د.علي أسعد وطفة

 أستاذ علم الاجتماع التربوي

           في جامعة دمشق

 

قراءة في كتاب العنف والتربية

 

عنوان الكتاب  : العنف والتربية

 Violence et Education   

مؤلف الكتاب : آلان كويلوت   

Alain Guillotte

دار النشر : المطابع الجامعية الفرنسية

    Presses universités de France

لغة الكتاب : الفرنسية  .

تاريخ صدور الكتاب : مايو/ أيار 1999 .

عدد صفحات الكتاب 244 صفحة من القطع  الكبير . 

شكلت ظاهرة العنف وما زالت تشكل الظل الأسود الذي يلازم الإنسانية ويقض مضاجعها . وعلى الرغم من الآمال التي علقتها الإنسانية على الدور المتعاظم  للتقدم الإنساني بجوانبه المختلفة في قهر هذه الظاهرة وتبديدها ، وعلى الرغم من تعاظم القيم الإنسانية الجديدة التي تؤكد السلام والأمن والإخاء والعدالة والديمقراطية ما زال العنف يطرح نفسه بظله الثقيل ليبدد كل الآمال البشرية في حياة تسودها قيم المسالمة والأمن والإخاء .  فالتاريخ الحديث يسجل بأن العنف الإنساني ظاهرة تأخذ مداها المتعاظم في مختلف مجالات الوجود الاجتماعي ، وتضرب وجودها بإحكام في مختلف التنوع الجغرافي،  في الشمال وفي الجنوب ، وتترك بصماتها المأساوية على مختلف انطباعات الحياة في هذا العصر ولا سيما في العقود الأخيرة من القرن العشرين.

وإزاء التحدي الذي تفرضه هذه الظاهرة على الإنسانية بدأ العقل الإنساني محاولاته منذ القدم لتفسير أبعاد هذه الظاهرة ومكوناتها وخلفياتها الاجتماعية والنفسية والتاريخية . ومع قدم التجارب وأصالة الأعمال التي قدمت في هذا المجال ما تزال ظاهرة العنف بتجلياتها تتحدى العقل العلمي وتستلهم جهود المفكرين وتستنفر طاقاتهم في البحث عن الماهية التي تحكم تقاليد هذه الظاهرة وهذه التي توجد في أصل تشكلها وفي أسباب وجودها .

وقد بدا جليا أمام المفكرين والباحثين بأن التربية هي الحلقة الأكثر أهمية قي دورة العنف وتجلياته. ومن هذا المنطلق بدأت الجهود تتقاطب والأعمال تتنامى في سبيل بناء نظرية تربوية تنتظم فيها طبيعة العنف وتتضح معها خلفيات وجوده .

وفي نسق هذه الجهود العلمية التي تنتظم بأصالتها وتتألق بجدتها يطالعنا آلان كويلوت    Alain Guillott بدراسته الفائقة العنف والتربية  Violence et Education التي تمثل محاولة إبداعية جديدة وأصيلة لدراسة ظاهرة العنف في ميدان التربية وعلم والنفس .

يتناول الكاتب مسألة العنف في التربية وفي مختلف المؤسسات التربوية بدءا بالمدرسة  ووصولا إلى المؤسسات الجامعية . وهو في هذا السياق يعلن بأن العنف التربوي قد أصبح حقيقة سوسيولوجية تفرض نفسها في مدار الحياة الاجتماعية . والمدرسة لا تعمل اليوم على إخفاء ما يجري في داخلها أو التستر على وجود هذه الظاهرة كما كان هو الحال في مراحل سابقة ، وتأتي هذه الحقيقة تحت تأثير وسائل الإعلام المتقدمة التي ترصد عن كثب مختلف مظاهر الحياة التربوية التي تدخل في صميم المؤسسات التربوية ولا سيما المدرسية منها .

وفي هذا المسار يعلن مقدم الكتاب الأستاذ جان ميشيل لاكروا  Jeun-Michel lacroix    الأستاذ في جامعة الصوربون باستغراب تنامي ظاهرة العنف ولا سيما في العقود الأخيرة من القرن العشرين حيث بدأت تشمل مختلف جوانب الحياة ومستويات الوجود الإنساني . وهو تأسيسا على هذه الرؤية يشير إلى الإحصائيات الكبيرة لمظاهر الجريمة والانحراف الناجمة عن تعاظم ظاهرة العنف في المؤسسات المدرسية والتربوية بصورة عامة .

