقوله " تحاول هذه النصوص تسليط الضوء على مفاهيم الحوار والترويض والضبط والخداع والتعاقد  والاعتراف والعناية " ([1]). ويؤكد هذا الكتاب على ضرورة تجنب العنف والعمل على انبثاق التعدد والتنوع ، كما أن الحرية لا يمكن تجزيئها ولا يمكن أن تكون محط تقسيمات صنافية  Taxonomiques  إذ يبرز أنه من المستحيل قبول التخطيط للتدريس بصرامة نظرا للهوة الفاصلة بين الكلمات والأشياء ، وبين النظرية والتطبيق"([2]).

ويمكننا الآن أن نتجول في رحاب هذا الكتاب لنستطلع بعضا من عطاءاته الفكرية.

في المقالة الأولى حول : سقراط : المحاورة والتعليم ، يقوم الكاتب بتحليل المحاورة السقراطية كفن في القول ومنهج أصيل في توليد المعرفة. في هذا النص يتناول المؤلف المحاورة السقراطية بطريقة فذة متميزة . إنه يريد عبر هذه الرؤية التي يستلهمها من سقراط أن يباشر إحدى أهم أمراض التربية العربية المعاصرة التي تتمثل في التلقين والتعليم البنكي الساذج، الذي يميت في العقل كل إمكانية للإبداع ، وكل طموح للمعرفة الحقيقية . إن الكاتب يريد أن يؤكد ، عبر النص السقراطي ، أهمية الروح الإبداعية والفكر الحر الذي يتجاوز كل أصنام العبادة التربوية التي تتمثل في الكتاب والنص والمعلم والراشدين يقول الكاتب في هذا السياق : " إن هدف الحوار السقراطي الذي ينتهي في الغالب بعلامة استفهام  هو تمكين سقراط من تحطيم صنم الأستاذ القابع في أعماق المريد، بشكل يسمح بأن تتولد لديه رغبة حقيقية في التحكم في دواخله ، مما يمكنه من الاستقلال الذاتي الذي لا يمكن أن يمنحه سوى العمل بمبدأ " اعرف نفسك بنفسك"([3]). فما أجمله من نص وما أعظمها من فكرة تلامس فينا هذا المرض الذي يهز كيان أطفالنا ووجودنا ، والذي يتمثل في عبودية الإنسان للنص والمعلم وتحطيم إمكانية العقل. في هذا الفصل يوجد إلحاح فكري بأسلوب جميل للتأكيد على أهمية الحرية الفكرية هذه الحرية التي تبدأ بالإشارة استفهام يضعها سقراط على شفتيه وينقلها إلى شقاه مريديه وتلامذته .

روسو : شعر البيداغوجيا :

وفي المقالة التي يباشر فيها الفيلسوف الفرنسي جان جاك روسو تحت عنوان : روسو: شعرية البيداغوجيا ، يأخذنا الكاتب إلى محطة تسحر المشاعر وتسمو بالعقل ، إنها محطة الحرية الدافئة التي تتمثل في عذوبة أدبية قلّ مثيلها في تاريخ الفكر الإنساني بمستويات التربوية والسياسية .  وتأتي الصبغة الأدبية هذه لأعمال روسو في كتابه المشهور " إميل " الذي جاء حصادا لعبقرية خيال أدبي وشعري حقق ذاته بروح ثورية عارمة إنها ثورة تربوية ضد القهر والظلم والعبودية والإكراه .

وفي هذا الخيال الشعري لروسو يعلن موقفه الثوري ضد مختلف أساليب التعليم التي تضع الطفل في وضعية الاغتراب الروحية والثقافية .  لقد نادى روسو بمبدأ التربية السلبية في إشارة منه إلى رفض التلقين والقوالب الفكرية الجاهزة التي يفرضها الراشدون على الصغار . إن وسيلة التربية هي النمو الحر الطليق لطبيعة الطفل وقواه وميوله الفطرية. ولم يقصد روسو بالتربية السلبية ألا تكون هناك تربية مطلقا ، وإنما أراد أن تكون هذه التربية مخالفة لما كان معهودا في ذلك الوقت وبعيدة عن كل أشكال التسلط بل هي التربية التي تعتمد الحرية منهجا وطريقا وأسلوبا وغاية لها . 

