ظاهرة الانتحار بين أفراد العمالة الوافدة

 

أجرت المقابلة  نورة جنات صحفية في جريدة الوطن الكويتية   

 

رأي الدكتور وطفة في ظاهرة الانتحار بين أفراد العمالة الوافدة في الكويت .

الانتحار ظاهرة اجتماعية نفسية تتمثل في تصفية الإنسان لحياته الإنسانية بقرار ذاتي يتخذه المنتحر  دون غيره  تحت تأثير ضغوط اجتماعية ونفسية تفوق قدرة الإنسان على الاحتمال فتدفعه إلى وضع حدّ لحياته بوسائل متنوعة تختلف باختلاف الوضعيات التي يتخذها المنتحرون أنفسهم . والانتحار هو قتل النفس بطريقة متعمدة وهذا هو التعريف الذي تتضمنه مراجع الطب النفسي ، وهناك مصطلح آخر مقابل كلمة الانتحار Suicide هو الفعل المدروس لإيذاء النفس " Deliberate Self Harm , DSH ".

وتشير الإحصائيات أن عدد حالات الانتحار في العالم يبلغ 800 ألف حالة سنوياً حسب تقديرات منظمة الصحة العالمية التي تشير إلى احتمال زيادة هذا العدد إلى مليون شخص كل عام ، وفي الولايات المتحدة وصل عدد حالات الانتحار إلى أكثر من 230 ألف شخص بمعدل شخص ينتحر كل 20 دقيقة أو 75 حالة انتحار يومياً . وهؤلاء هم الذين ينجحون في إتمام الانتحار بينما يصل معدل محاولات الانتحار إلى 10 أضعاف هذا العدد .

وقد كرس عدد كبير من علماء الاجتماع والنفس جهودهم للكشف عن طبيعة هذه الظاهرة وأبعادها الإنسانية والنفسية والاجتماعية .  ويعد دوركهايم عالم الاجتماع الفرنسي المشهور  من أبرز العلماء الذين بحثوا في عوامل الانتحار ومظاهره حيث أجرى دراسات عن هذه الظاهرة أودع نتائجها في كتابه المشهور "لانتحار"  Le suicide “" . حيث يصنف هذه الظاهرة ويبحث في معطياتها وأسبابها في المجتمع الفرنسي .

ومما لا شك فيه أن الانتحار يأتي كاستجابة إنسانية يائسة إزاء الظروف والصعاب والتحديات التي يواجهها الإنسان في معترك الحياة الاجتماعية . ومن المؤكد أن هذه الظاهرة تنشأ في الوضعيات الاجتماعية التي يعاني فيها الإنسان درجة عالية من حالة التشيؤ والاغتراب التي تفقده معناه الإنساني وتأخذه إلى دائرة الاستلاب المطلق حيث تفقد الحياة معناها ودلالتها فتدفع الإنسان إلى وضعية الفصل في مسألة وجوده الإنساني واضعا حدا لحياته الإنسانية كخلاص وجودي يأخذه إلى مدارات الراحة الأبدية.

وتبين الدراسات والأبحاث أن الانتحار يتزايد ويسجل حضوره في المجتمعات المتمدنة فالانتحار في المناطق الريفية والبدوية قليل نسبيا ونادر جدا ولكن هذه الظاهرة تتحول إلى ظاهرة ملازمة لحياة المدينة ولاسيما في المدن الكبرى التي تعاني من الأزمات الاجتماعية والتي تنخفض فيها درجة التواصل الإنساني والتكافل الأخلاقي إلى الحدود الدنيا حيث يصبح الإنسان قشة في مهب الريح في مجتمع قائم على الاستهلاك والربح والاستغلال بحدود غير معقولة .

ومهما يكن الأمر فإن تردي الأوضاع الاجتماعية للفرد وانحدار مستوى الحياة وانخفاض مستوى الدافعية الوجودية وغياب الأواصر الاجتماعية والعاطفية الإنسانية الداعمة في محيط الفرد يدفع الإنسان إلى التفكير في الانتحار وتصفية الذات في سبيل الحصول على راحة أبدية تتوقف فيها المعاناة الإنسانية . وهذا يعني أن المعاناة الإنسانية وتطور هذه المعاناة إلى حالة اغترابية انفصامية توجد في أصل النزعة الإنسانية إلى الانتحار . فالإنسان الذي يصاب بمقتل في آماله وأحلامه وطموحاته وتحاصره فسحة الأمل في حياة كريمة يصبح مؤهلا للتضحية بذاته من أجل تجنب الآلام المروعة التي تخترق عقل الإنسان ووجوده .