هذا ويعلن مقدم الكتاب أن المدرسة تواجه مظاهر متجددة للعنف وتؤدي إلى انتشار مشاعر الخوف والقلق والذعر من قبل الأهالي والمربين والمجتمع . ويضاف إلى ذلك أن الحياة في المؤسسات المدرسية أصبحت مأساوية بالنسبة لعدد كبير من ضحايا العنف المدرسي . وقد شكل هذا الواقع الذي يضج بمشاعر القلق الاجتماعي مثار اهتمام الباحثين والمفكرين . وعلى هذا الأساس تأتي محاولة كويلوت في الكشف عن طبيعة هذه الظاهرة .

ومن جهة أخرى يشير البروفسور لاكروا إلى أن عمل كويلوت يشكل رؤية علمية تربوية تستند إلى معطيات علم النفس وعطاءات التحليل النفسي . وهو يحاول في إطار هذه الرؤية العلمية أن يهتك الأسباب الخفبة لهذه الظاهرة وأن يحدد جوهر العنف التربوي وطبيعته ومن ثم اكتشاف الشيفرة العلمية وتبديد الغموض الذي يلف ظاهرة العنف.

فالعنف في التربية وخارجها يشكل رسالة خفية موشاة بكل معاني الغموض تعبر عن قهر الإنسان ومعاناته الوجودية .

فالعنف ليس ظاهرة أحادية الجانب بل هي ظاهرة مركبة معقدة متعددة الاتجاهات . فدعوة المعلم إلى النظام وتسلطه يهدفان إلى استئصال ظاهرة العنف وإخماد جذوتها في نفوس الطلاب . وفي مقابل ذلك يشكل عنف التلميذ أو الطالب محاولة لقهر التسلط الذي يمارسه المعلم . وكل منهما يحارب سلوك الآخر وينظر إليه بوصفه سلوكا مشبعا بالحماقة . وهذا ما يدعو إلى التصادم وإلى استحالة الفعل التربوي أو ما يسميه كوليوت استحالة مهنة المربي .

لقد شارك كويلوت في عدد كبير من المهام العلمية المخبرية في جامعة بيزنسون وهو متخصص في علم نفس العائلة والعلاقة التربوية وقد شارك بصورة واسعة في الممارسات التربوية للمعلمين والمدرسين في مدارسهم وتمحورت مهامه في مساعدتهم  على إدارة الصراع  وتوجيه العلاقات التربوية داخل قاعات التدريس . وهذه الممارسات والفعاليات تؤكد له نوعا من التجربة العلمية والتربوية الواسعة المخصبة التي تعطيه إمكانيات منهجية واسعة في تمكنه من رصد الظاهرة المدروسة والكشف عن أبعادها الإشكالية .

هذه الممارسات والخبرات تتكشف عن منهج علمي ينضح بالصالة والجدة عن الكاتب .

وتتضح هذه الجدة في هذا المنهج الأصيل الذي يعتمده الكاتب في التوغل إلى عمق هذه الظاهرة في مستوياتها النفسية والاجتماعية والتربوية . فالمنهج يأتي على صورة تحدّ علمي إذ يضع الباحث أمام عينية هاجس الوصول إلى صميم هذه الظاهرة والكشف عن جذورها وتحديد سماتها بطريقة علمية تأخذ في أحيان كثيرة طابعا هندسيا يتجلى في تدفق الرسوم والمعاني الرياضية البسيطة أحيانا التي يقدمها الكاتب في صورة تجعل القراءة ممتعة والعقل متشوقا للمتابعة . فالمنهج المعتمد منهج إكلينيكي أي أنه يتابع الظاهرة عن كثب في أبعادها المخبرية وفي أنساقها التربوية وفي تجلياتها المعرفية .

وعبر هذا المنهج استطاع الكاتب أن يقدم رؤية علمية تربوية متقدمة  لهذه الظاهرة على الرغم من التواضع الكبير والحرص العلمي المتنامي الذي يظهره الكاتب إذ يؤكد بدون انقطاع بأن رؤاه ونتائجه صورة ممكنة عن الحقيقة وأن حقيقة هذه الظاهرة لا يمكن أن تعطى مرة واحدة وإلى الأبد.