كانط: التربية والحرية

ينتقل الكاتب من روسو ليعالج الأفكار العبقرية عند الفيلسوف الألماني كانط الذي كرس بعضا من عبقريته لمسألة الحرية في التربية . فكانط في سعيه الفلسفي يحدد طبيعة وماهية عصر التنوير في القرن الثامن عشر ، وهو في هذا السياق يعلن أن عصر التنوير هو منظومة الوضعيات التي يحاول فيها الإنسان أن يحطم الأغلال التي وضعها هو نفسه في معصمه، إنها الحالة التي يسعى فيها الإنسان إلى تحطيم دائرة الوصاية التي تسبب فيها نفسه بنفسه، إنها في نهاية الأمر العملية التي حقق فيها لعقله التحرر من الوصاية التاريخية التي فرضت عليه من الخارج. ويؤكد كانط في هذا السياق أن شرط التنوير هو الحرية ولا سيما حرية العقل وحرية التفكير. إن الجوهري في مقولات كانط أن العقل يجب أن يتحرر من سلطة المقدس ورجال الكهنوت والكنيسة وأصنام العقل كي يستطيع الإنسان أن يبني نهضته نحو الحضارة والحرية والمدنية.

ويستعرض الكاتب أهم المفاهيم المركزية للتربية الكانطية ولا سيما مسألة الترويض والضبط والتدجين في التربية ويحاول أن يفصل بين هذه المفاهيم بمنهجية نقدية . فالترويض هو تقنية تسعى إلى تأكيد ما هو إنساني في الإنسان  Dresser l” homme en l”homme  أما الترويض بالنسبة للحيوان فهو قهر طبيعة الحيوان وبناء هذه الطبيعة على نحو إنساني بمعنى أنسنة الحيوان.

يبين لنا الكاتب في النهاية أن كانط يقدم جهوده الفلسفية في نسق يستنهض الحرية والإرادة الإنسانية في نسق فعل تربوي ينهض بالإنسان والإنسانية يقول " إنه لمن المريح أن يعوي المرء مع الذئاب ، وأن يسبح مع التيار ، وأن تكون شجاعته مستمدة من تواجده ضمن جمهور عريض ، لكنها شجاعة مزيفة وجبن مقنع " ([4]) . وباختصار يزاوج كانط في سياق رؤيته التربوية بين الحرية والإرادة والعقل  وهذه المفاهيم تشكل ثالوث الأثافي لرؤية تربوية تعتمد الحرية واعقل منهجا لها .

نيتشة : التربية خدعة :

يعد نيتشه صرخة تمرد في صيرورة الفكر الإنساني.  وهو في تمرده الفلسفي يلامس عصب التربية والحرية . في تمرده المنهجي يحدد منطلقات جديدة للحرية في فهم العلاقة البيداغوجية. والكاتب في هذا النص يستجلي حقيقة لطالما بقيت حقيقة غامضة أو مجهولة في تاريخ فلسفة التربية . ولذا فإن الكاتب يقارب هذا الحقل المتمرد عند نيتشة .

في هذا الحقل التربوي التمرد  يرى نيتشه  أن التربية أداة قمع توظفها الدولة لتحقيق مصالحها (...) إنها خدعة تمارس الدولة في استلاب الأجيال الشابة (...)  إنها أداة للتلاعب والتناور تعمل على تشويه وعي الإنسان وإلغاء ذاته وبالتالي إخضاعه للسلطة([5]).