وغالبا ما يعزي علماء التحليل النفسي ظاهرة الانتحار إلى حالة من النكوص الوجودي القصوى إلى المادة الأولى التي تشكل منها الإنسان . وهذه العملية يحكمها العقل الباطن العقل الباطن للإنسان (اللاشعور أو اللاوعي) فيعمل على إلغاء التكوين الحي للإنسان وتحويله إلى تكوين جامد ( الموت) كما كان في الأصل تجنبا للصدمات والاهتزازات الوجودية المؤلمة والخانقة التي تحاصر الإنسان بما يفوق قدرته على الاحتمال. في علم النفس يكون النكوص بمستويات عديدة فعندما يواجه الشاب على سبيل المثال تجديا أو صعوبة تتجاوز قدرته على التحمل فإنه ينكص إلى مرحلة سابقة فتظهر عليه مظاهر سلوكية طفلية سابقة لمرحلة الشاب . وقد يحدث هذا للرجال الذين يرتمون في أحضان أمهاتهم كالأطفال الصغار عندما يواجهون المصائب والصعاب . وفي حالة النكوص هذه يود المرء أحيانا لو يعود جنينا إلى رحم الأم طلبا للأمن والسعادةK أما في نكوص الانتحار فالإنسان يريد أن يرتد إلى المادة الجامدة حيث لا شقاء ولا عناء .

فالانتحار هو الوسيلة الأخيرة في مواجهة الواقع المؤلم والمحزن والمأساوي والاغترابي الذي يواجه الإنسان إنه حالة نكوص وهروب بالمعنى العادي للكلمة ولكنه هروب إلى الأمام حيث يسرع فيه الفرد إلى اختصار رحلته الزمنية في الحياة والوصول إلى نهاية المطاف بقرار ذاتي محض .

 

 

حول نسبة الانتحار العالية للعمالة الوافدة في الكويت :

يرجع  علماء النفس والاجتماع تنامي ظاهرة الانتحار إلى عدة عوامل، منها: تدهور القدرة الشرائية، تزايد نسبة العاطلين عن العمل، وعدم القدرة على تحمل أعباء مسؤولية الأسرة، وتبين الدراسات أن أغلب عمليات الانتحار تقع في المدن الكبرى والمناطق الحضرية والمناطق الفقيرة؛ بسبب سوء المعاملة، أو سوء الحالة الاجتماعية وعلاقات الزواج الفاشلة، أزمة السكن، الفشل الدراسي، المخدرات والأسباب العاطفية وقد أجمعت مختلف التحقيقات والدراسات أن 12 % من المنتحرين يعانون من مشاكل اجتماعية، وبلغ عدد حالات الانتحار جراء الانهيار العصبي 673 حالة، أي ما يعادل نسبة 15 % في ظرف 10 سنوات الماضية.

إن ارتفاع نسبة الانتحار ومعدلاته بين العمال الوافدين يأتي نتيجة طبيعية لتدهور الظروف وتعاظم المعاناة الإنسانية لهؤلاء العمال الذين يواجهون ظروفا اجتماعية تخل بكرامتهم وإنسانيتهم . ومما لا شك فيه والجميع يعلم أن شروط الحياة والعمل التي تحيط بهذه الفئة الاجتماعية قاسية ومعقدة وأجورهم متدنية وأماكن سكنهم متدهورة وهم يتعرضون للاستغلال الاجتماعي والاقتصادي بصورة فاضحة .

فأغلب هؤلاء العمال يأتون إلى بلدان الخليج وهم يعتقدون بأنهم سيحققون أحلامهم وأمنياتهم وطموحاتهم في حياة حرة كريمة لهم ولأسرهم في الوطن ولكن أكثرهم يفاجأ بالحقيقة المرة التي تتمثل في حياة مجحفة لا معنى لها ولا دلالة فيها بعضهم لا يجد عملا بعد أن يكون قد استدان وأنفق كل ما يملك في سبيل رحلته الحالمة . ولكن الأحلام غالبا ما تنكسر على أرض الواقع الصلبة وتتبدد الأحلام فيجد هؤلاء العمال أنفسهم في حصار إنساني مغلق ومعتم وحزين لأنهم خسروا كل شيء الأمل والطموح والمال والأسرة والوطن ووجدوا أنفسهم في موقع استلابي ينقطع نظيره وفي حالة اغترابية تستلب إنسانيتهم وكل معالم وجودهم الإنساني والأخلاقي وهم إزاء هذه الحالة يجدون أنفسهم غير قادرين على الاستمرار في الحياة لأن الحياة بالنسبة لهم قد فقدت معناها ودلالتها ولأنها أصبحت معاناة قهر لا يحتملها البشر وهنا يجدون أنفسهم أمام قرار وجودي صارم وحزين هو قرار الموت لأن الموت في هذه الحالات يصبح الملاذ الوحيد للهروب من آلام نفسية تفقد هؤلاء المعذبين صوابهم ، وتجعل في قرار الفناء الذي يتخذه أي في الانتحار علاجا إنسانيا يجدون فيه الشفاء والسلوان الأبدي لأنفسهم .