ينتظم هذا العمل في ثلاثة أقسام وفي ثمانية فصول . يتضمن القسم الأول الذي يحمل عنوان : في معنى العنف Donner un sens a la violence أربعة فصول ؛ أما القسم الثاني الذي وسم بعنوان تحليل مداخل العنف   Analyse de l’accès de violence  فقد تضمن فصلين . وفي القسم الثالث الذي يحمل عنوان : المربي مهنة مستحيلة    Educateur un métier impossible  فيتضمن الفصلين الأخيرين.

يباشر  الكاتب في الفصل الأول

مفهوم العنف ويضعه أمام العقل النقدي سعيا إلى تحديد اتجاهات هذا المفهوم ومضامينه بصورة علمية تتسم بالوضوح . وهو في سياق ذلك يحاول أن يفصل بين هذا المفهوم والمفاهيم التي تتخمه وتجاوره وتتداخل معه ولا سيما مفاهيم : السادية والتسلط والصراع والعدوانية والسلطة . ويوضح الكاتب عبر منهجيات التعريف أن المفهوم يمتلك خاصة التنوع التي تتجلى مع تنوع المجالات والاختصاصات العلمية والاجتماعية أيضا . فهناك تعريفات للعنف من وجهات نظر سيكولوجية واجتماعية وانتروبولوجية وسياسية وتربوية . وهناك تعريفات تنسب إلى المجال الاجتماعي مثل : العنف المدرسي والعنف العائلي والعنف السياسي والعنف الطائفي . وإزاء هذا التنوع في تحديد ماهية العنف يحدد لنا الباحث الأسس الموضوعية التي يعتمدها الباحثون والمفكرون في تقديمهم لمفهوم العنف وفي تحديدهم لماهيته . وهنا يمكن لنا القول دون تكلف وفي سياق هذه المنهجية أن الباحث استطاع أن يكشف عن جوانب داخلية هامة في بنية المفهوم وذلك عبر إضاءات منهجية بالغة العمق والشمول .

وفي الفصل الثاني يبحث

الكاتب في ماهية العنف عند الناشئة والشباب ويحاول أن يحدد ملامح هذا العنف بصوره المختلفة . فالعنف الشبابي كما يقدمه الباحث يشكل اليوم قضية اجتماعية سوسيولوجية تواجه المجتمعات الإنسانية وتهدد أمنها . وهو في هذا السياق يحاول أن يحدد مختلف العوامل والخلفيات السيكولوجية والاجتماعية التي توجد في اصل العنف الشبابي في المجتمعات المعاصرة .

يذكر الباحث في هذا المستوى من البحث مجموعتين من الأسباب التي تكمن في اصل العنف الشبابي : حيث تشتمل المجموعة الأولى أسباب تعود إلى طبيعة الاتصال الاجتماعي والتفاعل في سياق الحياة المجتمعية . فالعنف في هذا المستوى قد ينجم عن سوء تكيف في طبيعة الاتصال الاجتماعي بين الأفراد . أما المجموعة الثانية من العوامل فتعود إلى خلفيات سيكولوجية تتصل بطبيعة الإنسان وتكويناته الفطرية كما يعتقد فرويد الذي يرى أن العنف متأصل في طبيعة الإنسان أو كما يرى الفيلسوف الإنجليزي هوبس في القرن السابع عشر الذي يرى بأن الشر أصيل في طبيعة الإنسان . وهذه الفكرة تجد صداها في بعض الأعمال السيكولوجية المعاصرة التي ترى أن الطبيعة الإنسانية تنطوي على مراحل حرجة في نسق تطورها ونمائها والتي تتمثل في طبيعة المحن والصعوبات والخبرات القاسية التي تمر بها الشخصية والتي تلعب دورا كبيرا في توليد العنف ومظاهر العدوان في السلوك الإنساني .

والباحث في سياق رؤيته هذه التي يستعرض فيها عددا كبيرا من وجهات النظر حول أصل العنف يركز اهتمامه على منظومة من العوامل المجتمعية والتربوية التي تكمن فيأصل العنف مثل : الأصل الاجتماعي للفرد وتاريخ التطور السيكولوجي للفرد وتجاربه الاجتماعية والتربوية .