ويقدم لنا الكاتب تحليلا رائعا لفلسفة نيتشة التربوية عبر شخصية زرادشت في العمل الرائع الموسوم " هكذا تكلم زرادشت ".   وفي نسق هذه الرؤية الزرادشتية تتضح طبيعة العلاقة التربوية الحرة التي يسعى إليها نيتشه . فزرادشت يتوقع من مريديه وتلامذته أن يتمردوا عليه ، وعندما لا يفعلون ذلك انطلاقا من ذواتهم فإنه يحثهم على التمرد ، وإن لم يفعلوا فإنه بكل بساطة يهجرهم " ([6]). إن المرء يكافئ المعلم بطريقة سيئة عندما يظل تلميذا فحسب . وتأكيدا لهذه النزعة التربوية الحرة يقول زرادشت لمريديه ناصحا إياهم " اذهبوا بعيدا عني واحفظوا ذواتكم من زرادشت ، وأكثر من ذلك اخجلوا منه ، فمن الممكن أن يكون خادعا لكم" ([7]). فزرادشت يدعو تلامذته إلى الثورة والتمرد لأن التمرد هو الحالة التي تعطي للإنسان هويته الخاصة ، وشخصيته المتميزة . فالتمرد هو قمة العملية التربوية وغايتها عند نيتشة .

ومن أجمل التصورات الفلسفية التي يقدمها نيتشة في الجانب التربوي فيما يراه " بأن الفكر التقليدي يزعم أنه يسعى إلى تحقيق ذات الإنسان وحريته , ولكن تحقيق هذه الذاتية تعني بالنسبة لنيتشه تحقيق ذاتية العبد والعبودية . وهذا يعني أن الحرية التي يسعى إليها نيتشه هي الحرية الحقيقية التي لا تمتثل للحرية التقليدية ولا تقاربها .

وباختصار يقدم الكاتب نيتشه هنا بوصفه عطاءا متجددا في فلسفة التربية . إن مفهوم نيتشه عن التربية أصيل وجديد كليا في تاريخ الفكر التربوي ، إنه جريء جدا وهو يعرض مفهوما متميزا للفردانية  : لفردانية متحررة من الفوضى والعدمية . باختصار ، إن الحياة عند نيتشه تنشد من يقاومها وينتصر عليها .

تولوستوي والعلاقات التربوية :

 وفي النص الذي يقارب العلاقات التربوية عند تولستوي ، يقدم الكاتب تولستوي  شغوفا بالمسألة التربوية ومولعا بسحر تأثيرها على مدى حياته الأدبية . في هذا النص حول تولستوي يحاول الكاتب ربما أن يقارب الروح الأدبية في فلسفة التربية وهي روح تتجلى في طبيعة الأفكار والتصورات التي ينهجها تولستوي في رؤيته الفلسفية ربما للتربية .

تولستوي في هذه المقاربة يبدوا متأثرا بالنزعة الطبيعية في التربية ، ولا سيما عند جان جاك روسو . وفي هذه الصورة يبدو تولستوي مؤمنا و بلا حدود بالفطرة الأصيلة الخيرة عند الطفل ،كما يؤمن بأهمية التربية السلبية التي ترفض تدخل الراشدين فالطفل ليس صفحة بيضاء وليس هو راشدا صغيرا ، إنه صغير الراشد إنه رمز العطاء والخير والصيرورة الإنسانية التي تنهج منطق الحكمة . إن تأثير الراشد في الطفل غير مشروع في فلسفة تولستوي، لأن الراشد يمثل نموذجا اجتماعيا أو ثقافيا يشوه الطبيعة الإنسانية ومن هنا تبدو التربية مخاتلة وتشويها وإكراها ينأى بها عن دروب الحرية . وهذا يعني في نهاية المطاف أن تولستوي يريد تربية تخلوا من القسر والإكراه تربية تقوم على الأصالة البنيوية للإنسان لا بل تربية حرة متحررة وأخلاقية تدفع الإنسان إلى دوائر الحب والخير والسلام.

فوكو وحقيقة التربية :

في النص الذي يخصصه الكاتب لميشيل فوكو حول حقيقية التربية يدخلنا الكاتب في حقل تربوي يفيض بالجدة والغرابة والدهشة . إنه حقل الكلمات والمفاهيم وما يرتبط بهما من مقولات تضع نفسها في دائرة الجدل المتوثب بين الحرية والتسلط في الفكر التربوي. في هذا النصوما يليه ندخ في لعبة الكلمات وفي دلالة الرموز .