نعم تلك هي حالة الحصار الإنساني الذي يفقد فيه الإنسان كل الحيل والأساليب والوسائل للاستمرار في الوجود بكرامة وشرف . فماذا يفعل الإنسان الذي غادر الوطن وباع كل ما يملك لتأمين رحلته إلى وطن الأحلام وفجأة وجد نفسه بلا أمل ولا عمل ولا رفيق ولا صديق ولا أنيس ، ما حال هذا الرجل الذي ترك أفواها جائعة وأما تنظر وأبناء يرتقبون خير والدهم المنتظر؟ ما حال هذا الإنسان الذي يفقد كل شيء فتصبح الحياة جحيما ؟ كيف يحتمل مثل هذا الإنسان الألم النفسي الذي يمزقه ويبدده ويكتم أنفاسه ويدفعه إلى الانتحار .

قد نقدم صورة مأساوية لحالة المنتحر وهي كذلك في أغلب الأحيان ونحن نؤكد ونقول بأن غياب الأمل وفقدان المعنى من المعنى في الحياة قد يدفع الإنسان إلى قرار الانتحار وهذه هي حالة أغلب المنتحرين الذي يجدون أنفسهم في الدرك الأسفل من الحياة الاجتماعية ويجدون أنفسه غير قادرين على الاستمرار في حياة مهينة لا كرامة فيها ولا اعتبار لإنسانيتهم . ونعود للقول بأن الظروف الاجتماعية المزرية غالبا ما تكون في أصل انتحار العمالة الوافدين وهذا ينسحب على أغلب الحالات التي نجدها في الأوساط الفقيرة المعدمة.

في اختيار أساليب الانتحار :

يبين دوركهايم في كتابه" الانتحار " الكيفيات  التي تتم فيها عمليات الانتحار . فالانتحار وفقا لدوركهايم يتم في المدن الكبرى بدرجة أكبر من الريف  وفي البيئات الفقيرة أكثر منها في البيئات المترفة وبين النساء أكثر من الرجال وبين  الشباب أكثر من الكبار في السن . ويوضح أيضا أن الانتحار يجري في الصيف أكثر منه في الشتاء وفي أيام العطل أكثر من أيام العمل . ومن الطريف في هذه النتائج أن الرجال ينتحرون بطرق مختلفة عن النساء . ويقول الدكتور ماكلور في هذا الصدد إن الرجال عادة ما يلجؤون إلى طرق عنيفة في الانتحار مثل تفجير الرأس والشنق والحرق والسقوط من الأماكن العالية ، بينما تحتفظ النساء بصورة جميلة عن أنفسهن عند الموت لذلك يلجأن إلى تناول جرعات مفرطة من الأدوية والسم ويمتن وهن نائمات . وهذا يعني أن الثقافة السائدة هي التي تجعل المنتحرين يفضلون وسيلة دون أخرى في عملية الانتحار. ويذكر المختصون النفسيين أن الأنثى تلجأ إلى وسيلة الانتحار السهلة وتبتعد عما يطيل المعاناة، بينما يفضل المنتحر الموت البطيء عن طريق الشنق أو استعمال وسائل حادة مثل شفرة الحلاقة أو السكين وغير ذلك من الوسائل .

 

هل هناك من طرق يمكن اعتمادها لمواجهة ظاهرة الانتحار  في أوساط العمالة الوافدة :

من البداهة بمكان بعد أن عرفنا أسباب  هذه الظاهرة وتعيناتها في المجتمع أن نقول بأن الدولة معنية بإيجاد التشريعات القانونية والإنسانية والاجتماعية التي توفر لفئات العمال الوافدين شروطا إنسانية تمنحهم القدرة على مواصلة حياتهم بعيدا عن الاستغلال والضغط والإكراه . وهذا يعني أنه يتوجب على الدولة أن توفر للعمالة الوافدة نوعا من الضمانة الصحية وضمانات العمل والسكن قبل وصولهم إلى  الكويت وأن توفر لهؤلاء العمال وعيا بواقع الحياة ومتطلباتها في الكويت تحميهم من الوعود البراقة الزائفة التي يقدمها لهم أرباب العمل الذين يستنزفون كرامة هؤلاء العمال وإنسانيتهم . وهذا يعني أن الدولة معنية بتوفير الهيئات الرقابية ومؤسسات الرعاية الاجتماعية للعمالة الوافدة حيث تخضع هذه العمالة للمراقبة وتضمن لها كرامتها وتوفر لها الحماية ضد كل أشكال الاستغلال الذي تتعرض له في أرض الكويت الحبيبة . وغني عن البيان أن هذه التشريعات ستؤدي إلى حماية هذه الفئة وتوفير شروط إنسانية أفضل لحياته ووجودها وهذا يدوره يؤدي إلى حماية أفراد هذه العمالة من مخاطر الانتحار الذي يسيء إلى دولة الكويت ونظامها الاجتماعي . فالكويت هي بلد العطاء والخير والبركة وهي البلد الذي يفيض بأهل الخير والعطاء والتقى سلمت الكويت بأرضها وأميرها وشعبها وأبرارها  .