في الفصل الثالث  يتناول

الباحث  المظهر الثاني للعنف والذي يتمثل في في طبيعة الاتصال والعلاقات التي تقوم بين الأفراد في المجتمع . وفي هذا المستوى يتجاوز الباحث حدود التصورات التقليدية المعروفة لطبيعة العلاقة بين الأفراد أو نسق العلاقات الاجتماعية القائمة في المجتمع حيث يقدم رؤية جديدة تتمثل في العمق الداخلي للإنسان الذي يمتلك في داخله نموذجا لشخصيات سيكولوجية متنوعة تمارس نوعا من الاتصال والعلاقات الجدلية بين العمق الداخلي للإنسان التي تتمثل في الجوانب الداخلية للشخصية مثل الهو والأنا والأنا الأعلى وهي ثلاثة لحظات سيكولوجية متفاعلة في بنية الفرد الداخلية .

وهنا ومن جانب آخر ينحني الكاتب ليبحث في طبيعة العلاقة بين البنى الداخلية للشخصية وبين البنى الخارجية التي تتمثل في طبيعة التفاعلات الاجتماعية في مختلف مستوياتها وتجلياتها بدءا بالقيم السائدة ومرورا بالاتجاهات القائمة وانتهاء بالممارسات الواقعية والحياتية الجارية في نسق المجتمع . فالباحث في هذا المجال يؤكد أهمية التاثير المتبادل بين الأشخاص المتفاعلين ولا سيما فيما يتعلق بالبنية الذاتية للفرد والتي يمكنها أن تشكل الهوية الشخصية للفرد أو الشخصية الأساسية في المجتمع .

وهنا يتضح أن عملية التفاعل تتضمن في سياق حركتها هذه العلاقة التفاعلية والدينامية ما بين العمق السيكولوجي والخارجي أي أنها في الوقت نفسه تأخذ طابعا داخليا وخارجيا في الآن الواحد .

وبعد أن يستفيض الباحث في تحديد التفاصيل السيكولوجية والاجتماعية لهذه العلاقة يصل إلى نتيجة قوامها أن العنف يتدخل في نسق هذه العلاقات وينبع من داخلها وبالتالي فهو يشكل طاقة حيوية في توجيه هذه العلاقات وتحديد هويتها .

وفي سياق هذه الرؤية أيضا يلح الكاتب على أهمية البنية اللاشعورية للأفراد وذلك لأن العنف قد يأخذ في أغلب الأحيان طابعا لا شعوريا . فالعنف قد يشكل لحظة من لحظات الدورة الانفعالية عند الإنسان . وباختصار يركز هنا الباحث على هذه اللحظة التي تتأجج فيها العلاقة الحيوية بين الوسط الداخلي للشخصية والوسط الخارجي الذي يحتضنها في تفسير بعض مظاهر العنف وتجلياته . وهذا يعني بالضرورة أن اهتزاز هذه العلاقة القائمة بين الداخل والخارج قد تؤدي إلى ولادة العنف بأشكاله المختلفة وتجلياته المتنوعة .

ومن أجل توضيح هذا السياق التفاعلي يوضح الكاتب في كثير من المقاطع الأساسية في الكتاب أن العنف ينجم غالبا عن تراكم الشحنات الانفعالية الضاغطة في أعماق الفرد والتي تحتاج إلى نوع من التفريغ لتحقيق التوازن وبالطبع فإن حالة التفريغ تتم غبر قنوات العنف والعدوانية . فالإنسان الذي تتراكم في داخله شحنات انفعالية ضاغطة تؤدي إلى اختناق سيكولوجي وانفعالي لا يحتمل وبالتالي فإنه يفرض على الفرض نوعا من الانفجار الذي يجسد ظاهرة العنف .

في الفصل الرابع  يتصدى

الباحث لقضية السلطة والتسلط عن الراشدين ودور ظاهرة التسلط الراشدي في توليد ظاهرة العنف وإمكانية تحليل معطيات هذا التسلط لتفسير بعض من جوانب العنف كظاهرة تربوية واجتماعية .

فالسلطة هي علاقة بين طرفين يقوم أحدهما بالتأثير في سلوك الآخر بما يمتلكه من قوة معنوية أو مادية . وهنا يحاول الباحث أن يوضح معنى السلطة وأن يسلط الضوء على حدودها في نسق علاقاتها العمودية مع مفهوم العنف والتسلط والعدوان .