فالأفراد كما يرى فوكو ليسوا هم الذين يؤلفون العبارات بل الكلمات هي التي تصنع الأفراد.  فالخطابات التي تهيمن في فترة تاريخية محددة هي التي تحدد متطلبات الحقيقية وحدودها ، هي التي تحدد لنا ما يجب اعتباره حقيقية ، ما هو مهم و ملائم ، ما ينبغي قوله وما ينبغي أن يبقى في طي الكتمان . وهذا يعني في النهاية أنه لا يمكن الفصل بين الرمز ووضعية إنتاجه .

 "فالسلطة تساعد على تشكيل الإحساسات والمعتقدات الشخصية وذوات الأفراد ، وهذا يعني أن السلطة تروض وتعلم ، إنها تروض الفرد وتسجنه في نظام خطابي مؤسساتي فتحيله إلى جسد منتَج ومستعبد " ([8]). وبعبارة أخرى أن الرمز يشكل الإنسان وأن السلطة تنتج الرمز وفي هذا المنتج تتضح دورة طغيان تربوي لا حدود له في دائرة الحياة التربوية التي تضج بالرموز والإشارات .

دريدا والتفكيك :

وتتضح فكرة الطابع التسلطي للرمز والإشارة في مقاربة الكاتب لفضاء دريدا في نظريته حول النص والتفكيك . ومع أن الكاتب يدخل في مدارات اللغة وفلك الرمز والإشارة إلا أنه يحاول دائما أن يبحث عن عصب فكري تربوي في هذا النسق المعقد من شبكات الرموز والإشارات التي تترنح بدلالات فلسفية صرفة .

فالسلطة عند دريدا تسبق الكلام والكتاب ممارسة خطابية وبالتالي فإن الكتب المدرسية منتوج سياسي يمثل طريقة خاصة لرؤية الأشياء وذلك بفعل وسائل السلطة والمركز والتقليد والضغط .

وبعبارة أقرب إلى الوضوح نقول بأن دريدا يعني في  ذلك  أن التربية تمارس نوعا من التسلط الذي يتمثل في كينونة الرمزية المصنعة ضمن شروط انتاج الخطاب الرمزي . وعلى الرغم من الجهد الذي يبذله الكاتب في هذا المجال فإن طبيعة العلاقة بين تفكيكية دريدا والفعل البيداغوجي تبقي في ذمة الغموض .

المعنى والكتاب المدرسي :

ويبدو أن الباحث يخصص نصه بعنوان المعنى والكتاب والمدرسي لمناقشة ذات القضية التي يباشرها عند دريدا فالكتاب المدرسي صورة للنصوص التي فرضتها السلطة وبالتالي فإن الدلالات والمعاني المضمرة في الكتاب المدرسي تعبر في مختلف تجلياتها عن الطابع السلطوي للحياة الاجتماعية القائمة .  ويدور الباحث أيضا ، في هذا النص ، في حقل اللغة والدلالة والمعنى ويقدم نتفا من تصورات دريدا حول اللغة والمعنى وتفكيك النص وجدلية النص والقارئ والمعنى . وهذا فيض من الأفكار الذي يدور في فلك فقه اللغة ودلالتها عن دريدا .

يخصص الكاتب نصا للحديث عن البرامج المدرسية والعلاقات التربوية يطلق عليه : مدخل إلى التأمل في البرامج  الدراسة والعلاقات التربوية . وفي هذا النص يتحدث بطريقة ساحرة عن القدر المحتوم الذي تسير إليه الاستراتيجيات التربوية ، وهو قدر الإخفاق والفشل . ومن الجميل في السياق أن اقدم هذا النص الذي يسوقه الكاتب للتعبير الرمزي عن معنى ساحر الدلالة بليغ في مداه الفلسفي وفي عمقه الوجداني . يقول النص : "  بينما كان وزير شاب يتجول في سوق بغداد ، التقى في طريقه بامرأة ذات نظرة مزعجة مرعبة وكأنها ملك الموت بنظرته المرعبة ، فتأكد بأنها الموت الذي يبحث عنه . وذهب مذعورا إلى خليفة البلاد فحكىله الحدث . وباقتناع الخليفة والوزير بأن موت هذا الأخير سيكون في بغداد ، أصبح من الحكمة أن يغادر الوزير بغداد إلى مكان آخر . وهكذا نصحه أن يختار أحسن فرس في الإسطبل ويرحل إلى سمرقند .