فالسلطة كما يرى الباحث ضرورة لممارسة الفعل التربوي ولا تهدف السلطة إلى محاصرة الآخر ولا سيما إذا كانت هذه السلطة شرعية . ولكن هذه السلطة عندما تخرج عن مدارها وحدودها الشرعية فإنها تتحول إلى حالة من التسلط وهذا التسلط يؤدي إلى ولادة العنف والإكراه والانحراف .

وفي هذا المسار يعالج الباحث اتجاهات السلطة والتسلط وضرورة تحقيق التوازن الداخلي للسلطة كي توجه الحياة التربوية والاجتماعية بما يمكن أن يؤدي إلى محاصرة العنف والتسلط وبناء الحياة الداخلية المتكاملة للشخصية . وبالطبع يواجه الباحث مختلف الإشكاليات الفلسفية والاجتماعية والتربوية إزاء السلطة ومظاهر التسلط ونسق العلاقات الممكنة بين هذه المفاهيم والتصورات .

وفي الفصل الخامس :

يتناول الكاتب السياق الاجتماعي للعنف في هذا الفصل حيث يتجاوز دراسة حدود العنف في مستوى العلاقة القائمة بين طرفين : بين مهاجم وضحية إلى دراسة العنف بوصفه منظومة اجتماعية سيكولوجية وتاريخية مكونة من مجموعة عناصر اجتماعية متنوعة . وهنا تتم دراسة طبيعة العلاقات الجدلية بين هذه المكونات المؤدية إلى ظاهرة العنف .

فالباحث يفكك البنية الاجتماعية للعنف ويعاود بناءها بطريقة تتضح فيها المعالم وتتحدد فيها مؤثرات الفعل ودينامياته . وعلى هذا الأساس يقدم لنا رؤية جديدة ومنهجا جديدا في تحليل ظاهرة العنف ورصد فعالياتها المختلفة .

ويتقرر في هذا  المستوى أهمية العوامل التربوية ودورها في توليد العنف أو كبح جماحه . فالفعاليات التربوية المختلفة كما يقرر الكاتب نوجد في أصل العنف وتوجه مساره على النحو الاجتماعي الذي يتبدى فيه . فالمدرسة والعائلة معنية بغرس القيم وبناء الاتجاهات وتشكيل عقلية الأفراد وفي نسق هذه القيم وفي بنية هذه الاتجاهات وفي عمق هذه العقليات يمكن للعنف أن يأخذ مجراه وأن يستلهم مساره وأن يتحدد بوصفه ظاهرة اجتماعية مؤسسة على نحو تربوي .

ويتضمن الفصل السادس :

تساؤلات منهجية وجوهرية حول العنف ومدى حضوره في حياتنا الاجتماعية . وهنا يباشر الباحث منهجية أخرى تقوم على مبدأ الرصد الإكلينيكي المباشر لهذه الظاهرة في نسق وجودها التربوي والاجتماعي . وهنا يسجل البحث نقلة نوعية يتجاوز فيها الباحث حدود الكشف عن طبيعة الظاهرة إلى حدود الكشف عن دينامياتها وبصورة علمية . وهنا ومن جديد يعتمد الباحث منهجا أمبيريقا للكشف عن النظام الداخلي للعنف وتبديد الغموض الذي يلف جوانبه المختلفة . ومن العوامل التي يظهرها العمل في هذا المستوى يمكن الإشارة إلى ثلاثة مجموعات من العوامل التاريخية التي توجد في بنية العنف وهي : العوامل الأسطورية ، والعوامل الطقوسية ، ومن ثم العوامل التي تأخذ طابعا علميا وتلك هي العوامل التي يركز الباحث على تحليلها ودراسته في هذا المستوى .

وفي الفصل السابع  :

يتقدم الكاتب نحو غايته الأساسية التي تتمثل في دراسة العلاقة بين التربية والعنف على نحو علمي يتميز بالشمولية والعمق. هنا يمتلك الباحث ناصية القدرة على تحليل العنف في سياقه التربوي على أساس من الخلاصات العلمية التي أسس لها في الفصول السابقة. وإذا كانت الفصول السابقة قد أوضحت ماهية العقف واستجلت معالمه وحركته ودينامياته وتبصرت في عوامله ودوافعه ومكوناته من مختلف الجوانب  فإن الوقت قد حان لتحديد معالم هذه الظاهرة بجلاء في المجال التربوي .

وهنا ومن جديد يؤكد الباحث اعترافه العلمي بأن العنف ظاهرة مركبة ومتداخلة ، وأنه يستحيل منهجيا أن تُدرس هذه الظاهرة على أساس شبكة متواصلة من الأسباب والنتائج . ومع أن الباحث يعالج الظاهرة في هذا المستوى بجوانبها التربوية إلا أنه لا يستطيع أن ينسى للحظة واحدة الأبعاد الاجتماعية لهذه الظاهرة على منوال البعد الاجتماعية للظاهرة التربوية .

في هذا الفصل يعالج المؤلف العنف في المدرسة والعنف بين المعلمين والمتعلمين ، وبين الإدارة والطلاب ، والعلاقات بين الأسرة والمدرسة ، ويحلل نظام القيم والأسس التربوية القيمية المؤسسة للعنف ، ويخرج من هذه الدوامة إلى تقديم رؤى منهجية تكشف لنما وبصورة علمية عن مخارج تربوية ممكنة لتجاوز ظاهرة العنف المدرسي والتربوي نحو قيم جديدة خلاقة تتمثل في التعاون والسلام والأمن واحترام الآخر كمنظومة قيمية جيدة يمكن أن تبنى على أساس رؤية منهجية لمدى الخطر الذي تمثله النتائج السلبية للعنف والعدوانية في المدرسية .

يؤكد الباحث أن تحليل العنف المدرسي لا يأتي لمجرد اعتبارات تربوية والقضية ليست مجرد قضية تربوية إن قضية اجتماعية كبرى بل هي قضية سياسية في مبتدئها وخبرها . ومن يستلهم القوى الحيوية للقدرات السياسية في مجال تنظيم العنف وتهميش الدور الذي يمكن أن يلعبه في الساحة الاجتماعية .

إنها دعوة مفتوحة عطشى للفعل المنظم الذي يمكن للسياسيين والتربويين والإعلاميين أن يفعلوه في مواجهة العنف على أساس علمي .

وفي الفصل الثامن والأخير :

يهتدي الباحث إلى أهمية الأمن المدرسي . فالعنف في المدرسة هو ظاهرة جزئية لظاهرة نظمية تمتد لتشمل مختلف جوانب الحياة الاجتماعية . ومع ذلك فالتربية هي الحلقة الأكثر أهمية لأنها قد تؤدي إلى ولادة العنف أو تدمير الأسس التي يقوم عليها .

والقضية الجوهرية هنا هي أن المدرسة – وبعيدا عن كل الصيغ العلمية - هي نموذج للحياة : لحياة الأطفال والناشئة . فالأطفال يقضون جلّ حياتهم في مقاعد الدراسة . وهذا يعني أنه يجب على المجتمع أن يوفر للأطفال والمتعلمين حياة آمنة التي توجد في أسباب بناء الإنسان وتكامله وازدهاره . فما معنى حياة تسودها المخاوف الوجودية من العنف والعدوان ؟  وهنا ومن جديد يطرح الباحث إشكالية الأمن وضرورته السيكولوجية والاجتماعية والإنسانية . ويؤكد بالتالي على أهمية توفير الحياة المدرسية الآمنة من الخوف والقلق والتوتر .

ومن أجل بناء الأمن وحماية الناشئة من القلق الوجودي يقترح الباحث إعادة النظر في المناهج وأساليب العمل والتصورات والقيم والمبادئ التربوية ومن ثم بناء هذه المناهج وهذه القيم والتصورات على أساس جديد يمكن أن يوظف في توفير الأمن وحماية المدرسة من آثار العنف والعدوان كمقدمة موضوعية أساسية لحماية المجتمع وضمان أمنه واستقراره .

وبعبارة أخيرة يمكن القول أن معطيات هذا العمل تمثل كشفا جديدا في مجال الحياة التربوية والاجتماعية وهذا الكشف يعبر عن الحاجات الاجتماعية المتنامية لمواجهة تحدي العنف بمختلف تجلياته ولا سيما في المجال التربوي .

 

 

د. علي أسعد وطفة