وعند آخر النهار خرج الخليفة ذاته إلى ساحة السوق والتقى بملك الموت الذي أخاف الوزير فسأله قائلا : " لماذا أخفت وزيري هذا اليوم ؟ وأجاب الموت " لم أرد تخويفه بل وببساطة فوجئت بلقائه هن في بغداد لأن موعدي معه في سمرقند وسأنتظره هذا المساء هناك " ([9]).

وفي هذا النص يريد الباحث أن يعبر عن الإخفاق المحتوم للبرامج والخطط التربوية التي تحاول بأن تضع التربية في خدمة الإنسان والحرية . إذ أنه يمكن تأخير الموت المعلن ، ولكن لا يمكن تجنبه أبدا . وبالتالي فإن التقدم الحاصل في مجال التدريس ر يغير سوى الطريق الذي يؤدي إلى الفشل ولا يلغي قدرة الفشل . إنه لا بد من الفشل ، لأن الغايات الي تنتمي إلى التربية تنتمي إلى الرغبة ، وإنه لمن المشروع أن يحلم الإنسان بمجتمع تسوده العدالة والحرية . وهكذا يتم الذهاب إلى سمرقند حيث يتحقق الفشل الذي تم التخطيط للهروب منه .

خرافة التربية

وفي النصين المتاليين وهما : التربية والتعليم خرافة خطية للطرائق البيداغوجية ، ومن ثم من أجل ديمقراطية معرفية ومدرسة مواطنة ، في هذين النصين يحاول الباحث أن يقدم رؤية تستجمع بين جنباتها حصاد النصوص السابقة ومعانيها . إنه يستلهم هذه الطاقة التي وفرتها له النصوص ليقدم رؤية بيداغوجية ، مسار حلم تربوي يهدف إلى بناء الحرية والخروج من شروط القهر التربوي ، إنه يعطي في هذين النصين للجهد الإنساني الخلاق للتجربة الإنسانية الذاتية إمكانية حيوية في إخراج الإنسان من دائرة القهر التربوي والضياع البيداغوجي إلى دوائر جديدة يكون فيها الإنسان قادرا على تحقيق ذاته وتجاوز حدود المعاناة التربوية التي تتمحور في نمماذج تفرضها السلطة وتفرضها شروط إنتاج النص والدلالة والرمز والإنسان .

وباختصار يأتي هذا العمل بوصفة استثارة تربوية جديدة ، عبثية تربوية خلاقة ، وتأتي هذه النصوص بوميض من الغرابة يقدم لحداثة تربوية جديدة في فهم النص والدلالة والمعنى والسلطة. إنها نقلة نوعية في اتجاه رؤية جديدة عميقة رمزية لطابع الفعل التربوي بمضامينه التسلطية . إنها محاولة تنتمي بأبعادها إلى رؤية تربوية ما بعد حداثية تستنهض منهجا جديدا في فهم النص التربوي على نحو جديد. إنها نقلة نحو تقديم الخطاب التربوي على نسق فلسفي جديد يقوم علىقراءة جديدة لنصوص قديمة وحديثة في الآن الواحد . وبعبارة أخيرة ، يمثل هذا العمل محاولة تستنهض في الحقل التربوي ملامح جديدة تخرجنا من دائرة الركود ومن مستنقع التقليد في القراءة التربوي للنصوص والمضامين والإشكاليات .

 

مواصفات الكتاب :

عنوان الكتاب : التربية والحرية ، من أجل رؤية فلسفية للفعل البيداغوجي.

مؤلف الكتاب : محمد بو بكري

دار النشر :  إفريقيا الشرق .

مكان النشر : بيروت

تاريخ النشر : 1997 .

يقع كتاب التربية والحرية لمؤلفه محمد بو بكري في 135 صفحة من القطع المتوسط . ويتوزع مضمونه في أحد عشر مقالة يتناول كل منها جانبا من جوانب الحرية في الفكر الفلسفي التربوي .

 

 

 

 

 



[1]  ص 5 .

[2]  ص 6 .

[3]  ص 15 .

[4]  ص 50 .

[5]  ص 59

[6]  ص 65

[7]  ص 65

[8]  ص 91

[9]  ص 111